| 

يبدو أن الظروف والمتغيرات التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل تلاوينها لم توفر لحركة حماس الفرصة الكافية، لتقديم نفسها أمام الآخرين، بما هي عليه فعلا، وبما تنطوي عليه منظومتها الفكرية والسياسية من مرونة واسعة وقدرة على التكيف، وبراغماتية تفوق كثيرا أحزابا وحركات علمانية عريقة.
لقد تعرضت حركة حماس إلى حملة واسعة دولية وعربية وفلسطينية من الضغوط المتواصلة والشديدة التي ساهمت في فرض الحصار والعزلة عليها، وأسبغت عليها صفة المنظمة الإرهابية، والمنظمة التي لا تجيد المناورة والتعامل بمرونة مع حقائق الأمر الواقع ومستجدات العمل السياسي.
حركة حماس ساهمت بدورها، ومن خلال الممارسة، في رسم الصورة التي تموضعت فيها وبدت كأنها حركة الثورة المستمرة، الأصولية في فكرها، الباحثة عن مواطئ قدم لإقامة «الإمارة الإسلامية»، أو القلعة الأولى لحركة النهضة الإسلامية في الوطن العربي، وأنها لا تجيد إلا المقاومة، والمقاومة بمفهومها العنفي.
ففي أواسط تسعينيات القرن الماضي، وبعد قيام السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو، التي تعارضها حركة حماس، آثرت الحركة التعبير عن رفضها الفعلي للاتفاقيات، من خلال سلسلة عمليات استشهادية داخل إسرائيل، وكان ذلك أقوى تعبير عن منطقها السياسي المزدوج إزاء رغبتها في إفشال ومن ثم إسقاط القوى التي حملت خيار المفاوضات، لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني، وإزاء مقاومة الاحتلال. وخلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28/9/2000، كانت حركة حماس المساهمة الأكبر، وصاحبة العمليات الأشد خطورة، والتي اتخذت طابعا استشهاديا داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1948.
لم ينتبه كثيرون، ولم تنجح حركة حماس في توضيح أبعاد إستراتيجيتها العسكرية، التي تقوم على تركيز جهدها العسكري داخل فلسطين وحدها، وحرصها على عدم «التورط» في القيام بعمليات عسكرية ضد مصالح الدول المنحازة لإسرائيل، أو حتى ضد المصالح والمؤسسات الإسرائيلية خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي يحدث فرقا واضحا بين مفهومها للعمل العسكري ومفهوم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
ولم تسجل حركة حماس على نفسها أنها مهتمة بملاحقة العدو في كل مكان أو أنها تستهدف القيام بعمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية ولا حتى من باب الانتقام والثأر أو ردة الفعل على جرائم ارتكبتها إسرائيل حتى بحق رموزها وبعض قياداتها في الخارج، كما حصل مثلا مع رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، والشهيد محمود المبحوح الذي اغتاله «الموساد» في دبي.
تقوم رؤية حركة حماس وتبنيها خيار المقاومة، على المبادئ التالية:
أولا: أن أراضي فلسطين هي وقف إسلامي إلى يوم الدين، وأن من المحظور التنازل عنها أو التفريط بها.
ثانيا: المشكلة الأساسية هي مع الحركة الصهيونية، التي تآمرت مع القوى الاستعمارية، وجلبت اليهود إلى فلسطين، وبالتالي فإنها ترى إمكانية التعايش مع اليهود الفلسطينيين أصلا، كما هو الحال لدى المسلمين، باعتبار أن فلسطين هي أرض الأنبياء والرسل.
ثالثا: ترى الحركة أن سنوات الصراع الطويل مع هذا الكيان الغاصب أكدت أن الأرض الفلسطينية المحتلة لن تعود إلا إذا شعرت دولة الاحتلال بأن بقاءها يتهدده الخطر، الأمر الذي يوجب دعم منهج المقاومة المسلحة للضغط على هذا الكيان الاستعماري الاستيطاني كي يعيد الحقوق إلى أصحابها.
رابعا: لأسباب دينية وسياسية وأخلاقية، تعترف «حماس» بحقيقة وجود إسرائيل كأمر واقع غير شرعي تفرضه القوة الغاشمة، لكن هذا لا يبرر الاعتراف بها.
خامسا: لقد أكدت وقائع التجربة العملية خلال نحو عقدين من الزمن، فشل خيار المفاوضات، ولذلك فإن المقاومة هي السبيل الوحيد لتحرير فلسطين.
وبالفعل، وعلى الرغم من مرور نحو أربع سنوات على الحصار المفروض على قطاع غزة، وحركة حماس وحكومتها، إلا أن الحركة والحكومة رفضتا الاستجابة لشروط اللجنة الرباعية الدولية، التي طالبتها مرارا بالاعتراف بإسرائيل ونبذ ما يسمى بالإرهاب، والتزام الاتفاقيات التي وقعتها مع إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية.
سادسا: حركة حماس تتمسك بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بمختلف الأشكال والأساليب التي تقرها الشرعية الدولية، وتقول أنها تركز عملياتها العسكرية على الوجود العسكري الإسرائيلي، وليس على المدنيين، وأن عملها وجهودها العسكرية تتركز فقط في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ولتكريس هويتها السياسية ونهجها المقاوم باعتباره خيارها الرئيسي، نجحت «حماس» في تجيير «مبادرة شارون» في أيلول 1994، بإعادة انتشار جيشه إلى مداخل قطاع غزة وتفكيك تسع عشرة مستوطنة، إلى انتصار أكيد للمقاومة ونهجها الذي أدى إلى تحرير القطاع. ولاحقا حين قررت «حماس» اقتحام ميدان العمل السياسي المتاح عبر الانتخابات التشريعية والبلدية أواخر العام 2005، وأوائل العام 2006، ونجاحها في الحصول على أغلبية مقاعد التشريعي، بدأت بحملة سياسية إعلامية، تستهدف تأكيد فكرة «الحكومة المقاومة»، بما يعني أن برنامج الحكومة وعملها ينبغي أن يتكامل مع نهج المقاومة ويدعمه. وقد ساعدت مرحلة الصراع على السلطة، والتي أدت إلى «الانقلاب» في 14/6/2007، وسيطرة حركة حماس، وحكومتها المقالة على مقاليد الأمور في قطاع غزة، والحصار الذي خضعت وخضع قطاع غزة له منذ ذلك الوقت، على تأكيد مقولة «الحكومة المقاومة». والحقيقة أن حالة الانقسام والحصار لم تترك لحركة حماس وحكومتها، أي خيار، أو فرصة لاختبار خيارات أخرى سوى خيار المقاومة، التي اتخذت أشكالا عدة، من رفض خيار المفاوضات الذي تتبناه حركة فتح، إلى مقاومة الحصار، ومقاومة العدوان الإسرائيلي المتكرر، إلى مقاومة الضغوط والاشتراطات التي تبنتها اللجنة الرباعية الدولية والصمود المضني أمام الحصار المفروض على القطاع.
على أن هذا المفهوم للمقاومة، الذي يزاوج بين الشعارات السياسية، والعسكرية، قد اتخذ بالممارسة العملية طابعا مختلفا، حيث تميزت المقاومة السياسية بالهجومية، فيما تميزت المقاومة العسكرية، بالدفاعية والسلبية، والأمر لا يقتصر على قطاع غزة فقط وإنما أيضا على دور «حماس» في الضفة الغربية، حيث لم تنفذ خلال أربع سنوات، سوى عمليتين عسكريتين، وذلك كما تقول مصادر الحركة، بسبب ملاحقة خلاياها وكوادرها العسكرية والتعاون الأمني بين أجهزة السلطة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية. هنا يمكن أن نلمس الفارق بين مرحلتين، ما قبل الانتخابات التشريعية، حيث حرصت حركة حماس على رفض دعوات التهدئة مع إسرائيل وواصلت إطلاق الصواريخ بكثافة، وما بعد الانتخابات، حيث تبنت هي الهدنة من طرف واحد، وتوقفت عن إطلاق الصواريخ ومنعت الفصائل الأخرى من إطلاقها بين فترة وأخرى.
لقد أصبحت «حماس» معنية بحماية حكومتها ووجودها في غزة، وفرض تجربتها في الأمن، وحماية «التعهدات» التي تقطعها على نفسها (التهدئة) وعدم السماح للآخرين بإفساد هذه التجربة، أو تقديم الذرائع والمبررات لإسرائيل كي تواصل عدوانها على قطاع غزة، محاولة تحقيق شيء من التوازن في منطقها إزاء المقاومة.
حركة حماس التي تتبنى المقاومة، لم تسحب أسلحة الأذرع العسكرية للفصائل الأخرى، باستثناء غريمتها «فتح»، ولكنها منعت الظهور المسلح وإطلاق النار في المناسبات، وامتنعت عن تفعيل المقاومة العسكرية، أو إقامة جبهة للمقاومة بمشاركة الآخرين، وظلت تعمل بصمت لتعزيز قدرتها وبنيتها العسكرية على أسس دفاعية في هذه المرحلة على الأقل.
وبشكل عام، يمكن القول إن الصمود السياسي والعسكري هو عنوان المقاومة الذي يشكل الضابط والمحدد الأساسي لفعل حركة حماس وذراعها العسكرية في قطاع غزة.
وفي الحقيقة، فإن حركة حماس أحسنت استخدام وسائل الإعلام، أيما استخدام، بحيث حافظت على طابعها المقاوم، رغم براغماتيتها السياسية الواضحة، وحولت في كثير من الأحيان، الوقائع الصعبة والكلفة إلى انتصارات لنهج المقاومة، من تسيير لسفن الحرية، وتزايد حملات التضامن الشعبي الدولي، وتراجع الجيش الإسرائيلي إلى داخل حدود الخط الأخضر بعد حربه المدمرة على قطاع غزة في 28/12/2008، واستمرار «حماس» في إطلاق عدد من الصواريخ لبضعة أيام بعد تراجع الجيش الإسرائيلي، وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط؛ كلها حولتها حركة حماس إلى انتصارات عظيمة للمقاومة، ولنفسها، رغم أن الشعب الفلسطيني دفع تكاليف باهظة الثمن خلال هذه الفترة.
في الواقع، فإن حركة حماس تتحرك بشكل مرن في المساحة التي يتيحها المخطط الإسرائيلي، الذي يعمل على خط تعميق الانقسام الفلسطيني، ودفع قطاع غزة كليا باتجاه مصر، والتخلي الكامل عن مسؤوليات إسرائيل كدولة احتلال اتجاه قطاع غزة، مما يعني أن إسرائيل ليست جادة في ادعاءاتها بشأن إنهاء سيطرة «حماس» على القطاع. وهكذا، فقد ساعدت التطورات على جبهتي الصراع الداخلي الفلسطيني، والوطني مع إسرائيل، على أن تنجح حركة حماس في تأكيد نجاعة خيار المقاومة، الذي أصبح العنوان الرئيسي الذي يمكن قراءة سياسة الحركة وفهم واقعها ورؤيتها من خلاله.

طلال عوكل كاتب وباحث مقيم في غزة