| 

وسَط تاريخٍ يتسارع، وبدائل تتبدل، وجغرافيا تعيد تعريف ذاتها وترسيم ملامحها، ووسط صوغ قواعد جديدة للعبة، تجد الحركة الوطنية الفلسطينية، ممثلة فصائلها وأحزابها ومنظماتها وهيئاتها، أقرب إلى منظومة نظم الحكم العربية التي تكلّست على عروشها، منها إلى روح تلك الشعوب الثائرة. نُظمُ حكمٍ تحوك دساتير لتقديس ذاتها، وتحفظها من المحاسبة والتغيير، وتمنح معارضتها تنفسا صناعيا. إنها، من وجهة نظرها، قائمة من قيام الوطن ذاته، وكائنة من كينونة الشعب ذاته. ومن هنا، تصبح لغة هذه النظم مع شعوبها، ولغة شعوبها معها خطين متوازيين لا يلتقيان إلا التقاء السيف بالدم. تحوم الحركة الوطنية الفلسطينية في فلك ما سلف. لكن، كيف، ولماذا؟
إن حال الحركة الوطنية الفلسطينية، ومعها مشروعها المعاصر، تراوح في مكانه في أحسن تقدير، يُعوَّل ذلك تلقائيا بعظمة المؤامرة وهَوْل البدائل. لكنّا إذا ما موضعنا هذه الحركة في قالب ما يجري في فلسطين، وخصوصا الخطوات المتلاحقة التي يخطوها المشروع الصهيوني، باعتباره نقيضها الفطري، تصبح مراوحة الحركة الوطنية في مكانها تقهقرا حتميا. وبالتالي، يظل الخطاب المنبثق عنها خجولا ومتأرجحا، لا يؤثر في مسار التاريخ، ولا يسهم في عملية الصنع، ولا يظهر إلا من باب رد الفعل الرافض. وليس لمثل هذا الخطاب مكان لمن أراد أو يريد أن يبني حيِّزه الخاص في التاريخ الإنساني على مرِّ العُصور.
أما الخطاب المنشود، فعليه أن ينأى عن تلك المحاولات التي توصِّف الواقع الآني أو تفسِّره، أو تلك المحاولات الرامية إلى التجييش اللحظي للمشاعر، والكف عن تأطير الفلسطينيين كضحايا يستحقون الشفقة أو أبطالا يستحقون الثناء. إن ذلك كله، يفيد أزمان الحروب من ذوات البدايات والنهايات، ولا يفيد حالات الاستنزاف الطويلة، كما هي حال الفلسطينيين. إن على الخطاب، وبالأخص الثقافي منه (بمعناه العريض)، أن يعمل على «تغيير الواقع». تماما كما أعلن كارل ماركس في سياق متصل: «الفلاسفة أضاعوا وقتهم في تفسير العالم مع أن مهمتهم هي تغييره»، وأكده لاحقا إدوارد سعيد بقوله إن: «المثقف هو الذي لا يرضى بحاله حتّى يُغَيِّرها، فإذا غيَّرها بدأ يحلم بمواصلة التغيير». وفي قاموس التغيير هذا، يظل مقياس النجاح، هو التغيير عينه، وليست كم المحاولات أو سببية العوائق.
تنبع أزمة الخطاب الفلسطيني من أزمة الحركة الوطنية برمتها. فهي تحمل أطياف رؤى لا رؤى بعينها، تتماهى لديها الإستراتيجية بالتكتيك، وتختلط عليها العناوين. من هنا، بدأ المشروع الوطني الفلسطيني المعاصر يقوم على قاعدة الاختزال. حتى بدا كأنه يمتد ليختزل اثنين من أهم مواطن قوته (وربما الوحيدين)، يقوم الأول على المقاومة باعتباره مشروع تحرر وطني؛ فيما يقوم الثاني على المدّ العالمي لفلسطين، بما يشمل البعدين العربي والإسلامي. وهو عظيم الدلالة، لأنه هو من يمنح الفلسطينيين الحق بالادعاء صدقا بأنهم الوحيدون المخولون منح إسرائيل «الشرعية». ومع ذلك، فإن مثل هذا المدّ، في اعتقادي، لم يحصل بسبب الاستراتيجيات الفلسطينية أو الخطاب المنبثق عنها، وإنما على الرغم منهما.
أما موطن القوة الأول، فلعل أبرز ما ضرب أنماط المقاومة كنهج حياة للفلسطينيين في مرحلة التحرر الوطني تمثل في تمييع مرحلة التحرر الوطني ذاتها، وبالتالي زعزعة ركائزها. فإذا كان الطابع الدولاني لمنظمة التحرير، الذي أكدته دوما، قد جاء نتاج لجهد سياسي وعسكري ودبلوماسي عسير المخاض، وظلّ في الكثير من الأحيان داعما وسندا لنشاطها العسكري، غير أنه شكل في أحيان أخرى كثيرة إرباكا جليا بين النهجين للجسم الواحد. ومع ذلك، فقد ظل المفصل الأخطر يتمثل في إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، على صعيد تماهي مرحلة التحرر بعملية «بناء الدولة».
لقد تعمد القائمون على السلطة الوطنية الفلسطينية إبراز سماتها الدولانية بشكل مبالغ فيه بغياب الدولة، والانطباع بإنهاء الاحتلال مع وجوده على الأرض. وإذا كانت إمكانيات التوفيق بين تطور السلطة الوطنية وخطاب التحرر الوطني وأساليبه أمرا مستحيلا، فقد تمت عملية الإسراع في نهج المأسسة (ما بعد الدولة) واستبدال المفاهيم والثقافات وبروز النخب وإعادة صوغ التراث السياسي، على قاعدة الهروب إلى الأمام. لم تكن هذه العملية الانتقالية «سلسة» بطبيعة الحال، بل دفعت العديد من حركات التحرر الوطني الفلسطيني إلى إرباك سياسي بالحد الأدنى، وإلى موت سريري في الحد الأقصى لم تخرج منه حتى اللحظة. فحركة «فتح» التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود مضت، أضحت اليوم أقرب إلى حزب سلطة (في مرحلة ما بعد الدولة) منها إلى حركة تحرر وطني. لقد تماهت «فتح» مع منظمة التحرير أولا، ومع السلطة الوطنية ثانيا، وهي أطر دولانية بامتياز، ما دفعها أكثر من غيرها إلى «الانخراط في عملية البناء». غير أن حال الفصائل الأخرى لم تكن أفضل، فقد تأقلم الكثير من الفصائل الفلسطينية، خصوصا اليسار، في «الواقع الدولاني» للسلطة الوطنية، مبرراً هذا الانخراط الدولاني بالحفاظ على سمات مرحلة التحرر الوطني. كما تبدو حركة «حماس»، في أعقاب سيطرتها على قطاع غزة، تسير بالخطأ نفسه الذي ارتكبته «فتح» قبلها، في استباق الدولة، وبتبني المنطق ذاته ولو باختلاف المرجعيات.
والمثير حقا، بل ربما كان تكون المثال الأندر في التاريخ، هو أن ينخرط جموع من الفلسطينيين في «عملية بناء» لدولة لم تقم بعد، وليس معروفا بأي شكل ستقوم، وكيف ومتى وأين! وقد تكون «الدولة المسخ» التي تعرضها إسرائيل هي النتيجة المأسوية لمثل هذه العملية الخارجة على مسار التاريخ والمنطق. تلك هي نتيجة تماهي التحرر ببناء الدولة، والاستراتيجيات بتكتيك يصبح بدوره إستراتيجية قائمة بذاتها، ثم يتماهى بتكتيك جديد. من التحرير، إلى نموذج الدولة الديمقراطية العلمانية، إلى الدخول في مشروع إقامة «سلطة وطنية مقاتلة على أي جزء محرر»، أو ما عرف بـ «البرنامج المرحلي»، إلى تبني «حل الدولتين». والأخير يفيد التوازن بين طرفين متصارعين، لا نضال تحرر. ولكن الأخطر من ذلك، هو «حل الدولتين» حلا ديناميا يظل عرضة للتغير والتبدل تباعا وفق خريطة التوسع الصهيوني على أرض فلسطين.
وإذا كانت الحركات الأخرى، ونقصد أساسا الحركات الإسلامية كحماس، تضع التحرير الكامل شعارا، فإنها لا تعارض إقامة دولة مستقلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 كأحد شروط هدنة طويلة الأمد. كما ظل خطابها يتأرجح بكل ما يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية. فالخط الذي جاءت به «حماس» لا يرفض السياسات العملية لمنظمة التحرير أو الفصائل، وإنما يرفض منهج العمل برمته، في التعامل مع الصراع والمجتمع معاً. ومع ذلك، فقد توصلت «حماس» إلى توجه أكثر براغماتية وأقل وضوحا وفق قاعدة «منزلة بين المنزلتين»، أي العمل باستقلالية وبناء مؤسساتها وشبكتها التنظيمية بعيدا عن منظمة التحرير، وفي الوقت ذاته لا تطرح نفسها عمليا كبديل من منظمة التحرير الفلسطينية.
كما شكل التأرجح الأيديولوجي صفة ملازمة لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وخصوصا اليسار منها. وقد شهدت الحركة الوطنية فوضى أيديولوجية مزجت فيها التيارات والمشارب الفكرية المختلفة، فانتقل القوميون مثلا إلى الاشتراكية، مطلقين على أنفسهم اسم «اليسار الجديد» و«الماركسية القومية» تمييزا لهم من الأحزاب الشيوعية. وما من شك في ان التأرجح الأيديولوجي للحركات الفلسطينية على قاعدة استيراد الأيديولوجيا وتطبيقها على الواقع الفلسطيني، ومن ثم الانتقال إلى أيديولوجيا أخرى، قد أنهك الفصائل الفلسطينية وكوادرها في محاولات إثبات رشد التوجه الأيديولوجي لكل حزب وفصيل، وأشغلهم بدرجة كبيرة عن تطوير منهج عملي مشترك قادر على التعامل مع الصراع، وتوحيد الرؤية والإستراتيجية والخطاب تجاه الخارج على الأقل. كما قادت الانشقاقات المتكررة إلى تحالفات لم تكن بالضرورة ذات قواسم أيديولوجية أو فهم مشترك للصراع.
وإذا اختلت كينونة المشروع الوطني كمشروع تحرر، واهتزت الرؤى وتأرجح الخطاب، تصبح خيارات المقاومة وطبيعتها أكثر تعقيدا بالضرورة. فقد ظلت طبيعة العلاقة بالكفاح المسلح والخيار السياسي في التوجه إلى الصراع تتراوح بين مد وجزر. وما دام أن كل واحدة منفردة لن تحقق الهدف المطلوب، فقد كان الخلط بين الوسائل أمرا جديا وواجبا. منذ بداية الانتداب، اتسمت وسائل النضال الفلسطينية بتقليدية وسلبية المنهج، غير أن الثلاثينيات أزاحت السلبية جانبا لمصلحة العمل المسلح، ثم عادت المبادرات السياسية تلقى آذانا فلسطينية حتى النكبة التي أعادت تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني، لتختمر بعده فكرة الكفاح المسلح كطريق «وحيد» لتحرير فلسطين. بعد ذلك، لحقته مشاهد متكررة لم تكن تشكل فيها وسائل النضال تناغما بقدر ما كانت قفزا من وسيلة لأخرى.
ذلك كله، كان له كبير الأثر في المد العالمي المناصر لفلسطين، موطن القوة الثاني للمشروع الوطني الفلسطيني. وفي اعتقادي، لم تعط النخب الفلسطينية هذه القضية الاهتمام اللازم، ولم تغرسها في العقل السياسي الفلسطيني. بل انها قامت على قاعدة الاختزال ذاته، إلى حدود المانحين، وبعض مراكز صنع القرار المحسومة سلفا لمصلحة إسرائيل، وتم اختزال شعوب متضامنة سلفا مع فلسطين. بل ان الجهود الفلسطينية المبذولة دوليا قد لعبت ضمن ما يتقنه المجتمع الدولي جيدا، أي، الغرق في التفصيلات القانونية والإحصاءات وبذل جهود تقصي الحقائق، وتعليم الضحية مبادئ حقوق الإنسان. إنها معركة خاسرة سلفا لأنها لا تصيب كبد الحقيقة. إن على الخطاب الفلسطيني أن يبلّغ رسالة لا لبس فيها بأن الإحجام عن التعامل مع جذر الصراع، لا يدفع إلى عدم حل المشكلة فحسب، بل هو اشتراك في تأزيمها أيضاً.
وختاما، فإن على مركبات الحركة الوطنية الفلسطينية أن تدرك أن التاريخ لا يتوقف لينتظر المتعثرين. ولعل في الثورات العربية لعبرة، بأن الإصلاح ممكن ما دام باب التوبة لم يُقفل بعد.

نهاد بقاعي باحث ورسام كاريكاتير والمدير العام لدار الأركان للإنتاج والنشر