| 

أكثر من ثمانين مجموعة «فيس بوك» من الشبان والشابات في فلسطين تدرس إمكانية إطلاق ثورة من طراز ثورة تونس ومصر وليبيا و....؛ مجموعات تنظم أشكالا من التضامن مع الشعوب العربية بالمسيرات وتوزيع الأعلام وتصميم ملصقات... الأعلام التونسية والمصرية والليبية تحتل المشهد على صفحات «الفيس بوك»، وفي الشوارع وعلى السيارات، ومجموعات تنشط لفرض إنهاء الانقسام بين حركتي حماس وفتح واستعادة الوحدة الوطنية لخلق مقومات الانتفاضة الجديدة ضد الاحتلال. هذه المجموعات تعتقد أن الانقسام يكبل الحركة والاندفاع نحو الهدف المركزي المتمثل بوضع نهاية لأطول احتلال في التاريخ المعاصر.
مجموعات شبابية أخرى حددت لها هدفا مركزيا هو إنهاء الاحتلال، وتعتقد أن التوجه الى المهمة المركزية سيفضي إلى تجاوز قضية الانقسام في الميدان.
مجموعات أخرى تعطي أولوية لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، بدءا بإصلاح المجلس الوطني والمؤسسات المنبثقة عنه، وبخاصة اللجنة التنفيذية، وترى ضرورة انضواء جميع القوى والكفاءات والعقول في إطار المنظمة على أسس وطنية ديموقراطية حقيقية.
أفكار أخرى تتحدث عن الاصلاح وفتح ملفات الفساد ومحاسبة جميع الضالعين بالفساد السياسي والمالي والإداري والقيمي في إطار المنظمة والسلطة، وبأثر رجعي. ومبادرات تطالب بحل السلطة الفلسطينية والتراجع عن اتفاق أوسلو والتزاماته، واعتماد منظمة التحرير كمرجعية وقائدة لمرحلة جديدة من النضال الوطني ضد الاحتلال.

أثر الثورات العربية
أفكار عديدة يتم تداولها مستوحاة من التجربتين المصرية والتونسية. فثمة إحساس متعاظم بأن دور مصر قد تغير من موقف سقفه السياسة الأميركية، إلى موقف سيكون حتما مؤيدا وداعما للشعب الفلسطيني. على الأقل، في المدى المباشر، لن تمارس مصر الضغط على القيادة الفلسطينية كي تستجيب للشروط الأميركية المجحفة والمنحازة الى دولة الاحتلال. وثمة اعتقاد بأن الشعوب العربية التي كانت على الدوام متعاطفة ومساندة لنضال الشعب الفلسطيني ستكون هذه المرة داعمة بقوة لمطالبه وأهدافه العادلة، فقد وَلّى الزمن الذي كانت فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي الدولة الإقليمية الوحيدة التي تعتمد غطرسة القوة في فرض منطقها وسياستها على النظام العربي الرسمي من دون اعتراض أو رد؛ وَلّى الزمن الذي لم تُمارس فيه الضغوط على «المصالح» الأميركية والإسرائيلية التي استقدمها النظام العربي، على الرغم من دوس إسرائيل الشرعية والقانون الدولي والاتفاقات وحقوق الشعوب، وخاصة حقوق الشعب الفلسطيني.
بجميع المقاييس، لقد حدث تحول في غاية الأهمية بعد مسلسل الثورات الشعبية العربية العظيمة، عنوانه أن القضية الوطنية العربية، وفي مركزها القضية الفلسطينية، ستنتقل من محور النظام العربي واستراتيجيته المبنية على العجز والتوسل للإدارات الأميركية المتعاقبة، إلى محور الشعوب العربية واستراتيجية الانتصار للحرية والضغط الفاعل على المصالح وأشكال الهيمنة والوصاية.

العجرفة الإسرائيلية ستقود إلى الانفجار
حراك شبابي غير مسبوق خارج إطار التنظيمات والأحزاب في معظمه، مبادرات تنطلق في كل يوم، وحوار مفتوح ومتواصل، مؤشرات عديدة تقول إن رياح التغيير تقترب من فلسطين.
شباب فلسطين في طور التحضير لعمل كبير يطرح الاحتلال ومصائبه على بساط البحث، يراكم خبرات الثورات المصرية والتونسية والليبية ويستعيد تراث الثورة والانتفاضة الفلسطينيين، ليكون بمستوى تحدي دولة الاحتلال التي لها باع طويلة في القمع والردع والحصار؛ هذه الدولة التي أيدت جميع الحروب في المنطقة وأيدت قمع الأنظمة لشعوبها؛ دولة وضعها المجتمع الدولي فوق القانون وَصَمَتَ على انتهاكاتها الدائمة والفادحة للقانون والشرعية الدولية، كما صمت على تنصلها من الاتفاقات والخطط التي استجابت للشروط الإسرائيلية أساسا، كاتفاق أوسلو، وخريطة الطريق، ومؤتمر أنابوليس، ومبادرة السلام العربية، وصمت على الاستيطان الزاحف الذي يدمر مقومات الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية، وبخاصة في مدينة القدس.
لقد أغلقت دولة الاحتلال جميع المنافذ التي تؤدي إلى إنهاء احتلالها واستيطانها للأراضي الفلسطينية ضمن حل سياسي يُطّبِقْ قرارات الشرعية الدولية ويقبل به الشعب الفلسطيني. ولم يكبح المجتمع الدولي التعنت والتمرد الإسرائيلي طوال 20 عاما من المفاوضات العبثية التي أبدى فيها المفاوض الفلسطيني استعداده لتقديم تنازلات إضافية تحت سقف القرارات الدولية، كما كشفت ذلك «وثائق الجزيرة». ومع ذلك، أصرت الحكومة الإسرائيلية على فرض الفصل العنصري (أبارتهايد) بنسخة أسوأ بكثير من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وواصلت وضع الشعب الفلسطيني داخل قبضة أمنية محكمة، كما واصلت سياسة التمييز العنصري وسياسة إهانة الشعب الفلسطيني وقهره. لم يفعل النظام الدولي شيئا غير الوعود الكاذبة، ولم يفعل النظام العربي شيئا باستثناء التوسل وتكرار التوسل الذي عبر عن عجز مطلق. ووقفت السلطة والمنظمة عاجزتين عن رفض سياسة التفاوض واختيار استراتيجية بديلة. والنتيجة لم يبق أمام الشعب الفلسطيني غير التدخل بطريقته الخاصة، أي بالانتفاضة.

استجابة رسمية خاطئة
في الوقت الذي بدأ فيه الشباب الفلسطيني يستجيب لشروط التغيير والثورات الجديدة في المنطقة، بادرت السلطة والمنظمة إلى تحديد موعد للانتخابات الرئاسية والتشريعية في تموز/ يوليو القادم، والى تعديل وزاري في حكومة سلام فياض. الموقف المتسرع غير المدروس كان قفزة في المجهول، لأنه لم يراع التحولات النوعية في المنطقة، وأخطأ في صوغ الأولويات وقفز عن واقع الانقسام. وهذا الموقف يعبر عن فقدان الاتجاه السياسي، فقد طرحت الانتخابات وكأنها بديل من الحملة الدبلوماسية التي استهدفت جمع أكبر اعتراف عالمي بالدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وكبديل من خطة بناء مؤسسات الدولة المزمع إقامتها.
وينطوي ذلك على تحويل الجهود والأنظار من مهمة إنهاء الاحتلال إلى مهمات داخلية صرفة في لحظة متفجرة سياسيا وزاخرة بالمستجدات الايجابية الداعمة للنضال الفلسطيني، وخاصة بعد انتصار الثورة المصرية. ويبدو أن استجابة السلطة والمنظمة في واد، والاستجابة الشبابية المتفاعلة مع الأحداث في واد آخر. فالتنافر بين الاستجابتين سيؤدي إلى الافتراق والتبعثر، ويضعف، بل يحطم، الجسور التي تربط النظام الفلسطيني بالشباب. إن رفض الضغوط الأميركية لسحب مشروع قرار مجلس الأمن في شأن الاستيطان قبل التصويت عليه، ورفض استئناف المفاوضات قبل وقف الاستيطان، والحملة الدبلوماسية للاعتراف بالدولة، ساهم، ذلك كله، في بناء الجسور بين القيادة والرأي العام، والشباب على نحو خاص، هذه الجسور التي كانت الوثائق السرية التي كشفتها قناة «الجزيرة» قد ضعضعتها.
وفي الجهة الأخرى، كانت استجابة التنظيمات المعارضة وغير المعارضة لعاصفة الحرية التي اجتاحت البلدان العربية انتظارية ومرتبكة وغير خلاقة. فقد كررت التنظيمات احتفالاتها السنوية بالطريقة التقليدية ذاتها، كالحشد المركزي الاستعراضي والخطاب الحزبي والأعلام الحزبية وكأن شيئا لم يكن. ضعف التأثر والاستجابة للتحولات يعني أن هذه التنظيمات لم تستخلص الدروس، وقد وضعت نفسها خارج المبادرة لفتح الانسداد السياسي الخانق. استجابة السلطة الخاطئة، واستجابة المعارضة التقليدية، تقودان إلى تكرار التجارب العربية؛ إلى انفصال الجسم الشبابي ومبادراته عن السلطة والمنظمة والتنظيمات ورتابتها ونمطيتها وعجزها، وإلى دمج عملية الإصلاح والتغيير بالمعركة الكبرى لإنهاء الاحتلال.

هل نملك مقومات للانتفاضة الجديدة؟
امتلكت انتفاضة 1987 روافع اجتماعية ساهمت في تنظيم المنتفضين بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من حدوث الانفجار الشعبي الكبير. النقابات العمالية واتحادات الشباب والمنظمات الجماهيرية، وخاصة النسوية والنقابات المهنية والتنظيمات السياسية ودوائر الإعلام والصحافيين والكتاب والمثقفين، هذه الأجسام التي كانت منضوية في إطار منظمة التحرير وفصائلها شكلت روافع للشعب الذي انتفض مرة واحدة بشكل عفوي وبصيغة انفجار هائل هز دولة الاحتلال. وسارعت الروافع التنظيمية والنقابية والمهنية والجماهيرية إلى قيادة الانتفاضة وتسليحها بالمواقف والشعارات والبرامج، وساهمت في إطالة أمدها واستمرارها، ومكنتها من تحمل الضربات المؤلمة كتكسير عظام المنتفضين والاعتقالات الواسعة.
الروافع التي وجهت لها سلطات الاحتلال ضربات قاسية في أثناء الانتفاضة لم يصار إلى إعادة بنائها في عهد السلطة المنبثقة عن اتفاق أوسلو. وبقيت هذه المؤسسات شكلية ضعيفة منفصلة عن الأجسام التي تمثلها. وأدى قيام السلطة إلى استيعاب الكادر الرئيسي وجزء مهم من الناشطين في التنظيمات والنقابات في هياكل السلطة، واستوعب البعض الآخر في المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المنظمات الدولية. لقد صعدت طبقة وسطى حديثة توزعت مصالحها على السلطة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية و«الانتلجنسيا» التي احتلت صدارة المشهد، لكنها لم تكن معنية بالشأن العام، ولم يكن لها شأن يذكر على الصعيد الوطني، وبقيت أسيرة مصالحها الضيقة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ونحن على أبواب انتفاضة محتملة: أين الروافع أو الحامل الاجتماعي الذي يمكن الركون إليه؟ لقد استنفدت السلطة، وإلى حد ما المنظمات غير الحكومية، استيعاب الكادر والعضويات الجديدة. بدأ يتراكم جيش من العاطلين وأشباه العاطلين عن العمل، قواعد «فتح» أو الكتلة الشبابية المحسوبة على «فتح» من المنفصلين عن الهيئات القيادية القديمة ـ الجديدة، أو الذين تركتهم البيروقراطية عرضة للاستقطاب في كل اتجاه، شبيبة المدارس والجامعات، عمال القطاع الخاص، والعمال الذين من المفترض أن ينهوا عملهم في المستوطنات الإسرائيلية، أنصار التنظيمات اليسارية، والمثقفون والفنانون الديمقراطيون، والمدونون على «الفيس بوك»، شباب «حماس» الذين تأثروا بالثورة المصرية، أصحاب الأراضي المصادرة والمهددة بالمصادرة، أصحاب البيوت المهدومة والمهددة بالهدم، الحركة الأسيرة داخل السجون الإسرائيلية وخارجها؛ هذا الجسم الحي الذي يتشكل خارج التشوهات البيروقراطية هو الجسم الذي يناقش ويستعد للانتفاضة الآن.
هو الجسم المرشح لصوغ أشكال تنظيمية قادرة على تفعيل السواد الأعظم من الناس الذين يعانون الاحتلال والعنصرية. هو الجسم الذي سيطرح مهمة إصلاح المنظمة والتنظيمات ويحولها من لغز إلى إمكانية. حوارات وسجالات لم يسبق لها مثيل وسط الشبان والشابات في فلسطين المحتلة تطرح أفكارا خلاقة إعادة البناء والخطط والشعارات والمبادرات، وعن الوحدة وأشكال النضال، وعن البدايات. ثمة عناصر قوة كبيرة تتمثل بسلاح الاتصال والمعلومات المتوفر ربما أكثر من أي مكان آخر، وبوجود شبكات إعلامية متنوعة تغطي أي مكان ومن مختلف الزوايا.

السيناريو الأوفر حظاً
إشراك أكثرية الشعب الفلسطيني في الانتفاضة معظم الوقت كان مأثرة الانتفاضة الأولى، التي ظفرت بتأييد عالمي منقطع النظير، وباستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي بين مناهضين للاحتلال ومؤيدين له لأول مرة. انتفاضة نجحت في تقنين استخدام جيش الاحتلال للقوة. وكانت نقطة ضعف الانتفاضة الثانية استخدام السلاح ضد المدنيين في العمق الإسرائيلي، وبخاصة بعد تفجيرات 11 أيلول / سبتمبر 2001 التي ساهمت في خسارة أجزاء مهمة من الرأي العام العالمي، وفي دمج النضال الفلسطيني بالحرب ضد «الإرهاب»، وفي توحيد المجتمع الإسرائيلي تحت قيادة شارون، وفي إخراج الشعب المنتفض من الميدان، وفي رفع القيود عن استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية.
السيناريو الأوفر حظا في ضوء خبرة الانتفاضتين، وبعد النتائج الباهرة للثورتين التونسية والمصرية، وبالنظر الى شروط الحصار القائم والمحتمل، يتمثل بالعصيان والثورة السلمية، فهو الأكثر ملاءمة. والثورة السلمية تحتمل الغوص في مجالات تتيح لكل مواطن المشاركة؛ اعتصامات ومسيرات احتجاج، مقاطعة شاملة للاحتلال اقتصاديا وسياسيا وإداريا، رفع قضايا ضد المتهمين بجرائم حرب، جذب المتطوعين والمتضامنين الدوليين واشراكهم في الفاعليات، فتح جبهة الثقافة والفنون ضد الاحتلال، مقاطعة العمل في المستوطنات وداخل إسرائيل، زراعة الأراضي المهددة بالمصادرة، طرح القضية الفلسطينية في جميع المحافل الدولية والإقليمية والعربية، وإشراك الشعب الفلسطيني في الخارج ضمن برامج ومهمات خاصة. وعلى صعيد سياسي: إعادة النظر في اعتراف المنظمة بإسرائيل خلال دورة خاصة للمجلس الوطني.

مهند عبد الحميد كاتب فلسطيني مقيم في رام الله