| 

يعيش الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في حالة اشتباك يومي مع المشروع الصهيوني الذي يتعمق طابعه الاستيطاني الاقتلاعي، مؤكدا على تحقيق شعار: «أرض أكثر وعرب أقل». وهذا يعني بقاء الأرض والانسان محورين رئيسيين في الصراع من جهة، ومقياسا لدرجة نجاح المشروع الصهيوني، أو نجاح مقاومته من جهة ثانية.
ويمثل الواقع الحالي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة حصيلة الاشتباك مع المشروع الصهيوني في فلسطين خلال عشرات السنين، حيث تعرض المجتمع الفلسطيني للاقتلاع من أرضه عبر مجموعة من السياسات الاقتصادية والاستيطانية والإدارية والعسكرية المباشرة وغير المباشرة.
وقد أدت الظروف السياسية والاقتصادية التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ العام 1967، إلى شعور مجتمعي عام بعدم الاستقرار وعدم الأمان، السياسي والاقتصادي، وهو ما انعكس في طبيعة البنية المؤسسية التي تميزت بالضعف، وفي اندفاع المواطنين للتكتل على أسس تقليدية كشبكات القرابة والعلاقات الاجتماعية المحلية والجهوية. وترافق ذلك مع نجاح الاحتلال في شرذمة اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة (شرذمة مناطقية وشرذمة قطاعية)، وارتباطه التبعي بالاقتصاد الصهيوني. بمعنى أن الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية في الضفة والقطاع ترتبط بالاقتصاد الإسرائيلي منفردة، وفي حالات قليلة كقطاعات، وهذا يعني افتقاد المنطقتين بنية اقتصادية واحدة يسودها التكامل بين قطاعاتها. كما تفتقد الأنشطة الاقتصادية التكامل ما بين المدينة والقرية أو الترابط المناطقي. ويتحكم الإسرائيليون في مدخلات الإنتاج (مواد خام وأدوات، وغيرها) وفي تسويق المنتجات الفلسطينية، ما يزيد من قدرتهم على التأثير في تفصيلات الحياة اليومية للفلسطينيين في المنطقتين. ويجعل هذا الواقع من مهمة التغلب على واقع الشرذمة هذا وتبعاته الاجتماعية والسياسية، من أولويات العمل النضالي الفلسطيني. وكذلك نجح الاحتلال في خلق واقع في الضفة الغربية وقطاع غزة يقوم على غنى فردي وفقر مجتمعي، بمعنى رفع مستويات الاستهلاك (رفع مستوى المعيشة)، وفي الوقت نفسه خلق مستويات متطرفة من الانكشاف. أي أن المجتمع بشكل عام، والأسر، والأفراد يفتقرون لآليات مناسبة تسمح لهم بمواجهة الصدمات أو الكوارث.
ومن البديهي التأكيد أن الإجراءات الصهيونية في الضفة الغربية وقطاع غزة موجهة بهدف رفع فاتورة المقاومة على المجتمع الفلسطيني، أو تقليص فرص مثل هذه المقاومة. وبعد العام 2000، شنت إسرائيل حربا شاملة على المجتمع الفلسطيني (أو بقاياه) في الضفة الغربية وقطاع غزة، وغايتها رفع فاتورة المقاومة إلى حدودها القصوى (بشريا، وماديا)، وتعزيز شرذمة المجتمع الفلسطيني (خاصة مكانيا)، وزيادة درجة انكشافه.
وطور المجتمع الفلسطيني في سياق مواجهته للمشروع الصهيوني حملة من آليات المقاومة. وما تركز عليه هذه المقالة هو آليات تكيف المجتمع الفلسطيني (على مستوى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية والمجتمعات المحلية) في مواجهة إجراءات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

مفهوم التكيف
في هذا السياق، يُعرف مفهوم التكيف المقاوم بوصفه «جملة واسعة من الإجراءات الاقتصادية والتكيفات الاجتماعية الممأسسة والعفوية التي استحدثها المجتمع ليعيد إنتاج نفسه ضمن القيود والمعيقات التي يفرضها الاحتلال عليه منذ اندلاع الانتفاضة، وتشمل شبكة واسعة من العلاقات الثقافية والمادية والقيمية التي ينسجها الأفراد أو الأسر أو الجماعات في ما بينهم داخل المجتمع بهدف التعاضد وتبادل المنافع لمواجهة الأزمات وظروف عدم الاستقرار والأمان. وهي بذلك تعكس في بعض جوانبـها علاقات اجتماعية دائمة مرتبطة بنسق قيم ومعايير وثقافة اجتماعية مهيمنة، وهي ليست ظاهرة طارئة تختفي باختفاء السبب. ولفعل التكيف المقاوم جانب آخر، يتمثل في تحديه سياسات الاحتلال، ويمنع، أو يحد، من نجاحها. وربما كانت معظم الأفعال التكيفية (للأسر والمؤسسات والمجتمعات المحلية والمجتمع بشكل عام) ذات بعد مقاوم لأنها تأتي في إطار الاشتباك اليومي مع الاحتلال. فهي تؤدي إلى بقاء المجتمع واستمراره، في حدودها الدنيا، وهو شرط للانتقال إلى مرحلتي الصمود والمقاومة.
وقد جرى رصد آليات تكيف المؤسـسات الحكومية وغير الحكومية وأنماط من المجتمعات المحلية خلال المرحلة الأولى من انتـفاضة الأقصى، بالإضـافة إلى رصد آليات تكيف الأسـر الفلسطينية خلال هذه الانتـفاضة. وقد أجمـلت دراسـة المالكي وآخرين (2004) تقـييمـها لآلـيات التكـيف المقـاوم كما يلي: «تمحور الاستنتـاج الأبرز لهذه الدراسة في أن تدابير التكيف المقاوم التي اتبعتها المكونات والقطاعات الاجتماعية المبحوثة، قد خففت من الضغوطات الاقتصادية والسياسية المفروضة على المجتمع الفلسطيني خلال انتفاضة الأقصى. فقد امتصت هذه التدابير جزءا من الضربات التي تعرض لها المجتمع، بمؤسساته ومجتمعاته المحلية وبأسره وأفراده وشرائحه المجتمعية المختلفة. لكن يلاحظ أن هذه التدابير لم تأت في إطار استراتيجيات منظمة ومخطط لها على المستوى الوطني، وإن وجدت هذه الاستراتيجيات فلم تطبق لأسباب عديدة. لذلك كانت في معظم الأحيان، قصيرة المدى ومؤقتة وغير كافية أو شاملة (*)».
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أهمية إعادة تقييم تجارب التكيف المقاوم التي اعتمدها المجتمع، المنظمة منها أو العفوية، والتي سمحت وما زالت بالمحافظة على بقاء المجتمع وصموده على الرغم من الصعاب. وتكمن الأجزاء الأهم من هذا التقييم في القدرة على استشراف التبعات والأبعاد المترتبة على الوضع المجتمعي الحالي وتدابيره التكيفية التي من شأنها التأثير على مجمل مناحي حياة المجتمع الفلسطيني مستقبلا.
ومن الضروري في هذا السياق التمييز بين آليات التكيف المقاوم التي تحد من نجاح سياسات الاحتلال (بما فيها الحواجز وإعاقة الحركة، وجدار الفصل العنصري)، وتلك التي تأتي في سياق إيجاد بدائل تسمح باستمرار أداء المجتمع ومؤسساته دورها ضمن حدود معينة، لكنها تسمح بالتعايش مع آثار السياسة الاحتلالية. مثلا عند إغلاق شارع معين أمام حركة الفلسطينيين يجري فتح شارع بديل، وعند إغلاق منطقة معينة يجري القبول بإجراءات الاحتلال للدخول إلى هذه المنطقة. وفي هذا الإطار يلاحظ ضعف فاعلية المجتمع الفلسطيني في مواجهة إجراءات احتلالية على درجة كبيرة من الخطورة مثل تسريع عملية تهويد القدس، أو جدار الفصل العنصري، أو تسارع عمليات الاستيطان.

آليات التكيف
وتتأثر آليات التكيف المجتمعات المحلية ومدى نجاحها في مقاومة الاحتلال، أو تشكيل أرضية لتعزيز المقاومة، بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية (المقصود الخارجية بالنسبة للمجتمع المحلي). ومن هذه العوامل المهمة الثقافة التضامنية السائدة في المجتمعات المحلية، ونضج الشبكات الاجتماعية القائمة في هذه المجتمعات، ومدى التنسيق فيما بينها (الرأسمال الاجتماعي)، وتوفر التمويل (الرأسمال الاقتصادي). ومن البديهي التأكيد على التكامل بين الفعل المخطط والمبادرات الشعبية غير المركزية، وضرورة تطوير التنظيم الذاتي للمواطنين، مع تطوير الانتماء الوطني العام، والتكامل ما بين آليات فعل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والمجتمعات المحلية لمواجهة كثافة وشمول إجراءات الاحتلال التي تمثل حربا مفتوحة على الفلسطينيين.
ومن العوامل التي تعيق تعميق الطابع المقاوم لآليات التكيف في المجتمع الفلسطيني شرذمة المجتمع الفلسطيني، وإضعاف وحدة النسيج المجتمعي، والاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي، وما يفرزه هذا الاعتماد من نمو لروح الاتكالية والارتزاق. كما أن من العوامل المهمة التي تحد من إمكانيات التكيف المقاوم، وتحصره أكثر في استراتيجيات البقاء، حالة الانقسام السياسي العمودي الذي أثر في مختلف جوانب حياة الفلسطينيين.
فقد ترافقت عملية شرذمة المجتمع الفلسطيني إلى مناطق جغرافية واجتماعية واقتصادية متناثرة معزول بعضها عن البعض، مع نمو ثقافة تضامنية عصبوية، ومؤسسات إرثية تقليدية وعلاقات جهوية. وتنمو معها مظاهر من المواجهة بين الثقافة العصبوية المحلية أو الإرثية من جهة والثقافة الوطنية العامة من جهة أخرى.
وقد ساهم في تعميق هذه الحالة الانقسام السياسي العمودي، والذي ولّد سلطتين متناحرتين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة (وربما شكلت حالة التشرذم وسيادة الانتماءات الإرثية والمحلية أرضية ملائمة لهذا الانقسام وتغذيته)، وولّد معها نزوعاً متطرفاً لإقصاء الآخر، بما في ذلك تقليص فضاءات فعل الآخر إلى الحدود الدنيا، وربما لإلغائها تماما في كثير من الأحيان. ومن باب التحسب لانفتاح فضاءات تسمح بتواجد الآخر، يجري التحكم البوليسي في أية مبادرات شعبية.

التمويل الخارجي
وبالنسبة الى التمويل الخارجي، فإن هذا الدعم موجه بحسب جداول أعمال سياسية تعطي الأولوية لاستمرار العملية السياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهي تؤدي، في كثير من الأحيان، إلى إضعاف البعد المقاوم في آليات التكيف الممولة من هذا الدعم. كما يضعف الطابع الفئوي لبعض الدعم الخارجي من إمكانية تطوير قدرة المجتمع على مواجهة الاحتلال وإجراءاته.
وبالإضافة إلى تعزيز ذهنية الاتكالية والارتزاق التي تعتبر أثرا من آثار الاعتماد المتزايد على الدعم الخارجي (اعتماد المؤسسات الحكومية وغير الحكومية)، فإن آليات الدعم تؤدي إلى إضعاف البعد المقاوم في عمل هذه المؤسسات. فالدعم الخارجي يمر من خلال بنية مؤسسية يتمتع فيها الاحتلال الإسرائيلي بحق النقض لأي مشروع يتعارض مع مصالحه. وكذلك يسمح الدعم المربوط ببرامج محددة وفترة زمنية محددة ببقاء المؤسسات المتلقية للدعم قلقة، ومهتمة بفرص بقائها. فهل يمكن لمؤسسات هكذا أن تساهم بفاعلية في توليد أنشطة مقاومة، أو أن تعزز من الطابع المقاوم للمبادرات الشعبية؟!
وإجمالا، فإن الواقع الفلسطيني ينبئ بمفارقة كبيرة، تتمثل في مواجهة المجتمع الفلسطيني لاستحقاقات مصيرية (تسريع تهويد القدس، تعميق عملية شرذمة الضفة الغربية، خلق وقائع على الأرض تعزز النفوذ الصهيوني في الضفة الغربية، وحصار طويل الأجل على غزة)، بمستوى متدن من المبادرات ذات البعد المقاوم، مع تدني التكامل بين مكونات المجتمع المختلفة.

حسن لداودة مدرس علم الاجتماع في جامعة بيرزيت. * المالكي وآخرون (2004). المجتمع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال: سوسيولوجيا التكيف المقاوم خلال انتفاضة الأقصى. رام الله - فلسطين: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديموقراطية.