تزامناً مع ما يجري في ميدان التحرير بالقاهرة من احتجاجات الشباب المطالبين بإسقاط النظام ونشر الحرية والتحرر فإن رواد مسرح الميدان في حيفا كانوا على موعد مع مدينتهم التي تأبى أن تغيب عن واقعهم وذاكرتهم الجمعية ففي 1/2/2011.
غصّ المسرح بالحضور الذي فاق عدده قدرة المسرح الاستيعابية، ومنهم من «تقرفص» واتخذ زوايا المسرح ومدرجه للجلوس بهدف التأكيد على الانتماء لهذه المدينة والارتباط بها، والرغبة الجامحة في معرفة التفصيلات التي جعلت حيفا عروس فلسطين والكرمل، وما آلت إليه عبر الزمن.
بادرت إلى تنظيم هذه الأمسية مجموعة من الجمعيات الأهلية والمؤسسات الوطنية بعيداً من أي مؤسسة رسمية أو حكومية، لأن حيفا العربية تزهو وتكبر بأهلها ومواطنيها المتمسكين بعروبتها والساعين للحفاظ على معالمها التاريخية قدر المستطاع.
وافتتحت الأمسية وأدارتها الإعلامية نضال رافع مؤكدة أن ما يجري في ميدان التحرير هو جزء مما نحن فيه، أي العودة الى الذات الحقيقية، والى تعميق روح العروبة والانتماء إلى الحضارة العربية التي تجمع الأمة كلها.

محمد يزبك
ثم قدم الدكتور محمود يزبك المختص بالتاريخ العثماني، وخاصة تاريخ فلسطين في الفترة العثمانية، محاضرة تاريخية تحليلية. وتمحورت محاضرته حول دور الشيخ ظاهر العمر الزيداني في تأسيس المدينة «حيفا» وتحويلها رويداً رويداً إلى إحدى أهم مدن فلسطين، بما تميّزت به من موقع جغرافي استراتيجي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبما كسبته من شأن مع مرور الزمن خاصة في القرن التاسع عشر حينما لمع نجم حيفا في سماء فلسطين، وأصبحت متقدمة على شقيقتها عكا الواقعة على بعد عشرين كيلومتراً إلى الشمال منها. وتطرق يزبك إلى العوامل التي دفعت الشيخ ظاهر إلى نقل موقع حيفا من منطقة تل السمك (الى الجنوب الغربي لموقعها الحالي) إلى موقع آخر على بعد ثلاثة كيلومترات شرقاً وحوطها بسور وفقاً للأنظمة التي كانت مرعية في ذلك الوقت، وما كانت تفرضه السلطات العثمانية على مدن إمبراطوريتها. وقد جاءت عملية نقل موقع المدينة وتأسيس حيفا الجديدة موفقة لأهالي حيفا، حيث توفرت لهم فرصة لاستيعاب المزيد من أعداد السكان خاصة من الوافدين إلى حيفا للعمل في مرافقها كالميناء التجاري الذي قام بدور مهم جداً في تصدير منتجات الجليل. وكان المردود المالي كبيراً لخزينة ظاهر العمر، وجراء هذا التزايد في الدخل، زوّد جيشه بالسلاح والعتاد وأخذ ينافس الدولة العثمانية، أي أنه نافس سلطانه واستطاع أن يثبت نفسه ويبني شبكة علاقات مع سيده السلطان مؤسسة على دفع المستحقات من الضرائب. ولكن تبدلت الأحوال بين الطرفين حينما بنى الشيخ ظاهر علاقات سياسية وعسكرية مع قوى خارجية، فما كان من السلطان إلا أن حرّض منافسيه وعلى رأسهم أحمد باشا الجزار لتصفية الشيخ ظاهر وإعادة منطقة الجليل إلى سلطته. وفي حقيقة الأمر أن حيفا استفادت من هذه التغيرات إذ ان عكا بعد فترة الجزار شهدت تراجعاً تدريجياً في مكانتها، وفي الوقت ذاته استطاعت الدول الأوروبية ان تنقل مراكز قنصلياتها إلى حيفا. وهكذا بدأت حيفا تشق طريقها نحو الازدهار والرقي، وغايتها أن تكون مدينة عربية فلسطينية حديثة ذات توجهات معاصرة توازي سائر المدن المطلة على ساحل البحر المتوسط.

مناقشات
وبعد هذه المحاضرة جرى حوار بين ثلاثة من المختصين بالشأن الفلسطيني كل من زاويته، فالأديب والشاعر الأستاذ حنا ابو حنا تطرّق في مداخلته إلى الشأن الثقافي الذي تبوأته حيفا خلال فترة الانتداب البريطاني ونمو الحركة الثقافية والتعليمية في المدينة واستقطاب عشرات الأدباء من داخل فلسطين ومن خارجها، وخاصة من سوريا ولبنان ومصر والعراق. وقرأ قصائد لشعراء حيفاويين أمثال حسن البحيري وأبو سلمى ووديع البستاني، ونوه بتحول حيفا موقعاً لاستقطاب ذوي القلم من الكتاب والأدباء وحتى الموسيقيين والفنانين المسرحيين. ثم تلاه الدكتور المؤرخ جوني منصور الذي شدد على دور المدينة الاقتصادي والسياسي خلال فترة الانتداب البريطاني وما ساهمت به المدينة بموقعها ومكانتها وأهاليها في وضع الحجر الأساس للحركة الوطنية الفلسطينية، والتي منها انطلقت الثورة الفلسطينية بعد استشهاد عز الدين القسّام. وأضاف الدكتور منصور أن حيفا حملت وجهين: الأول عربي مشرقي بما هو قائم في مكوناتها الحضارية والثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ووجه غربي أوروبي بما حملته من مؤثرات كالعادات الحياتية التي زحفت إلى المجتمع العربي الفلسطيني في حيفا، وتقبلها وتعامل معها. واكتسبت المدينة مكانة مرموقة في أوساط رجال الأعمال العرب الذين وفدوا إليها من بيروت وطرابلس وصيدا في لبنان ومن دمشق وحلب في سوريا لإقامة مصالحهم التجارية التي أسهمت في إنماء مشروع حيفا المديني. وهؤلاء الوافدون من لبنان وسوريا ومصر أحضروا عائلاتهم معهم مكونين بذلك مجتمعاً عربياً متعدد التوجهات والتيارات، ولكن ما يوحده هو المــدينة الفلــسطينية الــحديثة العهد «حيفا». ثم تحدثت الدكتورة منار حسن عن دور حيفا في توفير فضاءات من حياة الترفيه والتسلية لمجتمع متعدد الوجوه والثقافات بفعل بُنية المدينة التي تكونت من العرب واليهود والانجليز والجاليات الاجنبية. ونوهت بأهمية التحولات لدى شرائح مجتمعية في الحياة العامة وعلى وجه الخصوص النساء والشباب. هذه الشرائح ساهمت مساهمة لا يُستهان بها في خلق فضاءات واسعة من الانفتاح والنمو الاجتماعي.
ورافق الأمسية عرضٌ مصور لمئات من الصور التاريخية النادرة عن حيفا ومنطقتها أعده جوني منصور. وتجدر الإشارة إلى أن العام الحالي (2011) سيشهد سلسلة من الفعاليات والنشاطات الثقافية والفكرية والاجتماعية عن حيفا، تشارك فيها مؤسسات مجتمعية ومدارس ومعاهد علمية وغيرها، وكلها تهدف إلى تعميق الصلة بالمكان وتثبيت الوجود في مدينة الآباء والأجداد، للحيلولة دون سرقة تاريخها ونهب تراثها.
ملحق «فلسطين» ـ حيفا