| 

تاريخياً، لم يكن للحركة الإسلامية حضور مشهود في الحياة السياسية للفلسطينيين. فمنذ سنة 1917 فصاعداً، حينما سقطت فلسطين بأيدي الانتداب البريطاني، كانت جميع المواثيق الوطنية والمذكرات ومقررات المؤتمرات العامة ذات مضامين قومية أو وطنية وشبه علمانية، حتى أن حركة الإخوان المسلمين التي بدأت مجموعاتها الأولى بالتشكل في فلسطين سنة 1935، لم يكن لها أي حضور فاعل في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
حتى الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين، والزعيم الأبرز للفلسطينيين طوال نحو 25 سنة (بين 1936 و1960) كان من أهم المساعدين له مسيحيون أمثال إميل الغوري وعيسى نخلة وعزت طنوس وغيرهم. وزعامته ليست ناجمة من موقعه الديني بل من قيادته الحركة الوطنية، ومن الإرث الوطني لعائلته، وهو نفسه ورث هذا الأمر من عمه موسى كاظم باشا الحسيني الذي مات في 25/3/1934 جراء إصابته في إحدى التظاهرات الوطنية في يافا في 27/10/1933. هذه الظاهرة، أي غياب الإسلاميين عن النضال الوطني، انتقلت إلى مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا والأردن، فلم يكن للحركات الإسلامية أي وجود جدي في هذه المخيمات، مع أن الفلسطينيين كان لهم شأن في تأسيس حركات الإسلام السياسي؛ فمؤسس «حزب التحرير الإسلامي» فلسطيني يدعى تقي الدين النبهاني.
صحيح أن بعض القادة المؤسسين لحركة «فتح» جاؤوا من صفوف حركة الإخوان المسلمين، غير أن ذلك كان لأسباب وطنية وليس لأسباب عقيدية. أي أن هؤلاء، أمثال خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو أياد) وسليم الزعنون (أبو الأديب) وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار (أبو يوسف) وغيرهم التحقوا بحركة الإخوان المسلمين في غزة لأنهم لم يجدوا أمامهم للعمل السياسي إلا الحزب الشيوعي الفلسطيني وحركة الإخوان المسلمين. وكانت سمعة الحزب الشيوعي سيئة جراء موافقته على قرار التقسيم في سنة 1947. لهذا التحق هؤلاء بالإخوان المسلمين لأسباب وطنية، لكنهم سرعان ما خرجوا من هذه الحركة لأسباب وطنية أيضاً حينما اكتشفوا أن مسألة تحرير فلسطين ليس من أولويات الجماعة، بل إن المهمة الأساسية لديها هي أسلمة المجتمع وتأسيس دولة إسلامية.
إذن، سيطر الاتجاه القومي ثم الوطني على الحياة السياسية للفلسطينيين في الداخل والخارج طوال الحقبة الممتدة من سنة 1948 حتى سنة 1982 تقريباً. وخلال هذه الفترة، وبالتحديد بعد خروج قوات المقاومة الفلسطينية من لبنان في سنة 1982، بدأت بعض المجموعات الإسلامية تتحرك في المخيمات لسد الفراغ الذي أحدثه الخروج الفلسطيني الكبير سنة 1982.
وهكذا بدأت هذه المجموعات التي تكونت في خضم الحرب على المخيمات بين 1985 و1987، تكبر بالتدريج، إلى أن تحولت إلى ظاهرة يومية في المخيمات الفلسطينية في لبنان. وإذا استثنينا حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، فإن المجموعات الإسلامية الصغيرة في المخيمات هي مجموعات تتوسل العنف وتخريب الحياة اليومية في المخيمات لتأكيد وجودها، على عكس حركة حماس التي هي حركة إسلامية ذات مشروع طوباوي لبناء مجتمع إسلامي. وهي تتوسل «الجهاد العسكري» والعمل السياسي لخدمة مشروعها. وكذلك حركة الجهاد الإسلامي، التي هي حركة مقاومة تركز نشاطها على مقارعة الاحتلال الإسرائيلي بالعمليات العسكرية، وقلما تهتم بالعمل السياسي المباشر في المخيمات إلا في حدوده الدنيا.

عصبة الأنصار
أسس هذه المجموعة، التي تعد أكبر المجموعات القاعدية، الشيخ هشام الشريدي في سنة 1987. وأخذت هذه المجموعة على عاتقها «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». لكنها لم تجد وسيلة لذلك إلا تفجير محال بيع الخمور ومحال تأجير أشرطة الفيديو، وعمدت إلى قتل بعض النساء بشبهة ممارستهن الدعارة. لكن هشام الشريدي، ويدعى «أبو عبد الله» قُتل في 15/12/1991، فتولى تلميذه أحمد عبد الكريم السعدي (أبو محجن) إمارة العصبة بعد شيخه، واتهم العميد أمين كايد من حركة فتح بتدبير عملية الاغتيال وأحمد عبد الكريم السعدي هذا، من مواليد عين الحلوة في سنة 1963، وأصل عائلته من قرية طيطبا في قضاء صفد. وفي عهد أحمد عبد الكريم السعدي اغتيل الشيخ نزار الحلبي في بيروت في 31/8/1996، واتهمت عصبة الأنصار باغتياله لمصلحة جهات خارجية عربية وهابية العقيدة. وقد اختفى أحمد السعدي فور اتهامه بعملية الاغتيال، ولم يظهر على الإطلاق منذ ذلك التاريخ.

عصبة النور
مجموعة صغيرة انشقت على عصبة الأنصار، وقاد هذا الانشقاق عبد الله الشريدي ابن هشام الشريدي مؤسس عصبة الأنصار. ولم تفعل هذه العصبة شيئاً إلا إلقاء القنابل والعبوات المتفجرة على مَن تختلف معهم في الرأي. وفي سنة 2002 تمكن عبد الله الشريدي من قتل العميد أمين كايد (من حركة فتح) المتهم باغتيال والده هشام الشريدي، لكنه عاد وقُتل في سنة 2003. وقد اندثرت هذه العصبة بعد مقتل عبد الله الشريدي، ويكاد لا يسمع بها أحد منذ ذلك الوقت.

أنصار الله
حاول البعض في إحدى الفترات أن يؤسس مجموعة تلتزم الخط العام لحزب الله بين صفوف الفلسطينيين، ولا سيما بعد أن اكتسب هذا الحزب احترامهم وثقتهم إبان حرب المخيمات (1985 ـ 1987) حينما وقف حزب الله ضد حركة أمل وإلى جانب الفلسطينيين، وحمى بعضهم في مناطق الجنوب اللبناني. وكان الهدف أن تتحول هذه المجموعات لاحقاً إلى «حزب الله في فلسطين». ولكن لم يقيض لهذه التجربة أن تنجح لاعتبارات كثيرة منها الفارق العقيدي بين أهالي المخيمات السنّة في غالبيتهم الكاسحة، وبين الركائز العقيدية لحزب الله الذي يقوم على فكرة ولاية الفقيه والفقه الإمامي الإثني عشري. وقد تمكن الفلسطيني جمال أحمد سليمان، الذي كان سابقاً في صفوف حركة فتح، ويتحدر من بلدة عمقا في فلسطين، أن يؤسس مجموعة صغيرة في سنة 1989. لكن هذه المجموعة ظلت هامشية جداً، وفاعليتها شبه معدومة، إلا في ميدان العلاقات الاجتماعية العامة.

الحركة الإسلامية المجاهدة
وهذه الحركة إنما هي مجرد عنوان لمجموعة صغيرة يتزعمها جمال خطاب ومعه الشيخ إبراهيم غنيم. وتقوم هذه المجموعة بنشاط سياسي محلي مع بقية الفصائل ذات الطابع الإسلامي، ويتركز نشاطها على العلاقات السياسية والاجتماعية، وعلى بناء المساجد وتأسيس روضات الأطفال، وإعطاء الدروس الدينية. وهذا الجهد يتطلب تمويلاً مستمراً وكبيراً، الأمر الذي يثير التساؤل عن مصدر هذه الأموال. وهو تساؤل لا يقتصر، في أي حال، على «الحركة الإسلامية المجاهدة» وحدها، بل يشمل جميع هذه الحركات التي لا تظهر علانية مصادر «التبرعات» التي تصلها بصورة متمادية.

جند الشام
أسس «جند الشام» في أيار/مايو 2004 محمد أحمد شرقية (أبو يوسف) الذي كان عضواً في جماعة «المجلس الثوري» التي كان يتزعمها صبري البنا (أبو نضال). وأبو يوسف شرقية هو، في الأصل، من مخيم البداوي، وقد اختلف مع «المجلس الثوري»، وفر إلى مخيم عين الحلوة خوفاً من أن يتم اغتياله. وفي عين الحلوة أسس هذه المجموعة وانضم إليه أسامة الشهابي (أبو دجانة) ومجموعة بقيادة عماد ياسين ومجموعة لبنانية بقيادة غاندي السحمراني (أبو رامز) وبسام كنج وهو لبناني من مجموعة قاعدية قاتلت الجيش اللبناني في منطقة الضنية بشمال لبنان، وعُرفت بـ«مجموعة الضنية». لكن أبو يوسف شرقية لم يلبث أن تخلى عن إمارة جند الشام في 6/10/2004 بعدما دب الخلاف بين عناصر هذه المجموعة، فتولى أسامة الشهابي الإمارة، فيما تولى عماد ياسين المسؤولية العسكرية فيها. وقد التحق بهذه الجماعة تباعاً الكثير من اللبنانيين من منطقة طرابلس ومن قضاء الضنية الفارين من السلطات الأمنية اللبنانية والسورية، وتجمعوا في حي التعمير، وهو حي يفصل مخيم عين الحلوة عن مدينة صيدا من جهة الجنوب. وكانت هذه المجموعة دائمة الاشتباك مع الجيش اللبناني، ولا توفر انتقاداتها القاسية حماس والشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي والسيد حسن نصر الله وإيران وحركة فتح. كما أن هذه الجماعة تنتمي إلى الخط الفكري لمنظمة القاعدة بتأثير من بسام كنج (أبو عائشة) الذي قاتل في أفغانستان. ومن رجال جند الشام شحادة توفيق جوهر الذي اغتيل في 20/7/2008، وغاندي السحمراني (قتل في سنة 2010، وهو من مواليد عكار في سنة 1964، وكان معهم شهاب القدور (أبو هريرة) الذي قتل في نهر البارد في مواجهات 2007 بعدما كان ترك منطقة صيدا وحي الطوارئ والتحق بـ«فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد.
أعلنت هذه المجموعة حل نفسها، وانضوى أعضاؤها هنا وهناك من المجموعات الإسلامية المختلفة، بما في ذلك «فتح الإسلام»، وقتل عدد من عناصرها. ويبدو أنها اندثرت تماماً.

*****
حيال هذه المجموعات المتنافرة حيناً والمتآلفة أحياناً أخرى، تظهر الحاجة إلى وجود بعض الشخصيات المحترمة لضبط هذه المشاكل، على طريقة «حلاّلي المشاكل». وفي هذا الميدان برز الشيخ ماهر حمود خطيب مسجد القدس في صيدا، وهو شيخ مستقل تنظيمياً لكنه يحوز احترام التيارات الإسلامية المختلفة من «حركة التوحيد» في طرابلس إلى «الجماعة الإسلامية» في صيدا التي يرأس مكتبها السياسي الآن علي الشيخ عمار، فضلاً عن قبول حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وحركة فتح به وبتحركاته. وقد مكّنه هذا الموقع من أن يلعب دور الوسيط بين المجموعات الإسلامية وبين القوى السياسية الأخرى، اللبنانية والفلسطينية معاً.