لنتخيل أن اللاجئين الفلسطينيين عـادوا الى فلـسطين بموجب القرار 194... فكيف سـتكون صورة فلـسطين حينذاك؟ وكيف ستبدو بألوانـها المتعددة والمخـتلفة والمتباينة؟ هـل ستـزهو بتـعددهـا أم ستـتصادم لاختلافها؟
الأرجح أن فلسطين ستكون دولة نادرة، ربما لا تشبهها أي دولة أخرى في العالم. فإذا تركنا جانباً اليهود، فإن الفلسطينيين أنفسهم سيكونون مثل برج بابل لكن، من دون بلبلة. وسنجد فلسطينيين ولدوا في تونس لأب من غزة وأم سورية على سبيل المثال. وسيكون فيها فلسطينيون ولدوا في لبنان لفلسطينيين من الضفة الغربية وأمهات من الأردن. والمؤكد اننا سنلتقي فلسطينيين من الدانمارك ولدوا لآباء لاجئين الى لبنان. وهؤلاء بدورهم تزوجوا دانماركيات، وأنجبوا دانماركيين فلسطينيين. والراجح أن موظفي الحدود في دولة فلسطين سيرتبكون كثيراً في كل يوم أمام ذلك الفيض الكبير من جوازات السفر ذات الألوان المختلفة والبلدان الكثيرة، ولن يكون في إمكانهم أن يعيقوا هذا الجواز أو ذاك بأي ذريعة، لأن حامليه هم من أصول فلسطينية ولهم حق العودة الفورية.
ولعلنا لا نبالغ في الخيال أيضاً فيما لو جلسنا الى إحدى طاولات المقاهي في رام الله، فهناك سنسمع لهجات العالم كله تقريباً من تشيلي الى أوكرانيا. وفي دوائر الحكومة ستكون الشهادات الجامعية متحفاً يحتوي جميع ضروب الشهادات والوثائق والدبلومات.
أما النساء، فسوف يصبغن المدن الفلسطينية كلها بألوان زاهية، وستتحول أحياء هذه المدن الى معارض جميلة لفنون اللباس والأزياء. وسيكون فتيان فلسطين وشبانها على تواصل يومي مع أصدقائهم بل مع أقربائهم في كل مدينة من مدن العالم العربي وآسيا وأوروبا وأميركا وافريقيا. وستصدح من بين أصابعهم موسيقى الشعوب الراعشة بلا استثناء. وسيكون للفلسطينيين المقيمين في فلسطين أخوال وخالات وأبناء خؤولة في القاهرة وعمان وتونس ودمشق وبيروت ونيقوسيا وصنعاء والجزائر والسودان، علاوة على قارات العالم كلها.
هذه هي فلسطين المقبلة التي نتطلع إليها، لا فلسطين المنغلقة، الأحادية، التي يضيق صدرها بالرأي الآخر. إنها فلسطين التي تزهو بالألوان كلها لا بالأسود وحده، أو بالأخضر وحده... فلسطين كما صاغتها الحركة الوطنية الفلسطينية منذ سنة 1968 فصاعداً، دولة ديموقراطية علمانية عربية.