| 

إن الطابع السياسي لقضية اللاجئين الفلسطينيين لم ولن ينفي عنها البعد الإنساني الذي يغيب عن معظم الخطابات المتعلقة بهذه المعضلة. اللاجئ - الإنسان مغيب عن المحافل الدولية، والذي يتناساه المسؤول والمكلف بتلبية احتياجاته، له ما يبقيه لاجئا، وما لا ينسيه يوما أن وضعه هذا نتاج عمليات طويلة الأمد من التطهير العرقي، والتمييز العنصري، واغتصاب أرض آن لها أن تعود.
بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لسنة 2010، يشكل اللاجئون الفلسطينيون 44% من السكان الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية؛ حيث يقدر عددهم بنحو 1,8 مليون لاجئ نهاية عام2010 ، منهم حوالي 757 ألف لاجئ بنسبة29,7 % من مجمل سكان الضفة الغربية، أما في قطاع غزة فهم حوالى 1.1 مليون لاجئ بنسبة67,4 % من مجمل سكان قطاع غزة.. ويتوزع اللاجئون في الضفة الغربية على تسعة عشر مخيما، يعيشون حالة من الضياع، ما بين اللجوء والحنين للديار، والخوف المبطن باليأس من الوعود والعهود التي لم يف بها أحد في ظل الأوضاع المعيشية القاسية في المخيمات الفلسطينية المختلفة. إن وضعية اللاجئ الفلسطيني في الضفة الغربية لا تختلف كثيرا عن اللاجئين الآخرين، بيد أن حقيقة وجوده داخل الأرض المحتلة، كما هي الحال مع مجمل سكان الأرض المحتلة، تزيد من معاناته اليومية بشكل صارخ وعلى أسس سياسية منظمة. فاللاجئ في الضفة الغربية يحتك بالاحتلال يوميا، ويفرض عليه الاحتلال في كل يوم نوعا جديدا من العنصرية والتمييز والاضطهاد بهدف دفعه للهجرة أو التوطن، أو التخلي عن فكرة العودة التي تسكنه.
تتنوع أشكال المعاناة لهذا اللاجئ ـ الإنسان، فوضعه هذا يحرمه من العديد من حقوقه كانسان، بالإضافة إلى ما يعانيه من حرمان كلاجئ. ومع تنوع ما يعانيه اللاجئون في الضفة الغربية من ازدحام، وتعليم مترد، وأوضاع اقتصادية صعبة، وزواج مبكر، وغير ذلك، تميزت المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية باحتكاك اللاجئين بالاحتلال الإسرائيلي. فوجودهم في الضفة الغربية يشكل لهم تحديات ذات بعد آخر، كتقييد التنقل من وإلى المخيم، لكنه وفي الوقت ذاته محفز للاجئ على العودة.
تقول القاعدة العلمية، أن الضغط يولد الانفجار، وشهدنا تطبيقات هذه القاعدة على بعض الدول العربية، التي انفجرت وغيرت بانفجارها كل المكونات المحيطة، ولربما تنطبق هذه القاعدة أيضا على اللاجئين في الضفة الغربية، فهم يعيشون بيئة قد لا تكون الأصعب بين المخيمات الأخرى لكن خصوصيتها تجعلها الأقرب للانفجار.
حاولت دولة الاحتلال منذ عام 1948 التخلص من الفلسطينيين بشكل كامل، إلا أن المخططات الصهيونية لم تنجح في أي من الأطر الجغرافية السياسية الجديدة سواء في الأرض المحتلة عام 1948، أو الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة عام 1967. وبعد فشل دولة الاحتلال الإسرائيلي في ذلك، توجهت السياسة الإسرائيلية نحو عدم السماح للاجئين بالعودة إلى أراضيهم وديارهم وممتلكاتهم، بل وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك حيث صممت سياسات واستراتيجيات لتحويل المخيمات الفلسطينية إلى أحياء سكنية تابعة لإدارة البلديات والمجالس المحلية في كل منطقة.
بعد ذلك تم إنشاء «صندوق الائتمان للتنمية الاقتصادية وتوطين اللاجئين» برئاسة الوزير شمعون بيريس آنذاك، وبرزت المسألة عالميا بعد مناقشة هذا المشروع في مؤسسات في الولايات المتحدة. وبدأت تتبلور أفكار توطين اللاجئ في المخيم، وتحويل طبيعة المكان من مخيم إلى قرية أو حي من أحياء مدينة، واستغلال ذلك في إيقاف المساعدات التي يتلقاها اللاجئون الفلسطينيون من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين عبر إيقاف عملياتها لانعدام مسوّغ وجودها.
ثم كشفت تقارير صحفية عن مشروع «بن فورات» الذي لم يكن بمشروع دخيل على السياسات الإسرائيلية والمنهجية في التعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين عام 1983. هذا المشروع سبقه العديد من المشاريع الشبيهة به - كمشروع «لجنة بروتو» وبرنامج «رعنان فايتس» ومشروع «دايان» الذي تم توجيهه لقطاع غزة - وكان موجها لمخيمات الضفة الغربية، حيث هدف إلى إزالة المخيمات الفلسطينية في الضفة، المعترف وغير المعترف بها، ونقل اللاجئين إلى مناطق الأغوار. يذكر أنه تم الشروع ببناء المخططات والخرائط في ذلك الحين لاستيعاب 30 – 60 ألف لاجئ.
وعلى الرغم من أن تلك المشاريع بأنواعها قد خبا نجمها، إلا أن وجود المخيمات في الضفة الغربية، واحتكاكها وتأثرها المباشر بسياسات الاحتلال الإسرائيلي يجعلها عرضة كل لحظة لممارسات قد تقود بالنهاية إلى «توطين» أو نزع طبيعة المخيم عن تجمعات اللاجئين في الضفة الغربية. وهذا ما يجعل المخيمات في الضفة ذات وضع خاص خطير في ظل السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة بشكل كامل رغم تقاسم الإدارة والأمن ـ على الورق ـ بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال عبر تصنيف المناطق إلى (A)، (B) و(C).
ومما ينذر بالأسوأ كل مرة ما يكشف من حين إلى آخر من وثائق مفاوضات، وتصريحات قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي بشأن العودة واللاجئين، مؤكدين على «اللاعودة»، ومطالبين بالوطن البديل. على أن السياسات الإسرائيلية التي تعودنا عليها غالبا ما كانت تجري في الخفاء، وعلى الرغم من أن الجانب الآخر للمعادلة على علم بما يجول في أذهان صناع قرار دولة الاحتلال، إلا أننا حتى اليوم لم نصل مرحلة مناقشة آلية عملية للعودة، أو حتى تصورات من أولئك المكلفين بحماية حقوق اللاجئ الفلسطيني حول المستقبل الذي ينتظره في ظل كل هذه التطورات السياسية في المنطقة العربية خصوصاً، والعالم بشكل عام.
إضافة إلى التصنيف السابق للمناطق، فإن نقاط التوقيف والتفتيش التي تنشئها قوات الاحتلال الإسرائيلي، مضاف إليها المناطق «الآمنة» التابعة للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، تزيد الخناق على المخيمات والقرى والمدن الفلسطينية على حد سواء، وتدفع اللاجئ الفلسطيني للاختيار؛ فإما الصمود، وتحمل كل ما يعانيه من أوضاع اقتصادية وصحية واجتماعية صعبة، وممارسات استعمارية تمييزية ضده، وإما أن يترك مخيمه ويهجر قسرا إلى مكان آخر، أو أن يستسلم لتوطينه ولسياسات محو الهوية الفلسطينية على طريق محو حق العودة.
كل هذه التحديات، لا تعتبر التحدي الأبرز للاجئ الفلسطيني في الضفة الغربية، حيث يعتبر اللاجئون أن أصعب ما يواجههم من تحديات هو تحدي العودة إلى ديارهم الأصلية في ظل قلة الاهتمام بهم وبحقوقهم، حيث يقول محمد عمار (26 سنة) من مخيم قلنديا «إن الهم الأكبر الذي تنعقد عليه آمالنا هو التمسك بحقوقنا في ديارنا الأصلية، أما باقي المشكلات فلسنا نعتبرها إلا تذكيرا يوميا بأن ما نعيشه اليوم، منذ النكبة وضع مؤقت ليس له إلا أن ينتهي».
لكن لاجئين آخرين يرون ان من غير الصحيح إيراد المسألة على هذا النحو، ويؤكدون أن العودة أمر عملي، ليست بالكلمات والخطابات، وإنما بأن يحمل اللاجئون ما لديهم من بقايا، ويتوجهوا صوب أراضيهم، وممتلكاتهم، وديارهم التي سلبت منهم عام 1948. وبالنسبة لهؤلاء، فإن كل ما يملكونه اليوم هو التربية، وتعزيز الثقافة، والامتحانات اليومية لإنسانية اللاجئ الفلسطيني، لكي يبنوا من هذه المكونات عودة عملية واقعية، فقد اكتفوا من كونهم عنوانا سياسيا خاليا من النفس الإنساني، ومن كونهم دمغة على برامج سياسية.
على الرغم من التحديات والمشكلات الجوهرية يرى أغلب اللاجئون الفلسطينيون أن التحدي الأكبر هو العودة، وأن الحاجة الكبرى، هي الهمة والعزيمة والإرادة الشديدة، التي ستجبر كل من رفض أو يرفض وضع هذا الحق موضع التنفيذ على التنحي، والتخلي عن كل ما يتعارض مع هذا الإيمان، وهذه العقيدة.
وأخيرا، إن كنا نبحث في هذه المقالة التحديات التي تواجهها المخيمات في الضفة الغربية، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطيني بشكل عام، هو العودة إلى الديار، ومهما يتطلب ذلك، ومقاومة مشاريع التوطين المعلنة والمخفية هي اختصار لطريق العودة، واقتراب لعقب التراب على جدران الديار الأصلية، فالعودة هي العنصر الأساسي في أي شكل من أشكال نهاية الصراع الفلسطيــني الإسرائــيلي، والعربي الإسرائيلي، ومقاومة التوطين أول خطوة في سبيل تحقيق ذلك العنصر.

* خليل أبو خديجة منسق الدعم اللوجستي في مركز بديل