| 

لم تتخل الحاجة السبعينية رشيدة فضيلات يوما عن حلمها الأبدي بالعودة إلى تراب أرض قريتها عراق المنشية في قضاء الخليل المحتل، محتفظة بمفتاح بيتها العتيق لتهبه لأحفادها بعد مماتها في مقبرة مخيم البقعة الذي يبعد عن العاصمة الأردنية 10 كيلومترات.
وتصر الأرملة فضيلات على أن ترتدي ثوبها الفلسطيني «البالي» بنقوشه المتقنة في محاولة منها، بحسب قولها، كي تسطر بذلك قصة صمود شعب بأكمله تحّمل الظلم والقهر من خسارة وطن، في معركة كان أبطالها دول عربية ومجتمعات دولية تحيزت للكيان الصهيوني، وحاولت أن تلغي هوية شعب وأن تبحث له عن وطن بديل.
ينطبق حال رمز العودة «فضيلات» القاطنة في منطقة الكرامة بالمخيم منذ العام 1968، على كافة سكانه من حيث تمسكهم كلاجئين بالهوية الفلسطينية وحق العودة وتقرير المصير، معبرة عن حلم جميع اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في المخيم ذاته ومخيمات اللجوء الفلسطيني في البلدان العربية، وفي فلسطين المحتلة.
المطلوب «مواجهة الكيان الصهيوني بعيدا عن مواجهة الهوية الأردنية». هكذا لخص الناشط السياسي في المخيم عدنان الأسمر مطالب سكان المخيم بأطيافه السياسية المختلفة، رافضا بشدة «سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهويد، مع التمسك بالهوية الفلسطينية».
وركز الأسمر في حديثه على أن «الأردن دولة ذات سيادة مستقلة، ولن ننافس الشعب الأردني في مكتسباته»، مبينا أن «العلاقة التاريخية بين الأردن وفلسطين ستبقى جدلية».
تحولت خيمة الحاج الثمانيني أبو محمد، الذي هاجر من قرية المسمية التي احتلت عام 1948، إلى غرفة صغيرة سقفها «زينكو»، تتسرب الأمطار من خلالها إلى جدران الغرفة كل شتاء، غير أنها توسعت مع مرور الزمن بغرف إضافية لتصبح طوابق مرتفعة علها تستوعب أولاده وأحفاده الأربعة والثلاثين.
لم يكن يعلم الحاج أبو محمد كغيرة من الأسر الممتدة أنه بذلك، ساهم في الطفرة السكانية في مخيم البقعة، ما أثر سلبا على الخدمات المقدمة لهم، فتحول المخيم إلى شبه مكرهة صحية وشوارع ضيقة، ومدارس مزدحمة بطلبتها، فنخرت البطالة صفوف أبنائه ونهش الفقر أجسادهم النحيلة.
وفي حين تبين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» أن عدد سكان المخيم البالغة مساحته ((1.5 كم مربع، يصل إلى 106 آلاف فرد، من إجمالي 372 ألف لاجئ موزعين على ثلاثة عشر مخيما، تكشف أرقام لجنة تحسين مخيم البقعة التابعة لدائرة الشؤون الفلسطينية أن عدد سكان المخيم يصل إلى110 آلاف فرد، كما تقول دائرة الإحصاءات العامة أن ما يقارب 71 ألف شخص كانوا يسكنون المخيم حتى العام 2008.
ويعود هذا التضارب الإحصائي، بحسب مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية في عمان أحمد عوض، إلى اختلاف المنهجيات المستخدمة في جمع البيانات وتوفيرها ما بين دائرة الإحصاءات العامة التي تعتمد على التعداد السكاني لمن يقطنون داخل المخيمات، وغيرها من الجهات ذات العلاقة. فوكالة الغوث تعتمد في إحصاءاتها على الأشخاص الذين يتعاملون مع مكاتبها طوعا بهدف تسجيل أبنائهم والمواليد الجدد وإضافتهم على «بطاقة المؤن» للحصول على الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية وتثبيت الحق القانوني بأنهم لاجئين، لذا تكون أعدادهم في هذه الحالة أكثر دقة.
كما تشكل مسألة عدم استجابة الدول المانحة لنداءات «الأونروا»، وتواتر الضغوط الممارسة على عملها، عامل قلق كبير بالنسبة للوكالة، في وقت «لا تنمو فيه ميزانيتها بشكل يتواكب مع احتياجات مجتمع اللاجئين، وارتفاع التكلفة التشغيلية، والتضخم المالي»، بحسب تصريحات صحافية لمدير الإعلام في وكالة الغوث مطر صقر.
وفي الوقت الذي يرى فيه النائب السابق في مجلس النواب الأردني عن مقعد المخيم ولواء عين الباشا محمد عقل، أن «سياسة تقليص المخصصات المقدمة للخدمات مؤامرة على اللاجئ الفلسطيني»، يعتبر صقر أن «الوكالة تعمل جاهدة لتقديم الخدمات للاجئين ضمن الإمكانات المتاحة»، لافتاً إلى «وجود مؤشرات إيجابية من كبار المانحين لسد العجز المالي وردم الفجوة القائمة».
وأشار عقل، في حديثه الى ملحق فلسطين، إلى أن مشكلة التنازع على المسؤوليات الخدمية بين حكومة الأردن و«الأونروا» كان ضحيتها أبناء المخيم ذاته، فتراكمت النفايات في الأسواق وأمام المنازل، وتفاقم النقص الشديد في المياه، وفاضت مياه الصرف الصحي على الشوارع وعبر طرق غير معبدة ، فضلا عن الضغط الشديد على عيادات وكالة الغوث، إذ يبلغ يتجاوز معدل كشف الطبيب اليومي على المرضى 150 مريضا، وسط نقص شديد في الأدوية والعلاجات الحيوية.
ولم تتدخل دائرة الشؤون الفلسطينية في عمان بصلاحيات «الأونروا» في ما يتعلق بالخدمات وتردي أوضاعها، «كونها المرجعية الوحيدة للاجئين»، بحسب مديرها وجيه العزايزة، الذي قال لملحق فلسطين إن «الحكومة الأردنية تقدم جهدا يخفف الضغط عن الأونروا لتحسين واقع الخدمات في المخيمات الفلسطينية».
ومثلما تعاني الأزقة والأسواق الاكتظاظ، تكاد المدارس تضيق بمن فيها من التلاميذ، إذ تضم المدارس الـ16 بالمخيم نحو27 ألف طالب وطالبة، يشكلون ثلث سكان المخيم، إلى جانب مشكلة التسرب من المدارس التي بلغت ألف طالب سنويا بسبب الالتحاق بسوق العمل أو لأسباب أخرى.
وبحسب عقل، فإن «قرار إغلاق بعض الشعب الصفية في المدارس التابعة للوكالة، وإجراءات تقليص عدد المعلمين والمعلمات، وضغط الشعب المدرسية، ساهمت بمزيد من الاكتظاظ الطلابي في الصف الواحد».
غالب الطيطي (12 عاما)، ترك مدرسته بإرادته، منذ وفاة والدته، مودعا أقرانه في الصف السادس الإلزامي، ليساعد والدة الطاعن بالسن في تحمل أعباء الحياة، فأصبح مسؤولا عن بسطة صغيرة يبيع عليها الفجل الأحمر والبصل الأخضر والبقدونس والجرجير والنعنع، لتدر على عائلته دخلا يوميا متواضعا لا يتجاوز خمسة دولارات، بينما فضل شقيقة الأصغر محمود (9 أعوام) أن يقتات من بيع المناديل الورقية عند الإشارات الضوئية في شوارع المخيم الرئيسة.
وتخالف الفتاة بيسان (15 عاما) بطموحها شقيقيها، غالب ومحمود، فهي تأمل بأن تلتحق يوما بالجامعة الأردنية لتصبح طبيبة أو ممرضة لتداوي الأطفال الفقراء والمحتاجين وكبار السن، رافضة إجبارها على الزواج مبكرا من ابن عمها «المقتدر» ماليا.
رضعت بيسان وإخوانها الخمسة اليتم منذ نعومة أظفارهم، بعد وفاة والدتها التي أوصتها ـ كما تقول ـ بأن «تحارب من أجل شهادتها الجامعية لتتباهى فلسطين بأبنائها»، فأصبحت تقسم يومها بين دراستها الثانوية والأعمال المنزلية ورعاية والدها وإخوانها، وتنسج الصوف وتبيعه لتوفر بضعة دولارات تشتري بها احتياجاتها الشخصية.
تعد هذه الأسرة واحدة من بين (400) أسرة تتألف من أيتام منتشرة في مخيم البقعة، ويتراوح الدخل الشهري لكل منها ما بين (130 ـ 150) دولارا، حسب الناشط في رعاية أيتام المخيم حمزة التلاوي.
وقال التلاوي: على الرغم من كثافة المخيم سكانيا، فإنه يضم (13) جمعية خيرية متعددة الأغراض، شبابية ورياضية ونسائية، لكنه في الوقت ذاته يفتقر إلى مراكز أيتام وطفولة تخدم سكانه وتجلب لهم موارد مالية تحسن من أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وتؤمن لهم تأمينا صحيا لمعالجة أمراض مزمنة وإعاقات جسدية وعقلية تفتقر إليها عيادات وكالة الغوث في المخيم.
وأشار التلاوي، في حديثة الى ملحق فلسطين، إلى دراسة أعدها مركز الأيتام، الوحيد في المخيم، وتظهر بياناتها أن 20 أسرة لديها أبناء مصابون بإعاقة عقلية أو جسدية أو كلاهما، وأن هناك 95 أسرة تقطن في بيوت مستأجرة، و13 أسرة من أهل غزة.
في كل عام، بحسب التلاوي، ينظم مركز أيتام مخيم البقعة الذي تأسس عام 1994 على أرض كلية ناعور في عمان، مخيما صيفيا يضم حوالى 400 فتى يتيم من مخيمات فلسطينيي الشتات في سوريا وفلسطين والأردن، بهدف خلق أجواء ثقافية واجتماعية بينهم من دون إغفال التركيز على حقوقهم السياسية، وبخاصة «حق العودة وتقرير المصير».
وبحرقة شديدة ، يقول الستيني أبو رائد المحسيري، من منطقة القدس، والذي أنجب أحد عشر فردا، يعيلهم بأجر تقاعدي يبلغ 270 دولارا في الشهر، «أحب أن أشاهد أولادي مهندسين وأطباء يخدمون أبناء مخيمهم، لكن فرصتهم في التعليم الجامعي محدودة، فضيق الحال لن يمكنني من الإنفاق على دراستهم».
وفيما تنخر صفوف سكان المخيمات من اللاجئين معدلات مرتفعة من الفقر تصل إلى 30%، وفق معطيات لجنة الدفاع عن حق العودة في الأردن، فإن الحل من وجهة نظر الناشط الأسمر لن يتم إلا «بمنح فرص لأبنائها في التعيينات بالقطاعين العام والخاص وإنشاء مشاريع تنموية في المنطقة، بما فيها المشاريع الصغيرة التي تستهدف تمكين المرأة».
تردى الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والضغوط الاجتماعية، والزواج المبكر، أدت إلى ارتفاع نسبة الطلاق لمن هم دون العشرين، بنسبة 85%، ما دفع عدة جمعيات نسائية في المخيم إلى لعب دور مهم في تمكين المرأة في شتى المجالات، بحسب مديرة مركز البرامج النسائية عبير عليوة، التي أكدت أن «المركز ساهم في رفع كفاءة المرأة من خلال التثقيف في عدة مجالات، كالصحة وتربية الأطفال وتنظيم النسل».
على الرغم من ذلك كله، ما زالت شوارع المخيم تغص بالصور والشعارات التي تؤكد على «حق العودة .. المقدس»، و«استشهاد في سبيل الأرض المقدسة»، و«نموت وتحيا فلسطين»، في حين تسرد ذكريات حملها الكبار وغرسوها في نفوس الصغار عن مدن وبلدات وقرى فلسطينية، لم يحملوا أسماءها في جواز السفر أو بطاقة الأحوال المدنية، لكنها تحضر معهم بأسماء بلداتهم الأصلية على شواهد قبورهم، كأنهم يعودون مجازا إلى أوطانهم وأجسادهم تحت تراب المخيم.

* حنان الكسواني صحافية متخصصة في قضايا حقوق الإنسان