| 

يحتضن الأردن النسبة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين في الشتات (42%) الذين يشكلون بدورهم النسبة الأكبر من سكانه (60 – 63%) والبالغ عددهم ستة ملايين نسمة تقريباً. ويتوزع هؤلاء إلى فئات وشرائح تتباين في خصائصها وحقوقها ومكانتها القانونية، فهناك من جهة من يُسمون بـ«لاجئي 48» الذين أجبروا على ترك مدنهم وقراهم جراء الحرب العربية الإسرائيلية وتداعياتها، وقد بلغ تعداد المسجلين من هؤلاء في كشوف وكالة الغوث الدولية (الأونروا) حوالى المليوني لاجئ، تحدّرت غالبيتهم العظمى من اللاجئين الذين انتقلوا من فلسطين التاريخية إلى شرق الأردن، وتتمتع غالبية هؤلاء بالجنسية الأردنية التي حصّلوا عليها في أعقاب مؤتمر أريحا قرار «وحدة الضفتين» في العام 1950.
وهناك من جهة ثانية، من يسمون بـ«النازحين»، الذين أجبروا على ترك ديارهم (الضفة الغربية) بعد الحرب العربية – الإسرائيلية الثانية في العام 1967، ولأنهم انتقلوا من منطقة إلى أخرى، داخل الدولة الواحدة، فقد أطلقت عليهم تسمية «النازحون» تمييزاً لهم عن «اللاجئين» الذين اضطروا لمغادرة بلادهم إلى دولة أخرى. وهناك من جهة ثالثة، فئة «اللاجئين/النازحين»، وهي التسمية التي تطلق على فئة من الفلسطينيين تعرضت للتهجير مرتين، الأولى في عام 1948 حين اضطرت للهجرة من مناطق 48 إلى الضفة الغربية، والثانية في العام 1967 حين اضطرت لمغادرة الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية.
وهناك من جهة رابعة، «اللاجئون من أبناء غزة» الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لمغادرة القطاع تحت ضغط الحروب المتعاقبة (بالأخص حرب 1967) والاستقرار في الأردن. هؤلاء ليسوا من التابعية الأردنية ولم يحملوا الجنسية الأردنية يوماً، ويعانون مصاعب جمّة في التعليم والعمل والخدمات الصحية والسفر والتملك، وبغياب الأرقام الدقيقة والرسمية عن أعداد هؤلاء، فإن أكثر الأرقام شيوعاً تقدر عددهم بحوالى 250 ـ 300 ألف نسمة.
من حيث المكانة القانونية، ينقسم الفلسطينيون في الأردن إلى شريحتين رئيستين: الأولى تشمل الفلسطينيين المُتمتعين بالجنسية الأردنية، وهؤلاء يزيد عددهم التقديري (لا أرقام رسمية معلنة في هذا المضمار أيضاً) عن المليوني شخص، وتصل بعض التقديرات بهم إلى 2,2 مليون مواطن، يضاف إليهم ما بين 1,2 و 1,3 مليون فلسطيني مقيم على الأرض الأردنية ممن لا يحملون الجنسية الأردنية، وهؤلاء يشتملون إضافة إلى أبناء قطاغ غزة، على مئات ألوف الفلسطينيين الذي تأثرت أوضاعهم القانونية بفعل قرار فك الارتباط عام 1988، حين قرر العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال، فك ارتباط الأردن القانوني والإداري بالضفة الغربية، بعد مرور ما يقرب من الأربعين عاماً على مؤتمر أريحا وضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية.
لا إحصاء دقيقاً للتركيبة الديمغرافية للسكان في الأردن، وقد جرى التعامل مع «الأرقام الخاصة بالسكان» بوصفها واحدة من أسرار الدولة العليا، بيد أن السجال السياسي في البلاد، دفع ببعض المسؤولين للبوح عن بعض هذه الأرقام، ففي العام 2002، عشية الانتخابات النيابية التي أجريت في السنة التالية، كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق المهندس علي أبو الراغب عن أن نسبة الأردنيين من أصول فلسطينية، والذي يحق لهم المشاركة في الانتخابات، تصويتاً وترشيجاً، قد بلغت آنذاك (43 بالمائة)، وإذا إضيف إلى هؤلاء ما يقرب من 18ـ 20 في المائة من إجمالي السكان، من الفلسطينيين الذين لا يتمتعون بالجنسية الأردنية كما أسلفنا، فإن النسبة الإجمالية لتعداد الفلسطينيين في الأردن، تلامس الرقم المتداول والدارج: 60 ـ 63 في المئة.
بخلاف الحال في سوريا ولبنان، فإن نسبة قليلة من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن (أقل من 18 في المئة) ما زالت تعيش في عشرة مخيمات رسمية وثلاثة أخرى غير رسمية (غير معترف بها من قبل الأونروا). أما الأغلبية الساحقة منهم (82%)، فتسكن في المدن الكبرى الثلاث: عمان، إربد والزرقاء، كما أنهم ينتشرون – بلا قيود – في مختلف أنحاء البلاد، ويضطلعون بأدوار اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية متفاوتة.
وبصرف النظر عن الجدل والانقسام السياسيين اللذين أحاطا بمؤتمر أريحا وقرار وحدة الضفتين، أو قرار «ضم» الضفة الغربية للأردن، فقد كان لحصول اللاجئين الفلسطينيين في الأردن على الجنسية الأردنية الكاملة عام 1950، آثار إيجابية ساعدتهم في تحسين مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية، فقد صار بمقدور اللاجئ الفلسطيني، ومن موقعه الجديد كمواطن أردني، أن يعمل ويتعلم وأن يتحرك في طول البلاد وعرضها، وأن ينتقل إلى دول الخليج الثرية القريبة أو إلى المغتربات البعيدة، للعمل وبناء الثروات والعودة بها للأردن، الأمر الذي ساعد اللاجئين الفلسطينيين على تحسين مستوى حياتهم المعيشية من جهة، وأسهم إسهاما لا يقدر، في بناء الأردن وإعماره من جهة ثانية.
لقد رتبت وحدة الضفتين للاجئين الفلسطينيين، مكانة قانونية وسياسية واجتماعية، ما كان ممكناً لإخوانهم وأشقائهم في دول اللجوء الأخرى كسوريا ولبنان، أن يحصلوا عليها، فالفلسطيني الذي التحق أو «أُلحق» بالأردن كما يفضل آخرون القول، التحق به أرضاً وسكاناً، ولم يكن ممكنا ضم الأرض (الضفة الغربية) من دون السكان، وما كان ممكناً توسيع جغرافيا المملكة وإكسابها دوراً إقليميا متزايداً، من دون أن تكون «الجنسية الأردنية» هي المقابل الذي سيعرض على أهل البلاد وسكانها الأصليين. إن هذا الفارق الجوهري بين وضع الفلسطينيين في دول الشتات، هو ما يغيب غالباً عن أذهان المحللين السياسيين الذي يكتفون بإجراء المقارنات السطحية بين أوضاع الفلسطينيين هنا وهناك.
يواجه الفلسطينيون في الأردن، على اختلاف مكانتهم القانونية، جملة من التحديات المتصلة بـ«أسئلة الهوية والاندماج»... ففي الوقت الذي يبدي فيه هؤلاء تمسكاً غير قابل للاهتزاز بحقوقهم «الوطنية» في العودة إلى وطنهم، وهي حقوق حفظها مؤتمر أريحا وقرار وحدة الضفتين اللذان شددا على أن «المواطنة» الأردنية» التي كفلها الدستور للأردنيين من أصول فلسطينية، لا تعني بأي حال من الأحوال، انتقاصاً من حقوقهم «الوطنية» التي كفلتها الشرعة الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
لكن تطورات المشهد السياسي، في فلسطين والأردن والإقليم عموماً، تركت انعكاسات سلبية ملموسة على أوضاع الفلسطينيين ودورهم السياسي على الساحة الأردنية. فخلال العقود الأربعة الأخيرة، التي شهدت استعادة الهوية الفلسطينية وتكريس مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وتنامي احتمالات قيام كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، خلال هذه السنوات، وخصوصاً في العشرين عاماً الأخيرة، تراجع الدور السياسي للفلسطينيين في الأردن، وتضاءل حضورهم في مؤسسات العمل السياسي، تارة جراء سياسات تمييزية بدأ تبنيها بعد أحداث الصدام الدامي في أيلول عام 1970 وتوسعت بعد قرار فك الارتباط، وتارة ثانية بسبب ما يمكن تسميته «روح الجالية» أو النزعة الانسحابية التي ميزت أداء وسلوك النخب السياسية الفلسطينية في الأردن... وتارة ثالثة بفعل تفشي ثقافة الخوف والتخويف من «التداعيات الخطيرة» لزيادة النشاط والتمثيل الفلسطيني في مؤسسات الدولة والمجتمع الأردنيين، خصوصا ً لجهة مستقبل حل القضية الفلسطينية.
لقد «نفخ» سياسيون أردنيون، وأحياناً دوائر وأجهزة حكومية أردنية، في خطر «التوطين» و«الوطن البديل»، وبالغوا في تصوير حجمه وراهنيته، بل جعلوا منه «فزاعة» تهيمن على الجدل الوطني العام في البلاد، وغالباً لأسباب داخلية، ولمصالح أنانية ضيقة، أما الهدف فقد كان على الدوام، «تحجيم» تمثيل هذه الشريحة من المواطنين، وإضعاف حضورها السياسي. وربما لهذا السبب بالذات، تراوح تمثيل الأردنيين من أصول فلسطينية في برلمانات 1989ـ 2010 ما بين 15 ـ 20 في المائة من إجمالي مقاعد مجلس الأمة بجناحيه: النواب والأعيان.
ونشأت نزعات ومدارس سياسية واجتماعية، تتحدث عن «المواطنة المشروطة»، و«العودة السياسية» للاجئين، والتي تعني بشكل أو بآخر، حرمان الأردنيين من أصول فلسطينية من حقوقهم السياسية في البلاد، وقد توجت هذه النزعات النشطة والفاعلة، بالتوسع في عمليات سحب الجنسية من مواطنين أردنيين من أصول فلسطينية، وهي العملية التي قوبلت بانتقادات واسعة، محليا ودولياً، ما حدا بالعاهل الأردني للتدخل شخصياً، وأكثر من مرة، لوقف هذا التعدي على حقوق المواطنين، وقد كان لافتاً أن الملك في زيارته قبل أيام لمخيم الوحدات، قد اعترف بأن عمليات سحب للجنسية جرت في العام 2010 وأنها تمت خلافاً لتوجيهاته للحكومة، وهو الاعتراف الذي يكشف عن وجود «ديناميكات مستقلة» تعمل بها بعض القوى والعناصر والشخصيات «الإقصائية» المبثوثة في مؤسسات الدولة والمجتمع.
لقد تحول الجدل حول «دور الأردنيين من أصول فلسطينية ومكانتهم» في الأردن دولة ومجتمعاً، إلى واحدة من أهم قضايا الحوار الوطني في السنوات العشر أو العشرين الأخيرة، إن لم نقل أنها أهم هذه القضايا على الإطلاق... وزاد الطين بلّة، إفتقار الدولة الأردنية لرؤية شاملة وبعيدة المدى للتعامل مع هذا الملف، فالحكومات الأردنية المتعاقبة، تفضل «ضبضبة» الجدل والحوار في شأن هذه المواضيع، بدل البحث عن حلول ومخارج تخرج البلاد من مناخات الاستقطاب والتوتر والاحتقان.
ويسود اعتقاد أوساطاً سياسية واسعة، بأن هذه الحكومات ترغب في إبقاء هذا الملف مفتوحاً، وتحويل مسألة الوحود الفلسطيني في الأردن، إلى أداة تحشيد للأردنيين من أصول أردنية، في مواجهة بعض القوى السياسية النافذة، كالإخوان المسلمين على سبيل المثال، وهي السياسة ذاتها التي اتبعت في مواجهة النفوذ المتزايد لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل أن يتراجع نفوذ المنظمة ويتضاءل حضورها في أوساط الفلسطينيين في الأردن.
وكنتيجة لحالة «العجز الديمقراطي» وتردد الحكومات المتعاقبة في إحداث الاختراق المنتظر على دروب الإصلاح السياسي، فإن بعض الدوائر الرسمية الأردنية تنزع إلى «فلسطنة» جماعة الإخوان المسلمين، كبرى أحزاب المعارضة وعمودها الفقري، لضمان انفضاض الأردنيين من أصول أردنية عن هذه الحركة وحزبها السياسي، حزب جبهة العمل الإسلامي، وتتجلى هذه السياسة في أوضح (تُقرأ أبشع) صورها عند إعداد قوانين الانتخابات العامة وإجرائها.
ويبدو أن الدولة الأردنية، وتحت تأثير حركة الشارع الأردني المواكبة لثورات العرب الكبرى التي اندلعت من تونس ومرت بمصر وتتردد أصداؤها الآن في اليمن والبحرين وليبيا وسوريا وغيرها، يبدو أن الدولة بات مضطرة الآن، للبحث عن أجوبة لأسئلة «المواطنة والاندماج»... وهذا ما يتضح في كتاب التكليف الملكي للحكومة الحالية، وفي كتاب التكليف للجنة الحوار الوطني المولجة اقتراح تعديلات دستورية وتقديم مشروعي قانونين، واحد للانتخابات النيابية، والثاني للأحزاب السياسية. على أن المرء ينبغي ألا يذهب بعيداً في التفاؤل حيال فرص تجاوز هذه التحديات، فقوى الشد العكسي المناهضة للإصلاح والتغيير، ما زالت تبدي قدراً كبيراً من المقاومة، وما زالت قادرة على العرقلة والإعاقة مستفيذة من غياب الإرادة السياسية للإصــلاح الســياسي والتــحول الديمــقراطي مــن جهة، ومن ضعف وتفكك قوى الإصلاح والتغيير من جهة ثانية.
* عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية في عمان، كاتب ومحلل سياسي في جريدة «الدستور» الأردنية