| 

مما لا شك فيه أن المخيم الفلسطيني أحد أهم العناصر الثقافية في الخطاب الوطني المعاصر، فضلا عن أهمية المخيمات التي شكلت الحاضنة الرئيسة والرافد الأهم لحركه التحرر الفلسطينية، سواء في الأردن أو لبنان أو الأراضي المحتلة. ويجادل علماء الاجتماع في أن مجتمع اللاجئين، ونتيجة لتحطم البني التقليدية بعد النكبة، أصبح أكثر قبولا للبنى الحداثية ممثلة في الأحزاب السياسية والتنظيمات الفلسطينية. ورغم عدم قبولنا بذلك كمسلمة، إلا أن مجتمع اللاجئين بما يحمله من ثقل ثقافي تمثل في خسارة الأرض والكرامة، إضافة إلى الصدمة الاجتماعية والتصدع في البنية الاجتماعية «الطبيعية» لما قبل النكبة، أصبح أكثر الأماكن من حيث الاستعداد ثقافياً لكي يكون الحامل للعمل الوطني والأحزاب السياسية التي قادت الحركة الوطنية منذ النكبة.
في الضفة المحتلة لم يختلف الأمر كثيراً. فالمخيم كان أهم الأمكنة الاجتماعية في عملية بناء الحركة الوطنية محلياً، وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية في الأرض المحتلة. ففي الضفة، وقبل الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987، تنازعت إسرائيل والأردن مع منظمة التحرير على عملية الهيمنة على «الثقاف- سياسية». ففي حين اعتمدت الأردن على البني التقليدية والعشائرية من أجل إبقاء سيطرتها في الأراضي المحتلة، اعتمدت إسرائيل - بالإضافة إلى القوة العسكرية الاستعمارية - على بنى شبيهة من المستفيدين من الاحتلال والمخاتير مثل روابط القرى. ويكمن اعتبار روابط القرى بمثابة العنصر الرمزي في عملية استخدام البنية التقليدية من الاستعمار واستبعاد المدينة والمخيم لما فيهما من زخم وطني حداثي الطابع ملتزم مع منظمة التحرير تحديداً. في هذا السياق عملت منظمة التحرير على كسر الهيمنة من خلال التركيز وبناء المؤسسات المحلية وتفعيل العمل الجماهيري الوطني انطلاقاً منها. ففي المخيم تحديداً كانت مراكز الشباب، وهي المؤسسات الاجتماعية الشبابية الرياضية التي أسستها وكالة الغوث ودعمتها حتى منتصف الثمانينيات، هي الأماكن التي دخل منها الكثير من الشباب إلى العمل الوطني والاجتماعي، فكانت أحد عناصر كسر الهيمنة الاستعمارية والوصاية العربية. وهو الأمر الذي جعل هذا المراكز عرضة للإغلاق من الاحتلال في جميع المخيمات منذ أوائل الثمانينيات. وكان أعيد في بداية التسعينيات افتتاح الكثير من مراكز الشباب في المخيمات، وفي العام 1992 تم تشكيل ما عرف باسم اتحاد مراكز الشباب كأول إطار جامع. ورغم أن العمل الرياضي كان العنصر الأساسي في تعريف الاتحاد، إلا أن التاريخ النضالي لمؤسسات الشباب في المخيم، والتاريخ الفردي للعاملين في المراكز، جعلا من الاتحاد عنواناً سياسياً تابعا لمنظمة التحرير.

حراك شعبي لحماية حق العودة
في غضون أقل من عامين على تأسيس اتحاد مراكز الشباب تشكلت السلطة الفلسطينية كنتاج لاتفاق أوسلو، حيث تم تأجيل موضوع اللاجئين إلى المفاوضات النهائية وتحول حق العودة من مركز القضية الفلسطينية إلى الهامش كموضوع للتباحث والمساومات. في هذا السياق، شهدت المخيمات وتجمعات اللاجئين الأخرى حراكاً اجتماعياً وسياسياً متميزاً، بحيث أصبحت المخيمات تشكل وحدة اجتماعية تحمل قضية سياسية بامتياز. ففي العام 1995 كان أول تحرك شعبي لحماية حق العودة سمي مؤتمر الفارعة - أو المؤتمر الأول للاجئين - والذي اعتبره البعض أول تحرك ضاغط من أجل حق العودة، وقام على الفكرة في ذلك الوقت ذات الاتحاد. وقد حمل هذا المؤتمر رمزية عالية، حيث أقيم على أرض معتقل الفارعة وفي ذكري الانتفاضة الشعبية، في دلالة - كما قال القائمون عليه - على ضرورة استمرارية العمل الوطني ومركزية حق العودة، ونضالات شباب المخيمات، وكذلك رمزية المعتقل.
في العام التالي من تجربة المؤتمر، أقيم مؤتمر شعبي آخر في مخيم الدهيشة في بيت لحم بحث في الموضوع ذاته، أي حق العودة من ناحية، وما وصف بعملية تغييب اللاجئين من الخطاب المركزي للسلطة من ناحية أخرى. وقد حمل هذا المؤتمر في طياته تحولاً على الحراك الشعبي، بحيث كان معظم التوصيات والمداخلات يصر على وجوب التعامل مع السلطة الفلسطينية الناشئة كسلطة مضيفة للاجئين، وجاء ذلك رداً على محاولة وزارة الحكم المحلي التعامل مع المخيم كمحلية وإنشاء ما سمي بلجان الخدمات. ففي ذات العام قامت وزارة الحكم المحلى باقتراح إنشاء لجان خدمية في المخيمات تقوم مقام الجالس البلدية. وقد تصدى اتحاد مراكز الشباب والفعاليات الوطنية في المخيمات لما اعتبروه محاولة لتوطين اللاجئين أو تطبيع واقع اللجوء. بعد عملية الرفض لتلك اللجان المقترحة من وزارة الحكم المحلي، تم تشكيل اللجان الجان الشعبية، ولكن شرعيتها في هذه المرة كانت من منظمة التحرير وليس من وزارة الحكم المحلي. وقد اعتبر البعض هذا التحرك واعتماد شرعية منظمة التحرير في تشكيل اللجان عملية التفاف على الحراك الشعبي. وأصحاب هذا الرأي يجادلون بأن اللجان الشعبية وتشكيلها كانت واحد من آليات فرض هيمنة السلطة على المخيمات باسم شرعية منظمة التحرير.

لجان شعبية أم لجان خدمات؟!
منذ تأسيسها، يطلق على اللجان في المخيمات اسم اللجان الشعبية من الأهالي ومن اللجان نفسها، بينما تطلق وكالة الغوث عليها لجان الخدمات. إن الاختلاف في التسمية ليس وليد المصادفة، إنما تعبير عن سياق سياسي محدد، حيث يحاول أعضاء اللجان التركيز على البعد السياسي لدورهم من خلال استخدام مفهوم اللجان الشعبية لما تحمله التسمية من دلالات ثقافية وسياسية مرتبطة بالتاريخ السياسي والنضالي. ففي الانتفاضة الأولى، كان تعبير اللجان الشعبية يحمل دلالة مشروع الحكم الذاتي (self-governance) في المحليات كنقيض لدولة الاحتلال وأجهزتها الإدارية والشرطية. كذلك حمل المفهوم دلالات مرتبطة بالنضال المباشر ضد الاحتلال من خلال تنظيم التظاهرات والاعتصامات وتنفيذ قرارات القيادة الوطنية الموحدة. أما وكالة الغوث، فهي عادة ما تطلق في الأوراق الرسمية وتوصيفاتها للجان تعبير لجان الخدمات كواحدة من آليات لا- تسييس المجتمع المحلي في المخيمات. إن عملية اللاتسييس ليست ممارسة خطابية فقط وإنما في الأساس ممارسة مقصودة في تجمعات اللاجئين من قبل وكالة الغوث من خلال التعامل مع وسيط لا سياسي يسهل عملية تقديم الخدمات للمجتمع المحلي، وينوب عن الوكالة في عمليات التفاوض مع الأهالي على مستوى الخدمات والاستحقاقات التي تقدمها الوكالة.
في أحد الحوارات مع عضو في إحدى اللجان، أوضح لي كيف أن اللجان ذاتها تتعامل مع الأمر ضمن براغماتية عالية وسياسية بامتياز. ففي الوقت الذي ترى فيه هذه اللجان أن الحق السياسي المتمثل في حق العودة أساسا هو مشروعها المركزي، فإنها ترى في علاقاتها بوكالة الغوث موضوعاً متشابكاً، فهي تلعب دور الوسيط في عملية تقديم الخدمات من قبل الوكالة للمخيم وإقناع الناس في أحيان كثيرة من أجل الوصول إلى حلول وسط في حال نشب خلاف مع مؤسسة الوكالة حول مستوى الخدمات أو آليات تقديمها. وفي المقابل، فهي تعمل على التفاوض وتحسين هذه الخدمات. فاللجان لا ضير عندها في توصيفها كلجان خدمات في لحظات معينة من أجل تحسين أحوال المجتمع المحلي، إلا أنها في الوقت نفسه تسعى إلى زيادة نفوذها وسلطة المجتمع على الوكالة.
في ظل نهج الوكالة الواضح بعدم تسييس العلاقة مع اللاجئين والتركيز على الدور الإغاثي في حالة اللاجئين الفلسطينيين، وفي ظل التركيب الجديد الذي نشأ بعد تشكيل السلطة الفلسطينية، وجد المخيم في «دائرتي حكم» متناغمتين ومتضاربتين في آن معاً، أي بين الوكالة والسلطة الفلسطينية. وهذه اللجان تجد نفسها مشتتة بين الرغبة في الضغط على وكالة الغوث والتعامل معها كمسؤولة وحيدة عن المخيم، والخوف من فقدان الوكالة كمظلة قانونية دولية لقضية اللاجئين، وما بين التعامل مع السلطة الفلسطينية كسلطة مضيفة للاجئين، أو بوصفها مشروعا لمنظمة التحرير- شرعية اللجان من شرعية المنظمة- والذي هزم في تحقيق أهدافه.
أخيرا، مما لاشك فيه أن الحراك الشعبي للاجئين منذ تشكيل السلطة الفلسطينية كان هو السياق في عملية تشكيل اللجان الشعبية أو لجان الخدمات، إلا أن تلك اللجان ساهمت وتساهم في تعزيز ثقافة حق العودة خطابياً وممارساتياً. فهذه اللجان ورغم دورها في إنتاج عملية الهيمنة ذاتها، إلا أنها أيضا ساهمت وشاركت في إنتاج هيمنة نقيضة لثقافة المساومة على حق العودة. ونقصد هنا أن تشكيل اللجان، وإن قصد منه عملية سيطرة اجتماعية وثقافية على المخيمات في منتصف التسعينيات، وإجهاض الحراك المحلي من أسفل إلى أعلى، وإسقاط تعيينات من الأعلى على المجتمع المحلي، إلا إن هذه اللجان لم تخرج عن الإجماع الشعبي في قضية حق العودة بل بالعكس عملت على تعزيز تلك الثقافة.

* علاء العزة أستاذ الانثربولوجيا الثقافية في جامعة بيرزيت