| 

من بعيد تبدو الحياة في مخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة صورة مكررة عن الأوضاع الصعبة للاجئين في باقي مناطق قطاع غزة، إلا أن الحديث مع السكان والاستماع الى همومهم يغيران الصورة نهائيا. الصورة المأساوية تتضح رويدا رويدا منذ عبور الطريق الرئيسة للمخيم الذي يعج بالحفر والمطبات في رسالة أولية عن أوضاع السكان. وهناك في الشوارع والأزقة والمنازل داخل المخيم يفتح اللاجئون قلوبهم للحديث عن أوضاعهم، فتتكثف الصورة وتبدو الأوضاع قاسية إلى حد كبير لا يتصوره القاطنون خارج المخيم.
«غالبية السكان هنا لا يعملون ويعيشون في انتظار المساعدات من هذه الجهة أو تلك»، قال حسن شلتوت (54 عاما)، محاولا اختصار الوضع القاسي للحياة في مخيم المغازي في وسط قطاع غزة. وبعد فترة من الصمت داخل صالون الحلاقة القديم في وسط سوق المخيم، تابع: لا تنخدع بالمحال المنتشرة على جانبي الطريق، فأصحابها لا يبيعون شيئا طيلة النهار، مع أن أوضاعهم تنتعش قليلا في أول كل شهر عندما يتلقى الموظفون رواتبهم ثم يعود إلى الركود القاتل مرة أخرى.
الحلاق شلتوت (أبو علي) الذي يعتبر من الوجوه المعروفة لسكان المخيم بعد أن ورث مهنة الحلاقة عن أبيه اللاجئ من قرية تل الترمس المدمرة عام 1948، لم يستقبل أي زبائن في صالونه البسيط منذ ثلاثة أيام، وأحيانا يصفف شعر زبائنه الفقراء من دون مقابل ليحافظ عليهم، كما قال بصوت حزين. وأشار شلتوت الذي يعرف ظروف غالبية سكان المخيم القاسية، إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر في المخيم بشكل كبير لتزيد النسبة على 60% من أعداد السكان.
وقال إن كثيرا من الموظفين الذين يتلقون رواتب متدنية يطحنهم الفقر أسوة بباقي السكان، إلا أن أوضاعهم تبقى أفضل حالا من الذين ينتظرون المساعدات التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا».
خارج صالون شلتوت، كانت الحياة تمر ببطء ملحوظ في الشارع الرئيس للمخيم، وكان الناس يمرون أمام الصالون بهدوء كبير ويغادرون المكان في حالة من البؤس الشديد. «ماذا تريد من الناس الذين فقدوا كل شيء ويعيشون بلا أمل إلا العودة إلى بلداتهم وقراهم»؟! تساءل الشاب أحمد سالم (28 عاما) محاولا تفسير الوضع القاسي للاجئين في المخيم. وتابع: تخرجت في الجامعة منذ خمس سنوات، وحتى الآن لم أعمل، وأحيانا كثيرة أفكر بترك الحياة القاسية هنا والهجرة الى الخارج؛ إلى أي مكان، لكنني لا أستطيع بسبب الحصار الذي نعيشه.
وقبل أن يغادر أحمد سالم المكان مسرعا، قال: كل واحد هنا يملك قصة مأساوية يحاول التغلب عليها بطريقته بعد أن فقد الأمل بالأحزاب وبالحكومات التي لم تفعل شيئا إلا الاهتمام بمصالح مؤيديها وأنصارها، والبقية الصامتة لا ولي لها ولا نصيرا.
كثير من الكلام المشابه يمكن سماعه من الناس المنتشرين بلا عمل في أزقة المخيم وشوارعه؛ منهم من يجرؤ على الحديث، ومنهم من يلوذ بصمت قاتل، لكنه ينظر بغضب في جميع الاتجاهات قبل أن يمضي ويواصل السير بلا هدف في الشارع.
يقع مخيم المغازي تحت إشراف وكالة الغوث التي تقول على موقعها الالكتروني إن المخيم يتسم بضيق أزقته وارتفاع كثافته السكانية، لافتة إلى أن معظم اللاجئين الذين قدموا إلى المخيم كانوا قد فروا «بسبب الأعمال العدائية التي رافقت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948»، وتنحدر أصولهم من القرى الواقعة جنوب فلسطين. وتشير الوكالة الى عدم إمكان القيام بأي أعمال بناء أو إصلاح لأن الحصار يعمل على منع الغزيين عموما من استيراد مواد البناء. وقد ساهم ذلك في زيادة حدة المشاكلات الإسكانية التي يعانيها السكان المتزايدون، علاوة على زيادة صعوبة صيانة البنية التحتية المتهالكة في المخيم. وتؤكد «الأونروا» أن المخيم يعاني مثل باقي المخيمات في قطاع غزة، ارتفاعاً شديداً في معدلات البطالة والفقر، إلى جانب نقص المساكن، وكذلك نقص التزويد الكافي بالكهرباء.
تعطي مواصلة التجول في أزقة وشوارع المخيم الزائرين مزيدا من التفصيلات عن الحياة القاسية لسكان المخيم الذين لا يجدون المأوى الملائم لهم، فتكتظ بهم المنازل ويعيشون في أسر ممتدة وسط مشكلات معيشية كبيرة.

أبناء يرثون معاناة الآباء
تقول الحاجة أم محمد (59 عاما) من قرية البطاني الغربي، وهي تهم باجتياز إحدى الطرقات الداخلية قرب منزلها: «الفقر يلاحقنا منذ ترك آباؤنا مجبرين قراهم وفروا تائهين على وجوههم الى أماكن شتى». وتابعت: منذ الهجرة، عاشت أسر اللاجئين يوما بيوم معتمدة على ما تقدمه «الأونروا» من إعانات غذائية على أمل العودة، واستطاعوا تحمل الفقر والجوع. وبعد هذه السنوات ما زال أبناؤهم يعانون نفس الجوع والفقر لكن في ظل نقص شديد في الإعانات التي تقدمها «الأونروا». وتضيف أم محمد ان زوجها فقد عمله في سوق العمل الإسرائيلية منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، ما جعل أسرتها المكونة من ثمانية أفراد تمر بأوضاع قاسية، وتعتمد على ما تقدمه وكالة الغوث ومما يوفره عمل أحد أبنائها في شركة محلية.
وقبل أن تواصل طريقها، زادت: أينما نظرت داخل المخيم يمكن رؤية المشاكلات التي يعانيها الناس، وجدران المنازل تخفي كثيرا من الأسرار والمصاعب.

اكتظاظ فوق الأرض... وتحتها!
ويقول الشاب أمين أبو منديل (41 عاما) الذي تنحدر أسرته من مدينة بئر السبع، إن «كثيرا من العائلات تعيش في منزل واحد في المخيم الذي كان في الأساس معسكرا للجيش البريطاني قبل النكبة، وبعد أن سكنه اللاجئون تمدد ببطء لتصل مساحته إلى 559 دونماً يعيش فوقها الآن 27 ألف نسمة». وأضاف أبو منديل الذي يظهر معرفة كبيرة بهموم المخيم ومشكلاته: لا يقتصر الاكتظاظ في المخيم على اللاجئين أنفسهم، بل يتعداه ليشمل الموتى في القبور الذين لا يجدون مكانا لهم فيضطر أقاربهم الى دفنهم في قبور أسلافهم القديمة. تحدث أبو منديل عن كثير من المشكلات التي يعانيها المخيم، وأسهب في وصف مشكلات انقطاع التيار الكهرباء المتكرر وغياب المياه النقية والتقليصات المستمرة في الخدمات التي تقدمها «الأونروا» للاجئين.
وقال بغضب: لا يمكن أن تنتهي معاناتنا إلا بعودتنا إلى البلاد التي هاجر منها آباؤنا وأجدادنا، وأي حلول أخرى لن تصمد أبدا لأن الناس هنا تريد العودة وحل كل مشكلاتها دفعة واحدة. وأضاف: الغالبية الساحقة من الناس هنا يؤمنون بحق العودة ويعيشون على أمل أن يتحقق هذا الحق يوما ويعودوا إلى مدنهم وقراهم المدمرة.

لا عزاء ولا غاز... للفقراء
حديث المعاناة في المخيم تواصل في دكان الحاج أبو ناهض (60 عاما) الذي يبيع غاز الطهي لأبناء المخيم. قال أبو ناهض وهو يجلس الى جوار احد أصدقائه: عصب الحياة في المخيم هو العامل، وعندما فقد العامل مصدر رزقه انتشرت البطالة في جميع قطاعات المخيم. وتابع: غالبية سكان المخيم كانت تعمل في أراضي 1948، وعندما منعوا من الدخول الى «إسرائيل» للعمل بدأت الحياة تزداد سوءا يوما بعد يوم حتى وصلت إلى وضع لا يطاق.
وبعد أن نظر مليا إلى اسطوانات الغاز المتراصة في داخل الدكان، قال وهو يشير إلى اسطوانات كتبت عليها أسماء أصحابها: «أنظر هذه الاسطوانات لا يستطيع أصحابها دفع ثمن تعبئتها بالغاز، لذلك لم يحضروا لاستلامها على أمل أن يتوفر لديهم بعض النقود من أي جهة، وعند ذلك يأتون لأخذها.
أبو ناهض الذي تنحدر عائلته من مدينة بئر السبع، ولد بعد النكبة بسنتين، ويعرف كثيرا من القصص عن تطور المخيم والأوضاع المعيشية لسكانه، وقال: لدينا عدد من الموظفين لكنهم أيضا يعتمدون خلال الأيام الأخيرة من الشهر على الاستدانة من المحال التجارية بعد أن ينفقوا رواتبهم المتواضعة.
وأوضح صديقه الذي كان طيلة الوقت يهز رأسه موافقا على حديث «أبو ناهض»، ان الناس تشتكي ارتفاع أسعار الخضراوات والمواد التموينية بشكل جنوني، خاصة في ظل تدني دخل الموظفين والعاملين، وتزايد عدد العاطلين عن العمل.

موقع «نموذجي» لاعتداءات الاحتلال
يقع مخيم المغازي في وسط قطاع غزة، ويحده من جهة الغرب قرية الزوايدة، ومن الشرق حدود قطاع غزة مع الأراضي المحتلة عام 1948، ومن الشمال مخيم البريج، ومن الجنوب قرية المصدر.
ويعتبر «المغازي» خاصرة قطاع غزة بين «خط التحديد» وشاطئ البحر، حيث تبلغ المساحة ما يقارب 7 كيلومترات تقريباً .
وجرى إنشاء مخيم المغازي عام 1949 بعد عام من النكبة، وبلغت مساحته عند إنشائه 559 دونما، ويعد المخيم الأعلى كثافة سكانية بين المخيمات نظرا لضيق مساحته، فيما يبلغ عدد سكانه نحو 27 ألف نسمة.
قرب المخيم من الحدود مع الأراضي المحتلة عام 1948 ساهم في تعرضه للاجتياحات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من أبناء المخيم بين شهداء وجرحى.
ويوجد في المخيم خمس مدارس، أربع منها تشرف عليها «الأونروا»، وتعمل وفق نظام الفترتين الصباحية والمسائية، ومدرسة ثانوية حكومية، إضافة إلى ثلاثة مراكز صحية تخدم أبناء المخيم، أكبرها مركز صحي يتبع وكالة الغوث.
وعن المشكلات التي يعانيها المخيم، قال شكري العاروقي رئيس اللجنة الشعبية للاجئين، التي أنشئت عام 1996 من أجل الدفاع عن حقوق اللاجئين في المخيم، إن أهم المشكلات تتمثل في الاكتظاظ السكاني بسبب صغر مساحة المخيم، والبطالة العالية في صفوف العمال والخريجين التي تقدر بنحو 59%، إضافة إلى خلو مقبرة المخيم من مساحة لدفن الأموات، ما اضطر الأهالي إلى نبش القبور القديمة.
وأضاف العاروقي وهو يجلس في مقر اللجنة الشعبية للاجئين المزدان بالشعارات والملصقات المتمسكة بحق اللاجئين في العودة، إن الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للمخيم أدت الى استشهاد وجرح عدد كبير من أبنائه، إلى جــانب تــدمير البنية التحتية والأراضي الزراعية من خلال إنشاء منطقة عــازلة بالقرب من «خط التحديد»، واقتطــاع مــساحة واسعة من الأراضي الزراعية المحيطة بالمــخيم، مشــيرا كذلك إلى مشكلة انقطاع المياه بشكل كبير، خاصة خلال فتــرة الصيف، وعدم وجود آبار كافية لتزويد المخيم بالمياه الصالحة للشرب.
كذلك، لا توجد في المخيم ملاعب، ما يدفع الأطفال إلى اللعب في الشوارع، حيث الخطر ينتظرهم من السيارات العابرة، ما يتسبب في وقوع حوادث الطرق. وأشار إلى معاناة المؤسسات الأهلية في المخيم وقلة الدعم المقدم لها، ما يؤثر في نوعية الخدمة التي تقدمها، لافتا إلى وجود مشكلة أخرى تتمثل في عمل عيادة المخيم التابعة لوكالة الغوث لفترة واحدة، الأمر الذي يجعلها غير كافية لسد حاجة أبناء المخيم.
كثير من القصص والحكايات المختلفة يمكن سماعها في مخيم المغازي، إلا أن حالة الفقر والمعاناة المتواصلة تبقى عالقة في الذهن ونحن نغادر المخيم إلى الخارج، حيث تعلو عبارة كتبها أحد اللاجئين على مدخل المخيم هي: «بغير بلادي تموت الطيور... وفوق سمائي تعلو نسور».

* حسن جبر صحافي مقيم في غزة