I
كانت حكومة النقراشي قد وصلت إلى طريق مسدود: فشل في المفاوضة (مع الإنكليز في شأن الجلاء)، أعقبه فشل في مجلس الأمن (في شأن الاستقلال)، وتصاعدت الاضرابات وخصوصا إضراب البوليس. وكان لا بد من جديد يخرج بالحكومة والنظام من الطريق المسدود، وينقل اهتمام الجماهير إلى مشكلة أخرى غير المسألة الوطنية، وغير الصراع الداخلي. وكانت مشكلة فلسطين قد وصلت إلى تفاقمها عندما أقر رسمياً إنشاء دولة إسرائيل في 15 مايو 1948. والذي كان يحول بين الحكومة وبين استغلال هذا الظرف هو إدراكها أن الجيش المصري ليس مستعدا للدخول في حرب على أرض فلسطين. وكان النقراشي مصراً على ألا يلجأ إلى القوة المسلحة حتى لا يدفع الجيش المصري إلى حيث تكون القوات البريطانية المرابطة في منطقة قناة السويس وراء ظهره، وظل النقراشي على هذا الموقف حتى يوم 11 مايو، ولكن بين عشية وضحايا تغير هذا الرأي فجأة فطلب من رئيس مجلس الشيوخ في 12 مايو عقد البرلمان في جلسة سريعة لطلب دخول القوات المسلحة أرض فلسطين. وعرض الموضوع على البرلمان ببيانات غير دقيقة أدت به إلى الموافقة على إعلان الحرب.
والواقع أن الملك قد وجد في مسألة فلسطين ما يمكّنه من استرداد بعض سمعته التي كانت قد انهارت في العامين السابقين، وأن يدعم بدخول الحرب هيبة دولة هد الفوران الشعبي كيانها، وكاد إضراب البوليس أن يشرف بها على الانهيار الكامل، فأمر الملك محمد حيدر وزير الدفاع بأن يأمر الجيش باجتياز الحدود، وتحرك الجيش فعلاً دون علم رئيس الوزراء ومن غير انتظار إقرار البرلمان أو مجلس الوزراء. وفي 11 مايو أدلى الملك بحديث سياسي إلى مراسل “اليونايتد برس” خرج به عن حدود وظيفته الدستورية التي تلزم الملك ألا يعمل إلا بواسطة الحكومة، وقال في حديثه إنه سيمد الإخوان العرب بكل مساعدة عسكرية ومالية واقتصادية، وانه لن يقبل أن تقوم دولة صهيونية على مقربة من حدود مصر وانه لا بد من استعمال القوة. واتفق موقف الملك هذا مع سعيه الحثيث منذ نهاية الحرب إلى أن يمتلك حكم البلاد صراحة وأن تكون السياسة العربية مما يخضع له مباشرة. وكان من أسباب دخول الحرب حرص الملك على أن يبني لنفسه زعامة عربية تنافس العائلة الهاشمية المالكة في العراق وشرق الأردن، وقيل إن الملك فاروق كان يتسابق مع الملك عبد الله في أيهما يصلي الجمعة أولا في المسجد الأقصى.
كما كان من أسباب انصياع الحكومة لقرار الملك اعتمادها عليه وعدم قدرتها على مناهضته، كما رأت في إعلان الحرب استباقا للمشاعر العامة بين الجماهير التي كانت تطالب بالتدخل وبالكفاح المسلح ضد الصهيونية، وكذلك مسابقة جماعة الإخوان وغيرها ممن أرسل الأفواج للجهاد في فلسطين وحرصا على أن ترتد أكاليل النصر إلى السراي والحكومة دون غيرهما.

II
ولما اقترب موعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين (في الخامس عشر من أيار/مايو 1948) تقرر أن لا تدخل مصر الحرب، بل أن تكتفي بالسماح للضباط والجنود المتطوعين بالسفر إلى فلسطين، وبوضع قسم من الجيش في معسكرات العريش القريبة من الحدود، للدفاع عن سيناء عند الحاجة. وكانت الدول العربية كلها على علم بهذا التدبير. واجتمع بعض ضباط الجيش المصري مع النقراشي، وأبلغوه أن عليه التزام هذا التدبير، لأنهم أدرى منه بوضع الجيش في ذلك الحين. واجتمع مجلس الشيوخ المصري في جلسة سرية، وصرح النقراشي للأعضاء بأن مصر لن تحارب.
وفجأة أذيع أن مصر قررت دخول الحرب. أذيع البيان دون أن يجتمع مجلس الوزراء المصري ويقرر قبوله، ودون أن يجتمع المجلس العسكري الأعلى ويبحثه، ودون أن يتباحث به المسؤولون عن الدولة، وفي مقدمتهم وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي، ودون أن ينقل الخبر إلى رؤساء الحكومات العربية وقادة جيوشها، ودون أن يسمح لرئيس الوزراء بتفقد القوات المرسلة إلى القتال. بينما كان هؤلاء كلهم في غفلة عما يجري، أمر فاروق ياوره ووزير حربيته، محمد حيدر، بإصدار التعليمات إلى الجيش باجتياز الحدود إلى فلسطين، قبيل بدء القتال بوقت قصير.
ولتبديل خطط مصر السياسية والعسكرية تجاه القضية الفلسطينية أسباب كثيرة. والسبب الأهم أن ملك مصر وحكومتها آنذاك أدركا أن الرأي العام يرغب في الإسهام بعملية إنقاذ فلسطين، وأدركا، من جهة أخرى، المكاسب التي يمكن لحزبي مصر الفتاة والإخوان المسلمين أن يكسباها، وهما حزبان معارضان للملك والحكومة، إن هما أرسلا الفدائيين والمتطوعين إلى فلسطين وتخلف عن ذلك جيش البلاد الذي يأتمر بأوامر قائده الأعلى، فاروق. فكان أمر دخول الحرب وسيلة للأقلية الحاكمة والمالكة لكي تتودد إلى الرأي العام على حساب الأغلبية المعارضة، من وطنية مخلصة ومن حزبية تحاول هي الأخرى كسب الرأي العام لصالحها على حساب الحاكمين. كما أن الملك وجد في الحرب مناسبة لكي يتخلص من طلاب الإصلاح في البلاد، عن طريق كبت الحريات وإعلان الأحكام العرفية ووضع رقابة على الصحف والأحزاب واعتقال المعارضين والضغط على الوطنيين، بحجة حفظ سلامة الدولة وأمنها في تلك الحالة الاستثنائية.
ومن الأسباب الأخرى لتبديل وجهة نظر مصر أن فاروق أدرك أن الرأي العام العربي لا يميل إلى الحرب فحسب، بل أنه لن يغفر لمن يتقاعس عنها. وكان فاروق يومها يبذل المستحيل ليتغلب على منافسه في كسب زعامة العرب، الملك عبد الله الذي كان يطمع في احتلال فلسطين وضمها إلى بلاده. ووجد أن في دخول عبد الله الحرب وتقاعسه هو مغامرة على سمعته، لذلك كان فاروق حريصا على أن يعلن، وهو يذيع خبر اشتراك مصر في الحرب، أن دخول القوات العربية إلى فلسطين «حل مؤقت خال من كل صفة من صفات الاحتلال والتجزئة» وأن فلسطين «ستسلم إلى أهلها ليحكموها كما يريدون» وأن «فلسطين عربية ويجب أن تبقى عربية، وإذا دخلت الجيوش العربية فلسطين فإنها ستدخلها لا بنية البقاء بل بنية الإنقاذ وستترك لأهل فلسطين حرية تقرير مصيرهم».
لهذه الأسباب صدرت الأوامر لرجال الجيش بالتحرك. وفي اليوم التالي منح البرلمان الحكومة حق إعلان الأحكام العرفية وفرض الرقابة على الصحف وإصدار الاعتمادات المالية المطلوبة للحرب. ودخلت القوات المصرية فلسطين رسميا في اليوم الخامس عشر من أيار (مايو)، عند انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين الذي استمر حوالى ثلث قرن.

ـ أنيس صايغ، «الفكرة العربية في مصر»، بيروت: 1959. ـ طارق البشري، الحركة السياسية في مصر: ١٩٤٥ : ١٩٥٢، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٢