| 

لم يمض على استقلال لبنان أكثر من 5 سنوات حتى كانت نكبة فلسطين زلزالاً على حدوده الجنوبية استمرت تداعياته الى يومنا هذا، لان البلد الصغير، الحديث التشكيل والمعقد التركيب، والدقيق التوازنات، وجد نفسه في خضم أمواج عاتية لا قدرة له على خوض غمارها.
وبلغ التضامن والتأييد اللبناني للفلسطينيين ان الجيش اللبناني شارك في المعارك ضد الإسرائيليين عام 1948، كما ان مئات المتطوعين اللبنانيين خاضوا المعارك بكل تضحية وشجاعة الى جانب اخوانهم الفلسطينيين. لم يتوان اللبنانيين عن فتح منازلهم للاجئين وتقديم كل ما أمكن تقديمه إليهم، وهذا ما فعلته المؤسسات الحكومية والمنظمات والجمعيات. لا بل ان هذا التعاطف استمر طول الخمسينيات حيث كان اللبنانيون يرافقون المتسللين الفلسطينيين الى ديارهم المحتلة لتفقد منازلهم وأرزاقهم.
إلا ان الأهم في منعطف سنة 1948 كان في افتتاح عصر جديد سمته الرئيسية الحرب الباردة بين الجبارين (موسكو وواشنطن) والتي كانت حربا ساخنة في العالم الثالث (من كوريا وفيتنام الى افريقيا والشرق الأوسط). والسمة الثانية المميزة لذلك العصر كانت سمة الانقلابات العسكرية التي كانت البلاد العربية ساحتها الرئيسية وخصوصا سوريا (منذ العام 1949). والسمة الثالثة النابعة من السمتين الأولى والثانية تمثلت في الانقسام العربي الذي تعاظم بعد انقلابات سوريا والعراق ومصر (1952). وهكذا وجد لبنان نفسه بين معسكرات دولية واقليمية تتنازع السيطرة على الشرق الأوسط، وعلى حدوده عدو صهيوني يملك قوة هائلة ويستفيد من التمزق العربي والصراعات بين الأشقاء. فمنذ الفتح الإسلامي لبلاد الشام لعبت العصبيات العشائرية والتضامن الطائفي دور التيارات النابذة (forces centrifuges) وأدت الصراعات بين الداخل العربي ـ الإسلامي والخارج الغربي ـ المسيحي الى قيام حواجز نفسية منعت التحام سكان الجبل (الموارنة) بالسواحل والسهول الداخلية (المسلمين والمسيحيين الشرقيين)، بالرغم من الوحدة الثقافية ـ اللغوية ـ العرقية التي تجمعهم في البوتقة الحضارية العربية... كما ان استقرار قواعد توزيع السكان والطوائف في القرن الثالث عشر والرابع عشر (حملات المماليك على جبيل وكسروان والشمال)، بعد التحولات الأموية فالعباسية، كان قد أرسى تفكك المناطق اللبنانية وانعدام الوحدة السياسية والوطنية برغم سيادة اللغة العربية وعلاقات القرابة العربية. وفي تاريخ لبنان انطلقت الفكرة اللبنانية (والتيار القومي اللبناني) من الوجود الماروني المستقل (والرافض لصيغة الحكم الإسلامي)، والكنيسة كانت هي العمود الفقري لتلك الفكرة والجسم الذي تجسدت فيه قبل قيام دولة تكرسها. وهذه الحزبية ـ العسكرية كانت هي الاساس الايديولوجي والتنظيمي لليمين المسيحي في المرحلة اللاحقة. أما التيار الإسلامي العام فقد كان عثمانيا يرفض انهيار الدولة او تمزيقها وتقسيمها، وتجسد في الزعامات السنية في المدن وفي زعامات العشائر والطوائف الملتحقة بالسلطة المركزية والمستفيدة منها (الدروز خصوصاً). وهذه الحزبية ـ العسكرية المرتبطة بالدولة كانت الاساس الايديولوجي للتيارات الإسلامية والقومية اللاحقة. وقد نما التيار القومي السوري ـ العربي وتطوّر على قاعدة حقوق الأقليات وخوفها من تيار اللبنة الماروني والعثمنة الإسلامي (وذلك قبل سقوط الدولة العثمانية). وبعد الحرب العالمية الاولى افترقت هذه التيارات بفعل عوامل داخلية وخارجية: المسلمون دعوا الى وطن سوري مستقل كمقدمة لبعث الوجود العربي (وآية ذلك حكومة فيصل في دمشق ثم المؤتمرات السورية ـ العربية المتكررة). فيما أيد الموارنة وغالبية المسيحيين إقامة كيان وطني لبناني مستقل يضمن حقوقهم ويحمي وجودهم في المنطقة. وسارت النخب الاوروثوذكسية والكاثوليكية نحو قومية سورية ـ عربية أكثر تحديداً. ولم يكن للأقليات الإسلامية الشيعية والعلوية أي حضور سياسي او حزبي.
والحال ان الصراعات الحزبية ـ الطائفية على معنى لبنان ودوره استمرت وتصاعدت بعد الاستقلال على وتيرة الصراعات الخارجية. فكان لبنان معلبا وساحة بكل معنى الكلمة. فكيف بعد نكبة فلسطين وبداية مسلسل الانقلابات العربية فالمحاور الدولية والاقليمية، كان الصراع العربي ـ العربي (محاوره كانت مصر والسعودية والعراق الهاشمي، وكان الصراع فيه أساساً على سوريا) محمولاً على الحرب الباردة في الخمسينيات (بعد انتصار الثورة الصينية اندلاع الأزمة الكورية) وادى الى أزمة 1958 التي انتهت بتسوية أساسها اتفاق اميركي ـ مصري ورمزها لقاء الخيمة الشهير بين الرئيسين عبد الناصر وفؤاد شهاب.
أما النموذج الشهابي الذي يكثر الحديث عنه والتغني به فهو استند الى وضع دولي اقليمي ملائم سمح ببناء نواة دولة حديثة وقوى عسكرية امنية موحدة. الا انه انهار تحت وطأة الصراعات الدولية والاقليمية منذ وصول البعث الى السلطة في العراق وسوريا (1963) وحتى المؤسسة العسكرية الأمنية الموحدة تحت الشهابية لم تسلم من هذا الانهيار: محاولة الانقلاب الفاشلة في 31 كانون الأول 1961.
ثم كانت مرحلة الرئيس شارل حلو التي انهارت أيضا تحت وطأة العامل السوري والفلسطيني بعد نكسة حزيران 1967. وعلامات الانهيار بانت منذ العام 1964 الخلافات البعثية السورية مع عبد الناصر، مشروع تحويل مياه نهر الأردن، إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وجيشها المرابط في سوريا).
أصاب التأثير المباشر والأكثر اهمية لكل هذه التطورات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. فبعد سنوات قليلة من شهر العسل تفجرت الأورام على وقع دور فلسطيني (قومي سوري) في اغتيال الرئيس رياض الصلح (16 تموز 1951)، ثم الملك الاردني عبد الله الأول (20 تموز 1951). وترافق ذلك مع بداية انتشار لحركة القوميين العرب في مخيمات لبنان (على يد جورج حبش ووديع حداد) ثم لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومن بعدهما للكثير من المنظمات والحركات الثورية والقومية، بحيث صارت المخيمات مركزاً للنشاطات الراديكالية على أنواعها. وهكذا فإن السلطات اللبنانية صارت تخشى من النتائج السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمكن ان تعكسها قضية اللاجئين الفلسطينيين، خاصة بعد اتضاح حجم الكارثة التي سببها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ولسكانها، والدعم السياسي الذي كانت تتلقاه الدولة الصهيونية من الغرب. وفي تلك الآونة بدأت مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تظهر من خلال المنظمات الدولية، وهذا ما اقلق اللبنانيين على مستقبل المعادلة الطائفية في البلد، ودفع الدولة اللبنانية الى التعاطي الأمني مع قضية اللاجئين، حيث باتت الأجهزة الأمنية هي المكلفة بمتابعة قضية اللاجئين واصبحت هذه الأجهزة تفرض الرقابة على المخيمات وتعنى برصد الأنشطة السياسية.

المقاومة الفلسطينية وأثرها في لبنان
كانت نكسة حزيران 1967 نقطة تحول تاريخية في الوضع العربي واللبناني.. ولعلها فاقت في خطورة تداعياتها نكبة 1948. وبدءاً من صيف 1967 (الانطلاقة الثانية لحركة فتح في آب 67 بعد الانطلاقة الأولى في 1/1/1965) تطورت في جنوب لبنان حالة من المقاومة والصمود والتحدي ارتكزت الى عناصر متعددة:
أ ـ الاعتداءات الإسرائيلية التي تصاعدت مع تصاعد حالات التسلل الفدائي الى الأرض المحتلة عبر جنوب لبنان.
ب ـ صمود الأهالي الاسطوري وصبرهم وتحملهم جميع اشكال العدوان، وتلاحمهم الذي قل نظيره في احتضان الفدائيين الأوائل رغم الكلفة العالية التي دفعوها في الأرواح والممتلكات.
ج ـ الدعم المصري والسوري لانتشار وتمدد الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان وذلك لاهداف وغايات متفرقة ليس اقلها التعويض عن نكسة حزيران معنويا (خصوصا بعد مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث وبعد المصالحة المصرية ـ السعودية التي انهت حرب اليمن).
د ـ المغامرة والمقامرة في معارك ايلول الاردن سنة 1970 التي أدت الى طرد المقاومة الفلسطينية نهائيا من الاردن واتجاه قواتها صوب جنوب لبنان.
هـ ـ أزمة اليسار العربي واللبناني بعد نكسة حزيران، وانطلاق اليسار الجديد على قاعدة الارتباط بمشروع الثورة الفلسطينية “رأس الحربة للثورة العربية الشاملة” (على حد تعبير أحد كراسات حركة فتح)، وبأن “فلسطين هي طريق الوحدة”، وليس كما كان القوميون العرب يقولون: الوحدة طريق التحرير (شعار وحدة تحرر ثأر عند حركة القوميين العرب، وشعار وحدة حرية اشتراكية عند أحزاب البعث)، هذا علاوة على شعار فتح الرئيسي في “التوريط” (أي توريط الأنظمة العربية في مواجهة عسكرية مع إسرائيل تفتح باب المقاومة والتحرير). وقد شهدت اعوام 1967ـ 1970 اضطرابات عاصفة في الاحزاب الكبرى (الشيوعي ـ القوميون العرب ـ البعث ـ وحتى القومي السوري) طرح فيها شعار الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، كبديل من جميع البرامج السياسية السابقة.
و ـ ازمة النظام اللبناني التي تفاقمت بعد حرب حزيران وانهيار التجربة الشهابية الاصلاحية: من ازمة بنك انترا الى تفاقم الفقر والتهميش الاجتماعي الى صعود الحلف الثلاثي الماروني (1968). عبّر ذلك كله عن ازمة التوازن بين الطوائف بعد انكشاف الوضع العربي الذي كان حاميا لأهل السنة، وبروز انياب التطرف المسيحي على قاعدة الاستفادة من نتائج حزيران 1967. وبموازاة ذلك كله تطور شعار دعم العمل الفدائي وحرية تحركه من لبنان، والارتباط بالثورة الفلسطينية خصوصا في الشارع السني في المدن الكبرى، وذلك كرافعة للمطالب الإسلامية ـ اليسارية المزمنة بالعدالة والمساواة والتي اختصرها مطلب المشاركة او تصحيح الخلل في الحكم في لبنان.. وهكذا حل الفدائي “أبو الكوفية” (ورمزه أبو عمار) محل الفتى الاسمر عبد الناصر. وحل شعار عبد الناصر “ان الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى وستبقى”، محل صرخته التاريخية: “ارفع رأسك يا أخي العربي فقد ولى عهد الاستعمار”. وأبرز مظاهر هذا التحول شهدته القوى الناصرية التي تحولت الى عشرات من تنظيمات الأحياء والشوارع في بيروت (ابراهيم قليلات والمرابطون) وطرابلس (علي عكاوي وحركة الغضب، فاروق المقدم وحركة 24 تشرين) وصيدا (معروف سعد والتنظيم الشعبي الناصري)، وولادة الحركة اللبنانية المساندة لفتح بقيادة عائلات بيروتية مهمة (حوري، شاتيلا، عيتاني، بلعة، فاخوري، الآغا.. الخ)، ولجان أنصار الثورة الفلسطينية في مدارس المقاصد والمدارس الرسمية وحتى في الجامعات الكبرى كالأميركية والعربية. وجاء العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت (28 كانون الأول 1968) وتدمير الأسطول الجوي المدني للبنان، ليطلق حركة طالبية وشبابية شملت لبنان بأسره وتمحورت حول ضرورة التسلح والاستعداد والمقاومة وتحصين الجنوب. وهذا الأمر كان له مقابله مع تطور الشعور الشيعي بالحاجة الى كيان مستقل يعبر عن الشيعة ويكون له دور في البلاد (بدايات المجلس الشيعي على يدي موسى الصدر).
في هذه الأجواء تشكلت اولى المجموعات اللبنانية المقاومة، كرديف ونصير للمقاومة الفلسطينية، او كحرس شعبي في القرى الجنوبية. وقد اتخذت مواقع لها في الجنوب تحت رعاية حركة فتح وخصوصا في راشيا والعرقوب وما صار يعرف باسم “فتح لاند”، ثم في منطقة بنت جبيل. وقد ارتكز هذا التطور على جملة عوامل أبرزها تلك الحالة الجماهيرية التي اطلقتها معركة الكرامة (21 آذار 1968)، ثم جنازة خليل عز الدين الجمل (27 نيسان 1968) أول شهيد لبناني في صفوف حركة فتح. وتلى ذلك تدفق آلاف الشباب اللبناني الى قواعد ومعسكرات الثورة في لبنان والأردن وسوريا.
جاء التحول اليساري في حركة القوميين العرب ليفتح صفحة جديدة في تاريخ اليسار العربي قاطبة، إذ افرز “الجبهة الشعبية” و«الجبهة الديموقراطية” ورديفيهما “حزب العمل العربي الاشتراكي” و«منظمة الاشتراكيين اللبنانيين” (منظمة العمل الشيوعي لاحقاً)، الامر الذي ساعد على ارتباط قوى لبنانية واسعة ومن كل المناطق والطوائف بمشروع الثورة الفلسطينية من جهة، وبشعار المقاومة وحرب الشعب من جهة اخرى. وأدت نكسة أيلول الأسود في الأردن الى انتقال ثقل هذه المنظمات ومن يدور في فلكها من تيارات غيفارية وتروتسكية وماوية وفوضوية الى لبنان، والى تشكيل تجارب وبؤر ثورية “اختبارية” عديدة، كان نصيب جنوب لبنان منها الأكبر والأفدح ثمناً. وقد شكلت انطلاقة اليسار الجديد المرتبط بمشروع الثورة الفلسطينية وشعاراتها وحركاتها المسلحة تحديا للقوى اليسارية والقومية التقليدية. فبعد انشقاقات يسار البعث وحزب العمال العربي الثوري (تيار ياسين الحافظ)، ثم ازمة تيار صلاح جديد ـ يوسف زعيّن في حزب البعث الحاكم في سوريا، فالتحول في حركة القوميين العرب، اندلعت الأزمة في الأحزاب الشيوعية العربية الموالية لموسكو وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني، واستمرت حتى انعقاد المؤتمر العام الثاني 1968 على خلفية تصاعد دور الثورة الفلسطينية في أوضاع هذه الأحزاب. وأدى ذلك الى قرار الأحزاب الشيوعية العربية تشكيل قوات الانصار، وهي تجربة تم إجهاضها سريعا لتبقى تجربة الحرس الشعبي التي أطلقها تيار الشهيد حاوي، وهي أجهضت في مرحلة تالية بعد استشهاد المناضل علي ايوب (الشهيد اللبناني الوحيد لهذه التجربة)، الامر الذي دفع كوادر عديدة في الحزب الشيوعي وفي يسار البعث وحزب العمال العربي الثوري (ياسين الحافظ تحديداً) والحزب التقدمي الاشتراكي، بدعم من “يسار” حركة فتح، الى تشكيل “الجبهة التقدمية اللبنانية لمكافحة الصهيونية”، والتي دعت الى اطلاق مقاومة لبنانية حملت اسم طانيوس شاهين وتموضعت في قواعد حركة فتح في الجنوب، وبانفراط عقد هذه التجربة نشأت من أحشائها الحركة الاشتراكية الثورية مرشد شبو والشهيدين علي شعيب وابراهيم حطيط) التي ارتبطت بحركة فتح، كما عاد البعض الى أحزابه الأم او أسسوا حركات جديدة، فيما انضم «الناجون»من تلك التجربة الى حركة فتح..
جاء خروج قيادات وكوادر الحزب السوري القومي من السجن سنة (1969) بعد محاولتهم الانقلابية الفاشلة آخر عام 1961، ثم مؤتمر ملكارت التاريخي (1969) الذي كرّس التحول الثوري اليساري في الحزب (وطريق دخوله الى جبهة الاحزاب التقدمية بقيادة كمال جنبلاط)، ما اضاف قوة نظامية متمرسة الى القوى المرتبطة الثورة الفلسطينية وبالكفاح المسلح، ولم يقتصر الأمر على تلك المجموعات المسيحية من الحزب السوري القومي التي عملت مع أيلول الأسود (وعلى رأسها الشهيد فؤاد الشمالي)، وانما يبدو ان الارتباط بالثورة الفلسطينية وبحركة فتح بدأ داخل السجن وهو استمر خصوصا مع تيار انعام رعد وعبد الله سعادة، وهو ارتباط دفع هذا التيار ثمنه غاليا فيما بعد، ولا سيما مع الاغتيال المشبوه للقوميين البارزين كمال خير بك وبشير عبيد في بيروت مطلع الحرب الأهلية، وهما كانا صلة وصل مع أيلول الأسود في أوروبا ولبنان.
وهكذا شهدت سنوات 1970ـ1975 تمدداً وانتشاراً فلسطينياً في جنوب لبنان، تردفه عناصر لبنانية يسارية او فتحاوية وجدت في الثورة الفلسطينية ولأسباب مختلفة، الحلم والأمل في التغيير، الى جانب الاسباب اللبنانية الإسلامية المتعلقة بانهيار التوازن الذي قام عليه الكيان اللبناني، وكان شعار حرية العمل الفدائي ودعم الثورة الفلسطينية واعتبار الجنوب بوابة التحرير عناوين لتلك المرحلة، ولم يكن غريبا ان تروج في تلك الفترة مقولة المطالب الإسلامية ـ الوطنية (محسن ابراهيم ومنير شفيق)، والطبقة ـ الطائفة (جورج حاوي)، او المارونية السياسية (منح الصلح)، وكان ذلك التمدد والانتشار محمولاً على استراتيجية مصرية في دعم حركة فتح والمنظمات السنية الناصرية ومعظمها كان مرتبطا بالمكتب الثاني اللبناني (الاستخبارات العسكرية)، وفي مشاغلة وإرباك العدو واضعافه عبر لبنان، وعلى استراتيجية سورية أيضاً ومحمولا أيضاً على ازمة داخلية تتعلق بالمطالب الإسلامية في المشاركة، فكان دعم الفدائيين رافعة تصحيح الخلل. الا انه سمح بدخول عناصر لم تستطع القيادة السنية التقليدية (صائب سلام ورشيد كرامي وتقي الدين الصلح) ولا القيادة الجنبلاطية ضبطها فكان ان دفعت أيضا ثمنها غالياً في ما بعد. وبعد عام 1973 صار هذا التمدد أيضا محمولا على هجوم سوفياتي كاسح في الشرق الأوسط (وقد حمل هذا التوجه الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي وروابطهم مع عدن الموسكوبية بعد اغتيال سالم ربيع علي، وأوساط قيادية مرموقة في الحزب الاشتراكي ومعهم يسار فتح بقيادة أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة)، الأمر الذي جعله يصطدم وبقوة بمحاولات التسوية الداخلية اللبنانية وبمرتكزات السيادة اللبنانية، فضلا عن اصطدامه بمصالح أهل الجنوب، وهذا ما جسدته حركة المحرومين في تلك المرحلة. ومخطئ وواهم من لا يعيد قراءة تلك التجربة ومن لا يعترف بالدور السوفياتي وبالأدوار العربية المختلفة (السورية أولاً والعراقية والليبية ثانيا والجزائرية ثالثا وصولا الى العدنية الموسكوبية ورئيسها عبد الفتاح اسماعيل) في ابقاء الصراع مفتوحا على جبهة الجنوب، وفي تأثير ذلك على مجريات الوضع، وعلى العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية.
صارت المقاومة الفلسطينية بالنسبة للكثير من اللبنانيين جزءاً لا يتجزأ مما كان يسمى حركة التحرر الوطني العربية ومن اليسار الدولي والاقليمي ومن استراتيجيات مصرية وسورية وسوفياتية وفلسطينية (ولاحقا ليبية وعراقية وغيرها) وجدت في بقاء جبهة الجنوب مفتوحة وفي استمرار الحرب الأهلية اللبنانية خير جسر للعبور الى ما تريد او لايصال الرسائل او لخدمة مصالحها. وتجسد هذا كله في ما عرف باسم القوات المشتركة اللبنانية ـ الفلسطينية التي انتشرت في جنوب لبنان تحت إمرة قيادة الثورة الفلسطينية والتي رأت في وجودها في الجنوب استمراراً لحربها الأهلية الداخلية ضد “الانعزاليين عملاء العدو”، او “يهود الداخل”. وفي حين انه لم يكن هناك مشروع عربي للمواجهة خصوصا بعد حرب تشرين 1973 ثم اتفاقيات فك الاشتباك الأولى في سيناء 1975 ونشوء جبهة الصمود والتصدي وصولا الى اتفاقية كامب ديفيد المصرية ـ الإسرائيلية 1977ـ1979، فإنه لم يكن هناك أيضا هوية لبنانية وطنية جامعة ومستقلة تحمل عنوان المقاومة، بل يمكن القول ان القوات المشتركة في الجنوب كانت جزءاً من الانقسام الدولي من جهة (يمين ـ يسار) وللانقسام الطائفي اللبناني من جهة اخرى (مسلمين ـ مسيحيين) وللانقسامات العربية من جهة ثالثة (اعتدال في مقابل الصمود والتصدي).
ما حدث بعد ذلك يرتبط بالحرب الأهلية وعوامل استمرارها أكثر من ارتباطه بمشروع وطني لبناني لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، او بمشروع عربي تحرري ضد العدو الصهيوني، فقد دفعت الحرب الأهلية وتطوراتها (خاصة عمليات التطهير الديني ـ العنصري في النبعة وتل الزعتر والمسلخ وضواحي بيروت الشرقية والشمالية من حارة الغوارنة الى بياقوت والزلقا والجديدة والسبتية) بآلاف العائلات الشيعية للعودة الى قراها في الجنوب والبقاع (والى منطقة الضاحية الجنوبية السريعة التوسع والامتداد) حاملة معها أولادها الحزبيين الغاضبين الذين أضافوا الى القوات المشتركة أعداداً هائلة من المقاتلين، الأمر الذي سمح بتوسع السيطرة الفلسطينية على الجنوب حتى العام 1082. وترافق ذلك مع حرب الثكنات ونشوء “جيش لبنان العربي” بقيادة أحمد الخطيب (كانون الثاني 1976) الذي سرّع في سقوط ثكنات الجنوب في التحاق الضباط والجنود بقراهم وعائلاتهم، وبنشوء جيوش رديفة في الجنوب منها جيش انطوان بركات وجيش سعد حداد وصولا الى جيش انطوان لحد، ومعظمها حمل لواء “المقاومة” اللبنانية ضد الفلسطينيين، كما حظي بغطاء الشرعية الممثلة بقيادة الجيش وبالدولة اللبنانية (استمرت هذه القوات في قبض رواتبها من الدولة حتى وقت متأخر جداً).
هذا الجو العام عزز الانقسام اللبناني الذي كان موجوداً منذ نشأة الكيان اللبناني والذي تمحور حول هوية لبنان ودوره وموقعه بين العرب.

سعود المولى أستاذ جامعي لبناني