يعاني اللاجئون الفلسطينيون نسياناً وتجاهلاً مستمرين في معظم أنحاء الشرق الأوسط، ما عدا لبنان. فخلافاً للدول المضيفة الأخرى، يبقى ملف اللاجئين في صلب السياسة والسجالات اللبنانية ومصدراً لأعمال عنف متكررة. كان الوجود الفلسطيني دافعاً في اندلاع الحرب الأهلية بين 1975 و1990، والاجتياح الاسرائيلي في عام 1982 والجهود السورية الرامية إلى إخضاع منظمة التحرير الفلسطينية. ومنذ ذلك الحين، لم يُصر إلى معالجة جدية لهذه المشكلة فأُبقي اللاجئون مهمشين ومحرومين من أبسط حقوقهم السياسية والاقتصادية، محاصرين في المخيمات في غياب أي آفاق لمستقبل أفضل، مسلحين، وعلى التماس مع مختلف الصراعات اللبنانية ـ اللبنانية والفلسطينية ـ الفلسطينية والعربية ـ العربية. وعليه، تضافرت كل هذه العوامل لتجعل من المخيمات قنبلة موقوتة. وبانتظار حل النزاع العربي ـ الاسرائيلي، أصبحت الحاجة ملحة لمقاربة شاملة للوجود الفلسطيني من أجل توضيح وضعهم القانوني فيُستثنى توطينهم في لبنان بشكل رسمي، ويُصار إلى تحسين جدي لظروف عيشهم، وتفعيل التنسيق بين اللبنانيين والفلسطينيين وبين الفلسطينيين أنفسهم من أجل إدارة أفضل للمخيمات.
اتسم تاريخ الفلسطينيين في لبنان باضطراب دائم، إلى حد المأسوية في بعض الأحيان. وتتحمل جميع الأطراف مسؤولية هذا الوضع. فالوجود الفلسطيني الذي كان مسالماً في بادئ الأمر سرعان ما تحول إلى وجود عسكري مع تبني منظمة التحرير الفلسطينية مبدأ الكفاح المسلح ضد إسرائيل في أواخر الستينات من القرن الماضي ثم انتقال قيادتها من الأردن إلى لبنان في عام 1970. وشارك الفلسطينيون بشكل مباشر في الحرب الأهلية التي مزقت لبنان لقرابة عقدين.
أما الاجتياح الاسرائيلي بهدف القضاء على منظمة التحرير، فتسبب بتدمير هائل وبمجزرة صبرا وشاتيلا البشعة التي ارتكبتها ميليشيا لبنانية تحت مرأى الجيش الاسرائيلي. كما شنت سوريا حملات عسكرية ضد ياسر عرفات ومناصريه من أجل فرض هيمنتها على لبنان وسيطرتها على الحركة الوطنية الفلسطينية. بدورها تميزت الدولة اللبنانية بأداء مخز ضد اللاجئين.
واليوم، ترتبط مسألة اللاجئين بالتقسيمات الطائفية في لبنان ارتباطاً وثيقاً حيث تنتمي أغلبية الفلسطينيين العظمى إلى المذهب السني. ومع تضاءل احتمال أي عودة حقيقية للاجئين ـ معظمهم لم يطأ وطنهم السابق ـ إلى إسرائيل، عادت لتبرز المخاوف من إمكانية بقائهم الدائم أو توطينهم في لبنان لما سيكون لذلك من تأثير على التوازن الطائفي. لعبت القيادات المسيحية في لبنان على هذه الخشية فأصبح الوجود الفلسطيني وسيلة لتعبئة قواعدها الشعبية. واتخذت الحكومات المتعاقبة تدابيراً بهدف التصدي للتوطين من خلال الإبقاء على الوضع المزري والهش للاجئين. وعليه، حُرم سكان المخيمات من أبسط الخدمات العامة، وفُرضت على الفلسطينيين قيود في مجال العمل، كما حُرموا مؤخراً من حق التملك.
تنطوي الجهود الرامية إلى إبعاد خطر اللاجئين ومنعهم من الاندماج الاجتماعي أو الاقتصادي على مضامين خطيرة. ولأن هذا الوجود اعتبر موقتا ومبررا باستمرار الصراع مع إسرائيل، أعطي الفلسطينيون درجة كبيرة من الاستقلال السياسي إذ بقي مفهوم الكفاح المسلح مقدسا ويستعمل كتبرير لوجود عدد من الجماعات المسلحة. إلا أن حق مقاومة الفلسطينية في لبنان فقد مبرراته تدريجياً في أعقاب الحرب الأهلية: يستطيع الفلسطينيون حمل السلاح ولكن ضمن المخيمات فقط إضافة إلى بعض القواعد العسكرية. وعليه، أصبحت المخيمات مناطق تفلت أمني لا تدخلها السلطات اللبنانية، ولم تعد الأسلحة موجهة ضد إسرائيل ـ المبرر الأصلي لوجودها ـ بل تحولت إلى الداخل. وكانت النتيجة الخطيرة: مخيمات تؤوي سكاناً مهمشين وفقراء، قدر كبير من الأسلحة، وقيادة لم تعد قادرة على مقاتلة إسرائيل، تائهة ودون رؤى واضحة.
إلا أن الوضع ازداد تعقيداً إذ أصبحت المخيمات الفلسطينية أداة جديدة في التجاذبات والنزاعات الاقليمية، فشكل تغيير الوضع القائم في المخيمات بالنسبة للغرب وحلفائه اللبنانيين في السلطة أحد الوسائل لتعزيز سيادة لبنان وتفعيل قضية نزع سلاح «كل» الجماعات بما فيها حزب الله. كما يتجلى النزاع الفلسطيني الداخلي بين حركتي فتح وحماس في المخيمات. أما سوريا، فتمسك بورقة الفصائل المسلحة خارج المخيمات تستخدمها في محادثات مرتقبة مع اسرائيل أو للضغط على خصومها في السياسة الداخلية اللبنانية. وأخيراً، يوحي انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة داخل المخيمات بأن هذه الأخيرة تتحول إلى أرض خصبة للتجنيد بالنسبة للحركات الجهادية العالمية.
وعلى الرغم من خطورة التحدي، لم ترتق إدارة جميع المعنيين للأزمة إلى المستوى المطلوب. وبسبب تشرذم الحركة الوطنية الفلسطينية وفقدانها مصداقيتها، لم يفتقر اللاجئون إلى قيادة شرعية ومعترف بها قادرة فعلياً على مساعدتهم أو تقديم رؤية للمستقبل بقدر ما هي الحال اليوم. وحتى وقت قريب، ركزت الدولة اللبنانية كل جهودها على الجانب الأمني وعلى احتواء الاضطراب الناتج عن الوجود الفلسطيني وسياساتها الخاطئة. كما أن المجتمع الدولي لم يقدم العون في هذا الخصوص، إذ أدى تركيزه شبه الكامل على مسألة نزع السلاح إلى انقسام الأطراف المعنية دون المساعدة بأي شكل على حلها. وفي الوقت نفسه، خفّض دعمه لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، وهي الهيئة المسؤولة عن تقديم الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية للاجئين إضافة إلى مساعدات اجتماعية وإغاثية أخرى.
لم يُؤت قصر النظر هذا بنتائج إيجابية لا على لبنان ولا على عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية. فكما يعرف المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون جيداً، يشكل اللاجئون في لبنان إحدى أكثر المشكلات قلقا: فلا اللبنانيون يريدون اندماجهم في بلدهم، ولا إسرائيل ستسمح بعودتهم، وهم مسلحون ومهمشون اجتماعياً ومجردون من حقوقهم الاقتصادية، ما يسهل تعبئتهم من قبل المعادين لأي تسوية سلمية.

التوصيات
إلى البرلمان والحكومة اللبنانية
1ـ اعتماد قانون يحدد بشكل واضح مفهوم التوطين بحيث:
ـ يقتصر التوطين على اكتساب الجنسية اللبنانية و/أو حق الانتخاب.
ـ يُمنح اللاجئون الفلسطينيون جميع الحقوق باستثناء التوطين، بما في ذلك حقي العمل والتملك.
2ـ (... .....)

إلى الحكومة اللبنانية
3ـ إعادة تفعيل لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني من خلال:
ـ زيادة مواردها المالية والبشرية.
ـ تكليفها إعداد تقارير ضمن مهلة محددة حول تحسين أوضاع اللاجئين المعيشية وتنظيم الأسلحة داخل المخيمات، والتعامل مع الأسلحة خارج المخيمات.
4ـ ضمان حسن سلوك القوى الأمنية في تعاملها مع المخيمات من خلال تحديد واضح وعلني للقواعد السلوكية الواجب اتباعها ومعاقبة جدية لأي إخلال بهذه القواعد، إضافة إلى تخفيف القيود المفروضة على دخول مخيم نهر البارد من قبل الأطفال والمسنين وأقارب سكان المخيم.
5ـ إشراك الفصائل الفلسطينية ولاجئي نهر البارد في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل المخيم من خلال عقد اجتماعات دورية مع سكان المخيم السابقين واستشارة المنظمات التي كانت تدير المخيم قبل تدميره.

إلى الفصائل الفلسطينية
6ـ تأسيس قيادة سياسية موحدة، وفقا للاتفاق السابق، تتولى التنسيق بين الفصائل في المخميات.
7ـ إصلاح منظمة الكفاح المسلح المسؤولة حاليا عن حفظ الأمن والنظام داخل المخيمات من خلال:
توسيع تمثيلها لتشمل جميع الفصائل واتباعها مبدأ التوافق في اتخاذ القرارات بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس مثلا.
8ـ الاتفاق على اعتماد الكفاح المسلح المنظمة الفلسطينية الوحيدة المسؤولة عن أمن المخيمات وتفكيك أي تركيبة أمنية أخرى.
9ـ التنسيق مع قوى الأمن اللبنانية خاصة في الحالات التي تعجز المنظمة الفلسطينية عن معالجتها.
10ـ تحسين الوضع الأمني داخل المخيمات عبر حظر المظاهر المسلحة مثلا ومنع ومعاقبة كل أعمال العنف.
11ـ تفعيل اللجان الشعبية (وهي منظمات شبه رسمية تقوم بوظائف بلدية) في المخيمات عبر الدمج الفوري للجان في حال تعددها، وزيادة مساهمات الفصائل المالية، وتفعيل قدرات أعضائها بتأمين تدريبات فنية وتقنية، بالتنسيق مع المنظمات غير الحكومية.
12ـ تشكل لجنة مشتركة من الخبراء الفنيين تكون النظير الفلسطيني للجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني، وتنسق معها.
إلى الأونروا
13ـ عقد اجتماعات دورية مع سكان المخيمات لإطلاعهم على المشاريع القائمة والجديدة وعلى التغييرات الناتجة عن عملية الإصلاح داخل الاونروا.
14ـ تأسيس هيئة رقابة مالية مستقلة تشرف على صرف أموال الوكالة وتوضح هذا الاستخدام أمام اللاجئين والمانحين والمجتمع الدولي.
15ـ إصلاح النظام التعليمي داخل مدارس الوكالة عبر تحسين البرامج والتدريب الخاصة بالأساتذة والتعاون مع المنظمات غير الحكومية المهتمة بالشأن التعليمي.
إلى المانحين الدوليين والعرب:
16ـ زيادة مساهماتهم إلى الأونروا بشكل كبير.
17ـ التشاور الوثيق مع الأونروا والمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية من أجل ضمان توجيه الأموال إلى الاحتياجات ذات الأولوية.

إلى الحكومات العربية
18ـ مساعدة لبنان في التعامل مع لاجئيه من خلال منح الأموال التي تعهدت بها لإعادة إعمار نهر البارد، ودفع الفصائل الفلسطينية للموافقة على الإصلاحات الواردة أعلاه.

أنظر: تقرير المجموعة رقم 84 (19/2/2009) بعنوان «أرض خصبة لزعزعة الاستقرار.