| 

لعبت عوامل عدة لبنانية وفلسطينية وإقليمية أدوارا “مباشرة في ما حل بالفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ أن هجروا إليه مع احتلال فلسطين عام 1948. ومن المعلوم أن الكثير من الدراسات تناولت الواقع الفلسطيني في لبنان وفي سواه من الدول العربية وفي العالم منذ عقود إلى اليوم. وتحدثت تلك الدراسات عن الأوضاع القانونية والاجتماعية والسياسية وغيرها التي عاشها الشعب الفلسطيني في الشتات أو حتى في فلسطين المحتلة نفسها. لكن فكرة التمايز والاندماج مع المحيط اللبناني لم تحظ بالاهتمام المناسب الذي حظيت به الدراسات الأخرى حول الشعب الفلسطيني أو حول العلاقات اللبنانية الفلسطينية. خاصة وأن البحث حول هذه القضية تتداخل فيه الجوانب السياسية مع الجوانب النفسية والاجتماعية وسواها...
يهمني في هذا المجال أن أشير إلى عوامل يمكن أن تساهم في تفسير التمايز عن اللبنانيين أو الاندماج معهم.
1 ـ إن بداية مرحلة عدم الاندماج الأولى من الجانب اللبناني تجاه الفلسطينيين المهجرين كانت عقب النكبة مباشرة عام 1948. ولم تكن “المخاوف” أو المخاطر الفلسطينية على استقرار لبنان طوائفيا أو ديموغرافيا أو سياسيا أو أمنيا قد تبلورت بعد. فقد كان الاعتقاد بأن الوجود الفلسطيني في لبنان هو وجود مؤقت سواء بالنسبة إلى اللبنانيين أو بالنسبة إلى الفلسطينيين أنفسهم. ولذا لم ينظر اللبنانيون إلى الوجود الفلسطيني بأي حساسية معينة. كما بدأت المنظمات الدولية الاهتمام المباشر على مستوى الخدمات للاجئين بحيث اعتبرت السلطة اللبنانية أن مهمة خدمة اللاجئين هي خدمة دولية ولا يقع على عاتقها أي مسؤولية بهذا الصدد.
2 ـ بالإضافة إلى سياسات التهميش الرسمية وسياسات الإقصاء والتضييق، ساهمت حركة النزوح والهجرة المتواصلة للفلسطينيين في داخل لبنان نفسه أو خارجه في صعوبة التدامج مع محيطهم اللبناني. ومن المعلومات أن المتغيرات السياسية والأمنية لعبت دورا مهما ومباشرا في تلك الهجرات وما نجم عنها من صعوبات. فقد أتى الفلسطينيون من الأردن إلى لبنان بعد معارك أيلول 1970 وهم يحملون عقدة الاضطهاد والمخاوف من تصفية قضيتهم ووجودهم جسديا وسياسيا. كما توجس قسم كبير من اللبنانيين مما حصل في الأردن على قاعدة المخاوف من تكرار التجربة نفسها في العلاقة بين الثورة وبين السلطة. وقد أسست هذه التجربة لكثير من التحريض اللاحق ضد الفلسطينيين في أثناء الحرب الأهلية التي كان الطرف الفلسطيني شريكا فيها إلى جانب حلفائه اللبنانيين.
3 ـ ساهمت معركة الكرامة عام 1968 في تعزيز الشعور الفلسطيني بالثقة وبالقدرة على تحدي الواقع الظالم. وكان من نتيجة تلك المعركة البطولية أن اتجه الفلسطينيون أكثر فأكثر إلى الاعتماد المتزايد على قدراتهم الذاتية وعلى حماية أنفسهم سواء من مظالم القوى الأمنية اللبنانية أو من عمليات الاغتيال الإسرائيلية التي تعرضوا لها. وكان أن بدأت تتشكل لدى الفلسطينيين منذ تلك الفترة مشاعر التمايز والقدرة على الحماية الذاتية وعلى مواجهة التهديدات الإسرائيلية وغير الإسرائيلية، في حين بدأت تتشكل من الجهة المقابلة اللبنانية ـ إلى جانب التأييد والتعاطف ـ ظاهرة التركيز على مخاطر السلاح الفلسطيني في لبنان. والتركيز بهذا المعنى هو رفض للاندماج. وهو تركيز على التمايز وعلى انفصال الفلسطينيين عن “الشرعية اللبنانية”. ما يمكن أن نلفت إليه هنا أن القوى التي كانت ترفض بشكل أو بآخر دمج الفلسطينيين في الواقع اللبناني إنما كانت تفعل ذلك بطريقة غير مباشرة من خلال التركيز على تمرد الفلسطينيين على البعد القانوني، باعتبار الفلسطينيين تهديدا، حتى يبرر عزلهم عن المجتمع اللبناني وعدم السماح لهم بالانخراط في هذا المجتمع عبر العمل أو التملك أو الحقوق الإنسانية الأخرى.
4 ـ ساهمت الحرب الأهلية اللبنانية ربما أكثر من أي عامل آخر في توسيع شقة عدم الاندماج اللبناني الفلسطيني، بعد انخراط الفلسطينيين مباشرة في هذه الحرب، ومهما كانت المبررات التي دفعت إلى هذا الانخراط، (الفلسطينيون جيش المسلمين، الدفاع عن الثورة الفلسطينية، الدفاع عن عروبة لبنان...) فإنها سوغت لاحقا التحريض ضد الفلسطينيين عموما. والتحريض هنا لم يقتصر على الجوانب الإعلامية أو السياسية، بل تحول إلى قتل وتهجير. أي تنفيذ عدم الاندماج بالقوة وتحقيق التمايز بالحديد والنار. ولم يقتصر الأمر على الجانب اللبناني ـ أو على قسم كبير منه ـ بل كان هناك شعور مماثل عند الفلسطيني الذي شعر هو أيضا بالتمايز الناجم عن التحاقه بمعسكر من اللبنانيين ضد معسكر آخر ومن تعرضه للقتل والتهجير بسبب فلسطينيته التي كانت أحد المبررات الأساسية في إشعال هذه الحرب.
5 ـ بعد خروج منظمة التحرير من لبنان عام 1982 تعرض الفلسطينيون إلى أسوأ الظروف التي مروا بها في لبنان على المستويات النفسية والسياسية والقانونية والخدماتية. والتي ساهمت بدورها في تعزيز مشاعر الخوف والقلق التي تتعارض مع ضرورات الاندماج مع المحيط. فقد انقسم اللبنانيون في أثناء الاجتياح وحصار بيروت مجددا حول ما ينبغي القيام به تجاه الفلسطينيين المحاصرين. فمنهم من وقف إلى جانبهم ومنهم من طالب برحيلهم بأسرع ما يمكن. وعندما حصل الرحيل وخرجت منظمة التحرير من لبنان تعرض الفلسطينيون في مخيمي صبرا وشاتيلا إلى أبشع مجزرة في تاريخ وجودهم في لبنان. من دون أي رد فعل رسمي لبناني يوازي حجم المجزرة التي ارتكبت. ما عزز الشعور بالعزلة الناجمة عن الخوف من تكرار مجازر مماثلة خاصة وأن “الثورة” التي كانت تحمي من حيث المبدأ خرجت من لبنان وبات الفلسطيني في داخل المخيم وخارجه تحت رحمة المتغيرات السياسية والأمنية الجديدة في لبنان. فازداد هذا الأخير ابتعادا وانغلاقا في داخل المخيم. خاصة مع قسوة التدابير الأمنية والسياسية والقانونية التي لحقت به في تلك المرحلة.
6 ـ ساهمت استقلالية المخيمات الأمنية في توليد مشاعر التمايز عند الفلسطيني واللبناني على حد سواء، الأول لجهة حمايته الذاتية التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذه الطريقة بعد تجارب مريرة مع السلطات الأمنية اللبنانية، والثاني لجهة الاعتراض على هذه الاستقلالية التي تميز الفلسطيني عن اللبناني خاصة في ظل النزاعات الفردية بين أفراد لبنانيين وفلسطينيين أو في ظل متغيرات ومعارك سياسية أرادت أن تجعل الفلسطيني وسلاحه العدو الأول للبنانيين وللسيادة اللبنانية.
7 ـ كشفت المعارك ضد المخيمات الفلسطينية إلى أي مدى يمكن وبسهولة تأليب الرأي العام حتى المسلم (الشيعي والسني) من مخيمات بيروت إلى نهر البارد في الشمال ضد الوجود الفلسطيني وليس فقط ضد سلاح الفلسطينيين. ومن الطبيعي أن ينجم عن كل معركة من تلك المعارك بالإضافة إلى آثارها المختلفة البشرية والعمرانية والسياسية آثار غير مرئية كثيرا على المستويات النفسية والاجتماعية. ومن أبرز تلك الآثار الشعور بالنبذ المتبادل، إذ سيشعر الفلسطيني بأن المطلوب لبنانيا التخلص منه ومن مخيماته التي يسكن فيها على مضض، في حين سيشعر اللبناني أن الفلسطيني هو المسؤول عن الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية التي حلت به. ولا ننسى ما قام به الإعلام على هذا الصعيد خاصة مع المعارك في نهر البارد في مرحلة من أعقد المراحل السياسية في لبنان. ولذا يمكن أن نلفت إلى أن التفاعل مع الفلسطينيين والاندماج معهم وعدم تمايز اللبنانيين عنهم اختلف ليس بين مرحلة وأخرى فقط، بحسب الظروف السياسية، بل بين منطقة وأخرى أيضا. وفي هذه الحالة لا بد من الإشارة إلى جنوب لبنان حيث كانت هذه المنطقة مختبر التفاعل اللبناني الفلسطيني منذ النكبة. ثم أصبحت محور المشاركة اللبنانية الفلسطينية في المقاومة ضد الاحتلال. أي تجاوز الاندماج إلى احتضان اللاجئين في المرحلة الأولى ليصبح لاحقا “اندماجا” في الهدف المشترك والمواجهة مع العدو المشترك. فكانت المقاومة الفلسطينية هي أول من دفع بسكان الجنوب إلى الانخراط في المقاومة والعمل المسلح ضد الاعتداءات الإسرائيلية. لكن ذلك لا ينبغي أن يعفينا من ملاحظة التحولات السلبية التي طرأت على العلاقة مع الجنوبيين تارة بسبب ما تعرضوا له من اعتداءات إسرائيلية ـ بسبب عمليات المقاومة الاستعراضية غالبا ـ وطورا بسبب تحالف المقاومة الفلسطينية مع الأحزاب التقدمية والحركة الوطنية التي كانت على خلاف كبير مع القوى السياسية الناشئة في الجنوب ـ حركة أمل ـ إلى أن تحول الاندماج السابق إلى تمايز عدائي وإلى نفور متبادل إلى حد بات معه استخدام السلاح أمرا يوميا في حل الخلافات بين الطرفين. وكانت محصلة هذه التحولات ابتعاد الجنوبيين عن “الثورة الفلسطينية”، وتمايزهم عنها مع تزايد الدعوات إلى مقاومة لبنانية مستقلة...
8 ـ يمكن الالتفاف أيضا إلى مستويات أخرى من التفاعل والاندماج مع الفلسطينيين في لبنان طاولت النخب والملتزمين سياسيا من الشباب المؤيد للقضية الفلسطينية وللقتال ضد إسرائيل بغض النظر عن الطوائف والمناطق اللبنانية. كما اندمجت مبكرا نخب سياسية وفكرية واقتصادية مبكرا في المجتمع اللبناني ولعبت أدوارا مهمة في هذه المجالات. علماً بأن هذا التدامج والتأييد لم يغيرا كثيرا في واقع حال الفلسطينيين وفي استمرار معاناتهم الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية عموما.
9 ـ ساهمت الانقسامات الفلسطينية ـ الفلسطينية بمستوياتها كافة وما تركته من تأثيرات مباشرة في مخيمات لبنان في تعميق التمركز حول الذات فلسطينياً. كما ساهمت المخاوف من دخول الفلسطينيين على خط الانقسامات السياسية والمذهبية في لبنان في السنوات القليلة الماضية في توسيع دائرة التمايز السلبي عنهم من الطرف اللبناني. وفي استحضار مشاعر القلق والخوف من الفلسطينيين بما هم عامل مشارك في عدم الاستقرار وفي التحالف مع طرف لبناني ضد آخر.
في جميع الأحوال إن قضية التمايز والاندماج الفلسطيني في المجتمع اللبناني لم تتخذ مسارا واحدا منذ هجرة الفلسطينيين إلى لبنان عام 1948، بل شهدت مراحل مختلفة تقدم فيها الاندماج تارة وتراجع فيها التمايز تارة أخرى. كما اختلف الأمر بين منطقة وأخرى وبين فئات اجتماعية من الطرفين اللبناني والفلسطيني. كما كان من اللافت أن المناطق والمذاهب الدينية اللبنانية لم تبق على مواقفها نفسها من التدامج مع الفلسطينيين فقد تغيرت هذه أيضا بحسب التغيرات السياسية التي عرفها لبنان بين مرحلة وأخرى. وبحسب التغيرات التي شهدها الواقع الفلسطيني في داخل المخيمات وفي فلسطين نفسها في مراحل مختلفة. ولعل المؤثرات السياسية ـ في مدها وجزرها ـ هي التي طغت على معظم مؤثرات الاندماج أو التمايز (الاجتماعية والثقافية وسواها...) بين الفلسطينيين واللبنانيين.

طلال عتريسي أستاذ في الجامعة اللبنانية