| 

حكمت المرحلة السابقة للعلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية مجموعة من التنافرات (dissonance) ذات الطابع البنيوي والمعرفي. على المستوى البنيوي تلمس تنافرين. الأول غياب مرجعية فلسطينية واحدة من جهة ونظام سياسي لبناني مختل وظيفياً (dysfunctional) من جهة أخرى. نجد فرقاً بين الحالتين، حيث أن هناك إجماع فلسطيني على توصيف الوضع الفلسطيني وآليات حله بينما لا نجد عند الطرف اللبناني أي اتفاق حول وضع الفلسطينيين إلا رفضهم الأسطوري للتوطين. في قضية مخيم نهر البارد على سبيل المثال نجد ثلاثاً إلى أربع جهات يعملون ليخربوا على بعضهم البعض. فمثلا قضية إعمار المخيم الجديد تظهر موقفين متباينين لمكتب رئاسة مجلس الوزراء: موقف رائد للجنة الحوار وموقف تكنوقراطي مغطى بثوب القانون للمكتب التقني لإعادة الإعمار. أما في قضية محاصرة المخيم الجديد لنهر البارد فهناك مواقف مختلفة من رئاسة مجلس الوزراء، الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وكل واحد من هذه الجهات قد أعطى تصريحات مختلفة للجنة الشعبية، فكل طرف يخرب على الأطراف الأخرى عن قصد حيناً وعن غير قصد أحياناً أخرى. كذلك الأمر في قضية الفلسطينيين عديمي الجنسية، حيث إن المواقف مختلفة، فموقف لجنة الحوار مختلف عن موقف وزارة الداخلية وموقفهما مختلف عن موقف مديرية الأمن الداخلي. يمكن أن نرى بوضوح كيف أن التجاذبات السياسية بين المعارضة والموالاة تؤثر في هذه القضية.
التنافر الثاني يتعلق ببنية القوة. فبعد سنوات عدة من اللقاءات بين ممثلي اللاجئين وممثلي الدول المضيفة لمشروع قام به Chatem House تم إنشاء هيئة لبنانية باسم لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني، مسلحة بعقول وخبراء ودراسات بيئية وسياسية، في المقابل لا وجود لهيئة فلسطينية توازيها. لقد استفادت لجنة الحوار من ذلك وأصبحت تأخذ قراراتها منفردة لتصبح وحسب تعبير د. نديم شحادة، المونولوج اللبناني ـ الفلسطيني والمونولوج يعني حوار الطرشان أو الغناء المنفرد والمقصود هنا، المغني اللبناني فقط.
وللأسف لعبت المجموعة الدولية (من المانحين والهيئات البين ـ أممية) دوراً سلبياً جداً في تطوير اللاتوازن البنيوي.

تنافران معرفيان
يضاف إلى التنافرين البنيويين تنافران معرفيان. فهناك فرق بين الدال (الكلام) والمدلول (المعنى) فالكل، فلسطينيون ولبنانيون، يؤمن بحق الدولة اللبنانية بالسيادة على كامل أراضيها ولكن ما معنى السيادة؟ هل هي السيطرة الأمنية فقط؟ إن هذا المفهوم يتطلب وجود حاكم ورعايا. وفي حين ينطوي النظام السياسي اللبناني على حاكم، أكان رئيس جمهورية أو رئيس حكومة، فإن الفلسطينيين ليسوا رعايا، فهم لا يتمتعون لا بحقوق الأجانب ولا بحقوق اللاجئين. فالأجانب يمكنهم الانتساب إلى نقابات المهن الحرة، في حين يُمنع على الفلسطينيين العمل في 70 مهنة تقريباً، كما أن اللاجئين، وبحكم نصوص الميثاق الأممي للاجئين سنة 1951، يحق لهم العمل من دون تصريح، بينما يُفرض على الفلسطينيين في لبنان الحصول على تصريح في حال رغبوا في العمل كعمال يدويين (حرفي مثلا). علاوة على ذلك لا يمكن للفلسطينيين في لبنان، وبعد قضاء ستين عاما في البلد، أي ثلاثة أجيال، أن يُعتبروا ضمن فئات “الأجانب” الذين غالبا ما يكونون مهجرين موقتين، كما أن التمييز ضدهم لا يزال قائماً، وهذا مناقض لاتفاقية سيداو التي وقعها لبنان. إن أغلبية، إن لم نقل كل الدول الغربية، تفرق بين الأجانب والمقيمين الدائمين، كما أن الفرق بين المواطن والمقيم الدائم لا يكاد يلحظ في معظم الحالات (عدا الحق في المشاركة في الانتخابات السياسية والمحلية أحياناً). السيادة، إذا، تستوجب شرطاً لا بد منه، وهو أن يكون هناك وجود لكائن سيادي في الأصل. فبعد سلب اللاجئين الفلسطينيين وجودهم السياسي، وتحويلهم إلى مجرد أفراد بحاجة إلى المأوى والطعام، نقلت قضية اللاجئين، لتوضع، من جهة، في يد قوات الشرطة والجيش، ومن جهة أخرى، في يد منظمات لا سياسية لتقديم الخدمات، كوكالة الغوث (الأونروا).
وهناك مستوى آخر للتنافر المعرفي يتمثل في استخدام بعض السياسيين اللبنانيين خطاباً يحاولون من خلاله الهروب من الواقع ومحاولة الاعتراف بإشكاليته من أجل معالجته إلى خطاب نحووي (نحو...). فعندما نقول لهم إن هناك مشكلة، يتجهون دائما إلى إعطاء وعود مستقبلية ملتبسة كالجملة الشهيرة لدى البعض: “نريد تحسين الظروف الإنسانية للاجئين”.
أدت هذه التنافرات إلى إسقاط الصفة السياسية للفلسطينيين وتحويلها إلى صفة أمنية، ولحسن الحظ فإن الفلسطيني قد أصبح، إنسانا فاعلاً اجتماعياً وسياسياً. على الرغم من النظرة الأمنية له وبالرغم من انطواء الأغلبية الساحقة منهم بعيداً عن النشاط السياسي فإنهم ما زالوا يدافعون عن قضاياهم وعن حقوقهم المدنية، كما أن حق العودة لا يزال في قلوبهم وعقولهم، وهم يساهموا بتعزيز الاقتصاد الوطني الفلسطيني كما بينها الكاتب صقر أبو فخر مثلا. وبالتالي فهم ليسوا عقبة أمام نمو الاقتصاد اللبناني وإنما يساهمون إيجاباً.

الإقصاء بطريقة«الضم»
وتعتمد السلطات اللبنانية للحفاظ على الوضع القائم، على ثنائية الضم والإقصاء، إذ تقوم الدولة في بعض الأحيان بإقصاء مجموعة غير مرغوب فيها عن مزاياهم وحقوقهم كاللاجئين الفلسطينيين مثلا، لكنها، وفي حالات أخرى، تضم هذه المجموعة على أساس أنها موضوع أمني موجود باستمرار وتحت السيطرة والمراقبة (حنفي 2010). لتحقيق ذلك، تستخدم السلطات بطريقة منظمة نوعين من الحجج: الأول سياسي، والآخر قانوني. وبينما تعترف بأن قضية اللاجئين هي قضية قانونية وسياسية في آن واحد، تبقى المشكلة تكمن في كيفية استخدام الحجة للإقصاء، إذ تكون الحجج في بعض الأحيان، مقدمة على أنها قانونية، لكنها تخفي وراءها لعبة سياسية. فالسلطات اللبنانية، مثلاً، توافق نظرياً على القوانين الإنسانية الدولية، وعلى الميثاق الأممي للاجئين (1951)، وعلى قرارات جامعة الدول العربية، وعلى قوانين حقوق الإنسان، لكنها، وعندما يتعلق الأمر بالفلسطيني، تقوم بخرق هذه النظم والقوانين المذكورة كافة.
من ناحية أخرى، إذا أخذنا منطقة امتداد مخيم نهر البارد كمثال، فإننا نلاحظ تناقض السياسة المطبّقة. فهناك أكثر من 100 مبنى مدمر من التي جرى إنشاؤها على أراض تم شراؤها بطرق غير رسمية عائدة للفلسطينيين، والتي يُمنع تسجيلها اليوم بسبب القوانين التي لا تعطي الفلسطينيين حق التملك. وقد تأخرت عملية إعادة إعمار تلك المباني أكثر من عامين، لأن الدولة كانت تفتش عن حل “قانوني” للمشكلة. وهذا الوضع لا يزال على حاله على الرغم من وجود العديد من السوابق العالمية في سيناريوهات ما بعد الكوارث/ الحروب التي نجم عنها تدمير مواقع فقيرة وغير مستوفية للشروط القانونية، وهو ما أظهر الحاجة إلى إيجاد حلول استثنائية للسماح بإعادة الإعمار. هذه نقطة جوهرية، لأن خيارات إعطاء الصبغة القانونية والرسمية في سياقات كهذه، تتطلب عادة تعديلات قانونية معقدة تستغرق وقتاً طويلاً، الأمر الذي يتناقض وحاجات إعادة الإعمار ما بعد الحرب، والتي تمثل وضعاً طارئاً. وتبين الحالات العديدة في لبنان، لا سيما حرب تموز/ يوليو 2006، بوضوح، أنه لولا وجود مرونة من هذا النوع لكانت آلاف العائلات التي تعيش في ممتلكات غير مسجلة وغير ممسوحة، والتي بنت منازلها سابقا بصورة غير رسمية، ومن دون تصاريح بناء، ومن دون التقيد بأنظمة البناء، لا تزال مشردة حتى اليوم. فمثال الدمار في امتداد المخيم عزز وضع الاستثناء بكل الوسائل المتاحة، وتحديدا من خلال اللجوء إلى القانون، إذ إن قضية سياسية وإنسانية بامتياز يجري التعامل معها كقضية قانونية.
واللافت أن الفلسطينيين عندما طلبوا من الحكومة منحهم الحقوق الأساسية للاجئين، ادّعت هذه الأخيرة أن الموضوع ذو طبيعة سياسية، وهو يتصل بنظام الحكم الطائفي في لبنان، وأنه ليس موضوعاً قانونياً، وأنه بالإضافة إلى ذلك طبعاً، موضوع اقتصادي لا يمكن البت فيه من دون إجراء دراسة لتأثيره في سوق العمل.

ساري حنفي أستاذ علم الاجتماع المشارك في الجامعة الأميركية ـ بيروت