| 

يتذرع بعض الذين يرفضون منح الفلسطينيين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمها حق العمل وحق التملك، بالخوف من منافسة اليد العاملة الفلسطينية، والخوف من التوطين، وهذه الذريعة واهية جداً، وهي تعكس، في واقع الأمر، نظرة استعلائية، أو عنصرية، أكثر مما تعكس الرغبة في حماية اليد العاملة اللبنانية، أو حماية الوطن من “التوطين”.

اليد العاملة الفلسطينية والاقتصاد اللبناني
كانت البنية الاقتصادية في لبنان، في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين، تقوم على الانتاج السلعي (الزراعي والصناعي والحرفي). فكانت حصة هذا القطاع تقارع 50% من مجمل الناتج الوطني الشامل. لكن، في ما بعد، راح الاقتصاد اللبناني يتحول، بالتدريج، نحو الخدمات التي ازدادت حصتها في الناتج الوطني الشامل لتصل إلى 68%. وكان للنكبة الفلسطينية دور مهم في هذا التحول ولا سيما مع ازدهار ميناء بيروت ومطارها الدولي والقطاعين المصرفي والعقاري، فضلاً عن استئثار ميناء الزهراني وميناء طرابلس بالنفط السعودي والعراقي اللذين توقف تصديرهما إلى ميناء حيفا منذ سنة 1948، وكان واضحا أن اليد العاملة الفلسطينية المدربة والماهرة مارست دوراً تنموياً في قطاع الزراعة بالدرجة الأولى، ثم في قطاع الصناعة، بينما كان للرساميل الفلسطينية دور مهم في تطوير القطاع المصرفي والقطاع التجاري علاوة على قطاع العقارات.
في أي حال، فقد توزع معظم العمال الفلسطينيين الأوائل على الزراعة والبناء، واتجهت الأقلية منهم إلى الصناعة والخدمات ووظائف الأونروا. واشتهرت، في البدايات الأولى بعد النكبة، بعض العائلات الفلسطينية التي كان لها شأن بارز في تطوير بساتين الجنوب مثل آل عطايا. كما كان لليد العاملة الفلسطينية حضور في معامل جبر وغندور وعسيلي واليمني... إلخ. وقد استفادت القطاعات الإنتاجية اللبنانية كثيرا من جهد العمال الفلسطينيين الذين كانوا يتقاضون أجوراً أقل ويعملون ساعات أكثر، فكان يوم العمل يستغرق 12 ساعة. واستمرت هذه الحال حتى سنة 1955 حينما انخفض يوم العمل للعامل الفلسطيني، نظريا على الأقل، إلى 8 ساعات، ثم أصبح 7 ساعات ابتداء من سنة 1965 فصاعداً.
لم تكن اليد العاملة الفلسطينية منافسة لليد العاملة اللبنانية بتاتا. فهي، في نهاية المطاف، محدودة العدد وضئيلة الحجم. وحتى ستينيات القرن العشرين كانت أعداد العمال الفلسطينيين في لبنان لا تزيد على الثلاثين ألف عامل فقط. فالفلسطينيون اللاجئون انقسموا، اجتماعيا، إلى ثلاث فئات هي:
الفئة العليا: وهم رجال الأعمال وأصحاب الرساميل وذوو الخبرة في ميادين المال والتجارة، وهؤلاء شكلوا نحو 5% من اللاجئين، ومعظمهم اكتسب الجنسية اللبنانية. وتولت شركات الكات واتحاد المقاولين والبنك العربي تشغيل بعض هذه الكفاءات الفلسطينية.
الفئة الوسطى: هم حملة الشهادات الجامعية والمهنية، وهؤلاء عملوا في الإدارة والتدريس والخدمات، وكانوا يشتغلون بأجور أقل من أجور أمثالهم اللبنانيين وبلا أي ضمانات. وتميزت هذه الفئة (50% من طاقة العمل) بهجرة أبنائها إلى دول الخليج العربي، وهؤلاء كانوا يعيدون تحويل مدخراتهم إلى المصارف اللبنانية. وقد أسهمت التحويلات المالية لهؤلاء في تنشيط الطلب على السلع وعلى العقارات معاً، وفي تكوين احتياطي مهم من العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان.
العمال: وهؤلاء هم سكان المخيمات بالدرجة الأولى الذين ساهموا في تحسين القطاع الزراعي، وفي إمداد القطاع الصناعي في الدكوانة وتل الزعتر والمكلس والشويفات باليد العاملة، وفي تطوير قطاع البناء.
إذا كانت البطالة ظاهرة عامة في الوسط الفلسطيني في لبنان إلا أن انتقال منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها إلى لبنان سنة 1969 فصاعداً ساعد في امتصاص جزء من العمالة الفلسطينية. وقد كان للأونروا بالتأكيد، دور معروف في تشغيل أعداد وافرة من الفلسطينيين في المدارس والمعاهد والمؤسسات التابعة لها. وبهذا المعنى يمكن القول إن اليد العاملة الفلسطينية لم تشكل في أي يوم من الأيام منافساً جدياً لليد العاملة اللبنانية، بل ان مساهمة الفلسطينيين في تطوير بعض القطاعات الاقتصادية اللبنانية أفسح في المجال أمام اليد العاملة اللبنانية لتستفيد من اتساع الأسواق الذي أتيح لها جراء هذه المساهمة.

قوة العمل الفلسطينية في لبنان
في لبنان اليوم أكثر قليلا من 400 ألف لاجئ مسجل في قيود الأونروا أو في مديرية شؤون اللاجئين أو الأمن العام. لكن المقيمين فعلياً على الأراضي اللبنانية يتراوحون بين 200 ألف و220 ألف فلسطيني فقط واستناداً إلى ذلك فإن قوة العمل الفلسطينية في لبنان حاليا لا تتجاوز الستين ألف عامل يتوزعون على البناء والزراعة ومحطات الوقود والأفران والصيد البحري وحراسة المباني، ونصف هؤلاء لا يحتاج إلى “جميل” الدولة اللبنانية ليشتغل، لأنه يعمل في مؤسسات الأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية أو يكسب رزقه من دكان أو ورشة أو بسطة لبيع الخضراوات. وتتجه عمالة النساء، على ضآلتها، إلى معامل الخياطة وبعض المعامل القريبة من المخيمات والبساتين، فضلاً عن الجمعيات الأهلية العاملة في الوسط الفلسطيني ومؤسساتها مثل رياض الأطفال وبعض المشاغل الحرفية. إن هذه القطاعات غير منافسة لليد العاملة اللبنانية التي تفضل الالتحاق بوظائف الدولة أو وظائف القطاع الخاص بالدرجة الأولى. ولا بد من الإشارة إلى أن جانباً من قوة العمل الفلسطينية يندرج في إطار العمالة الموسمية ما يرفع نسب البطالة إلى معدلات عالية ربما تصل إلى أكثر من 40% من الطاقة الكلية لقوة العمل الفلسطينية.
لنلاحظ أن في لبنان نحو 350 طبيباً فلسطينياً وقرابة 300 مهندس وحوالى 40 محامياً، وأعداد غير محددة من الصيادلة. وهؤلاء يعملون في مهن لا تتلاءم وخبراتهم.. أما الترخيص الرسمي لمزاولة المهنة فهو ضرب من المحال، لأن المهن الحرة في لبنان تشترط على من يرغب في مزاولتها أن يكون عضوا في النقابة الخاصة بها. وهذه النقابات لا تسمح بعضوية غير اللبناني إلا بشروط خاصة وصعبة وبكلفة ربما تصل إلى أكثر من 50 ألف دولار لمهنة الطب. لذلك يتحول الطبيب الفلسطيني، خصوصاً المتخرج حديثا، إلى العمل في أي مهنة أخرى إن لم يهاجر أو إن لم يجد وظيفة له في إحدى عيادات الأونروا أو الهلال الأحمر الفلسطيني، وهي عيادات محدودة القدرة على الاستيعاب.
إن قانون تنظيم عمل الأجانب (الرقم 17561 عام 1964) يعتبر الفلسطينيين أجانب مثل غيرهم من غير اللبنانيين، ويشترط مبدأ المعاملة بالمثل لمنح الفلسطينيين حق العمل في بعض المهن الحرة. وهذا الشرط مستحيل التنفيذ لأن الفلسطينيين لا يمتلكون دولة كي يجري عليها مثل هذا القياس.
إن هذه الأوضاع المتفاقمة أدت إلى ارتفاع وتيرة الهجرة في صفوف الفلسطينيين. لكن هذه الهجرة تختلف اختلافا بيناً عن هجرة الفلسطينيين الأوائل إلى دول الخليج العربي في أواخر الخمسينيات. فتلك الهجرة كانت ترفد لبنان بتحويلات مالية متدفقة. وهذه التحويلات طالما كان لها شأن مهم في اتساع الإنفاق وتنشيط الطلب في بعض القطاعات. غير أن الهجرة الجديدة والمتجددة، التي كانت بدأت في معمعان الحرب الأهلية اللبنانية لا تلعب هذا الدور على الإطلاق. فإذا كانت الهجرة الأولى موقتة، وبعدها يعود الفلسطيني إلى لبنان للإقامة في ربوعه بعد أن يكون اشترى منزلا وجمع ثروة محدودة تقيه العوز ومرارة اللجوء، فإن الهجرة الثانية هي هجرة دائمة على الأرجح، لأنها تتجه إلى الدول الأوروبية وكندا والولايات المتحدة، وهي بلدان ماصة للأفراد وللأسر.
لقد استفاد لبنان كثيراً من اليد العاملة الفلسطينية التي استقرت في أرجائه أو التي هاجرت منه. لنلاحظ كيف أن قانون منع تملك الفلسطيني في لبنان الصادر في 21/3/2001 أثر بشكل سلبي على الحركة العقارية في بعض المناطق مثل مدينة صيدا، بينما كانت الحركة العقارية في صيدا وساحل الشوف وبعض أحياء العاصمة بيروت والبقاع منتعشة طوال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين جراء تحويلات العاملين الفلسطينيين في دول الخليج العربي التي كان جزء منها يُستثمر في القطاع العقاري حينما كان مسموحاً للفلسطيني أن يتملك العقارات آنذاك. إن قوة العمل الفلسطينية، بمهارات أبنائها وخبراتهم ورساميلهم، أسهمت بشدة في العمران اللبناني، وكانت طوال حقبة الازدهار عاملا من عوامل التقدم والتطوير والبناء. ومن حقها أن تُكافأ على دورها المشهود، لا أن يتم تهميشها والتضييق عليها، ولا سيما أن معظم الخبراء يكادون يجمعون على أن العمالة الفلسطينية في لبنان لا تشكل أي منافسة للعمالة اللبنانية، بل إنها عمالة مستقرة تنفق ما تجني في البلد نفسه.