“غياب الثقة المتبادل”، هو الوصف الذي يطلق عادة على العلاقة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين في لبنان. يعود ذلك إلى أسباب عديدة، من أبرزها في الجانب الفلسطيني طغيان شعور فقدان الثقة بالحكومات العربية وخاصة حكومات الدول المضيفة للاجئين. أما في الجانب اللبناني فكانت في مقدمة الأسباب مخاوف السلطات اللبنانية من مشاريع التوطين، وكذلك تخوفها من انتماءات اللاجئين الفلسطينيين العقائدية الراديكالية، وأخيراً لا آخراً العدد الكبير نسبياً من اللاجئين الفلسطينيين بالمقارنة مع عدد سكان لبنان وقدرته على استيعاب اللاجئين سواء بقوا على هذه الحال أو اكتسبوا حقوق المواطنة (الصلح، 1995). في ظل هذه المخاوف والمشاعر تبلورت سياسة الدولة اللبنانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين، خاصة سكان المخيمات منهم، وكانت لها التجليات الإدارية والقانونية والأمنية التالية:
أولاً، الإطار القانوني: كان على لبنان أن يختار بين صيغتين للتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، أي صيغة اللاجئين السياسيين أو الرعايا الأجانب. الأساس الذي تنهض عليه الصيغة الأولى هو اتفاقية جنيف في شأن اللاجئين التي تم التوقيع عليها عام 1951. ولقد نصت هذه الاتفاقية على تعريف اللاجئ بأنه “... كل إنسان يخشى جدياً من تعذيبه أو اضطهاده، بسبب جنسه أو دينه أو جنسيته، ووجد خارج بلاده، قبل العاشر من شهر كانون الثاني 1951 بسبب أحداث وقعت في البلاد التي يحمل جنسيتها”، وهو مجبر على الإقامة في البلد المضيف لأسباب قاهرة وخارجة عن إرادته. وقد أعطت المعاهدة للاجئين في المادة (4) منها، حق الاستفادة من الامتيازات التي يستحقها المواطنون مثل الرعاية الصحية، وسلم عادل للأجور والتعويضات العائلية، وساعات العمل المحددة. وبما أن لبنان ملتزم اتفاقية جنيف للاجئين، فإن موادها تنطبق على اللاجئين الفلسطينيين فيه.
ولقد ذهب بروتوكول الدار البيضاء الذي صدر عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب عام 1965 إلى أبعد من ذلك. فقد نص البروتوكول في فقرته الأولى على أن “يعامل الفلسطينيون في الدول العربية التي يقيمون فيها معاملة رعايا الدول العربية في سفرهم وإقامتهم وتيسير فرص العمل لهم مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية”.
ولقد صادقت الحكومة اللبنانية على البروتوكول، لكنها أضافت إلى المصادقة عليه تحفظاً يلغي، في الواقع، مضمونه إذ جاء في التحفظ أن الفلسطينيين المقيمين في لبنان سوف يمنحوا الحقوق أسوة بالمواطنين “بقدر ما تسمح به أحوال الجمهورية اللبنانية الاجتماعية والاقتصادية...”. ولما كان لبنان يعاني خلال العقود الأخيرة من ضغوط اقتصادية واجتماعية متفاقمة، فقد كان من السهل على الحكومات اللبنانية المتعاقبة تفعيل التحفظ الذي أضيف إلى بروتوكول الدار البيضاء وليس مضمونه الأصلي.
هذه التحفظات قدمت كتفسير لإيثار السلطات اللبنانية معاملة اللاجئين الفلسطينيين على أساس أنهم “رعايا أجانب”. في ظل هذه النظرة إلى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، طبق عليهم مبدآ المعاملة بالمثل وحماية اللبنانيين من المنافسين الأجانب. ولما كان الفلسطينيون يفتقرون إلى الدولة الوطنية التي يمكن أن تسمح للبنانيين الذين يعملون في أراضيها من الاستفادة من الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية والمهنية التي يحصل عليها مواطنوها، فقد اعتبرت السلطات اللبنانية أنه ليس هناك من مجال لتمتع الفلسطينيين بمثل هذه الحقوق، أي لمعاملتهم على قدم المساواة مع الأجانب الذين ينتمون إلى دول ترتبط مع لبنان باتفاقيات المعاملة بالمثل.
ثانياً، الإطار الإداري: إن الحجم العددي للاجئين الفلسطينيين فرض على الدول المضيفة استحداث إدارات خاصة لتنظيم العلاقة مع الفلسطينيين. وأنشأت الحكومة اللبنانية عام 1950 “اللجنة المركزية لشؤون اللاجئين” التي تعاونت مع “الأونروا” في تحديد وضع اللاجئين الفلسطينيين. وفي 31 آذار 1959 أنشأت الحكومة اللبنانية “مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان” وألحقتها بوزارة الداخلية لمتابعة القضايا الشخصية وأذونات الانتقال من المكان المسجل به اللاجئ إلى مكان آخر (مركز أجيال، 2003). بيد أن هذه الإدارة كانت تعاني من ضمور الإمكانات البشرية والإدارية والمالية فلم يتجاوز عدد العاملين فيها بالإضافة إلى المدير العام عشرة موظفين فقط. وهذا الجهاز الإداري المحدود العدد والإمكانات لم يكن قادراً على تحمل أعباء متابعة العدد الكبير من اللاجئين.
ثالثاً، الإطار الأمني: تؤكد دراسات وضعها فلسطينيون على غلبة هذا الطابع على تعامل الدولة اللبنانية مع اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948. ولقد اتخذت هذه الصيغة معاني مختلفة بحسب المرحلة التي مرت بها علاقة الدولة باللاجئين الفلسطينيين. فبين عامي 1948 و1958، قصرت الدولة تعاملها مع الفلسطينيين على الحد الأدنى من التعاطي الإداري والأمني، أي على تزويد سكان المخيم بوثائق السفر لمدة عام بادئ الأمر ثم أصبحت فيما بعد لمدة خمسة أعوام، وكذلك على دخول قوى الأمن الداخلي (الدرك) المخيمات لتحرير المخالفات (صلاح 2008). ولكن الطابع الأمني اتخذ طابعاً مختلفاً بين أواخر الخمسينيات ومطلع السبعينيات. فبعد أحداث عام 1958 والتأييد الكبير الذي حازه الرئيس عبد الناصر بين فلسطينيي المخيمات وتزايد نشاطات الحركات العقائدية الراديكالية القومية العربية واليسارية بين الفلسطينيين، اتجهت السياسة اللبنانية إلى التشدد المتزايد خاصة بعد أن باتت الأجهزة الأمنية هي المكلفة بمتابعة قضيتهم. وفرضت تلك الأجهزة الرقابة المشددة على المخيمات وعلى الأنشطة السياسية وأخضع سكان المخيمات إلى إجراءات صارمة ابتداء من عام 1959 وخاصة بعد بدء العمليات الفدائية الفلسطينية على إسرائيل من البلدان العربية المجاورة ومنها لبنان.
وقد طبقت هذه السياسة حتى عام 1969 وترجمت بإجراءات محددة مثل أن يدير كل مخيم مركز للمخابرات (الشعبة الثانية للجيش اللبناني)، وأن يمنع الانتقال من مخيم إلى آخر من دون إذن مسؤول الشعبة الثانية وموافقة خطية منه وخصوصاً في مخيمات الجنوب. وفي حال المخالفة كان مستطاعاً إحالة المعني إلى مركز للتحقيق، وأن يصدر عليه حكم بالسجن. يضاف إلى ذلك إجراءات اعتباطية كانت تصدر أحياناً عن المسؤولين الأمنيين في المخيمات مثل منع السير لأكثر من ثلاثة أشخاص أو قراءة جريدة أو منع السهر بعد الساعة العاشرة ليلاً.
ويجدر بالذكر أن التشدد الأمني المتزايد الذي مارسته السلطات اللبنانية تجاه المخيمات الفلسطينية جاء على خلفية سياسة عامة كان من معالمها ازدياد تدخل المؤسسة الأمنية اللبنانية في الحياة العامة وفي النشاطات السياسية. ومن المؤكد أن التدخل هنا لم يكن متساوياً في شدته أو وقعه مع الضغوط التي مارستها المؤسسة الأمنية اللبنانية داخل المخيمات، ولكنه شكل بالنسبة إلى الكثير من القوى السياسية اللبنانية ظاهرة سلبية مناقضة للنظام الديموقراطي اللبناني. وهكذا لم يكن غريباً أن ينتقد الكثير من الزعماء اللبنانيين البارزين هذه الظاهرة في نفس الوقت الذي كان فيه بعض اللبنانيين والفلسطينيين المقيمين في لبنان ينتقدون سياسة التشدد التي اتبعتها المؤسسة اللبنانية الأمنية في المخيمات.

أنظر: مهى زراقط، «المخيمات الفلسطينية في لبنان: ورقة خلفية»، بيروت: مركز عصام فارس، 2010.