| 

خضع الفلسطينيون في لبنان منذ النكبة في سنة 1948 لشروط مهينة، وعاشوا تحت سياط المكتب الثاني وشتائم الدرك، وتدربوا على الصمود في الشدائد والعيش في المصاعب واحتمال الكراهية في بعض الأحيان. وكان الفلسطيني في عيون اللبنانيين على صور وهيئات شتى. انه اللاجئ التاعس والعاثر (المعتًر) لدى البعض. وكان في نظر البعض الآخر مسؤولاً عن تعاسته، لانه باع من اليهود أرضه، فهو، والحال هذه، لا يستحق أي معونة. وكان الفلسطيني سنياً في المحيط الشيعي، ومسلماً في المحيط المسيحي، وحتى المسيحي الفلسطيني كان ينظر إليه في الوسط المسيحي على انه غريب.
من مصاعب هذه الأيام ومصائبها، عودة حكاية التوطين الى الكباش المحلي اللبناني، هذه الحكاية التي ما برحت أطراف سياسية كثيرة في لبنان تتغرغر بها كلما رغبت في امتلاك أداة دعائية لمقارعة خصومها المحليين. ولا ريب في ان فكرة التوطين تتغذى على تصريحات الساسة الإسرائيليين والأميركيين كدعوة الرئيس جورج بوش في 10/1/2008 الى تعويض اللاجئين وعدم تنفيذ حق العودة بموجب القرار 194، والتوليد المنطقي لهذه الدعوة يقول ان عدم تنفيذ حق العودة يعني، بالضرورة، التوطين.
هذا صحيح الى حد ما. لكن لنقارب المسألة بطريقة اكثر دقة. فالفلسطينيون موجودون في لبنان كأمر واقع، أي قسراً. وهم في التوصيف القانوني “لاجئون”، أي ان وجودهم موقت. أما التوطين فيقصد به تحويل هؤلاء اللاجئين من لاجئين، الى مواطنين، أي منحهم شكلاً من أشكال المواطنة كالجنسية. وهذا الأمر من المحال ان يتم تطبيقه إلا في سياق حل دولي وشامل للمسألة الفلسطينية.
لكن، كما هو واضح للعيان، لا حل سياسياً للمسألة الفلسطينية في المدى المنظور. هذا أمر يقارب البدهية. إذاً، تبقى الأمور على ما هي عليه، فلا توطين ولا عودة، بل هجرة فلسطينية متمادية الى دول العالم المختلفة، الأمر الذي يعني، في الحقيقة، توطينا، لكن في دولة ثالثة. وأبعد من ذلك، فحتى لو تم التوصل الى حل ما لمشكلة اللاجئين، وكان هذا الحل يتضمن بالفعل التوطين، فإن التوطين سيقع بالضرورة، في الأردن مثلا او في سورية، لكنه لن يطال اللاجئين في لبنان، لان هؤلاء سيكون نصيبهم الانتقال التدريجي الى دول جديدة والى مهاجر بعيدة. وفي أي حل دولي (وهذا بالفعل نوع من الاحتمال البعيد) فإن كندا، على سبيل المثال، ستكون مستعدة لاستقبال 75 ألف لاجئ في لبنان، وستكون استراليا أيضاً جاهزة لاستقبال 50 ألفاً آخرين، وستكون الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لاستيعاب مئة ألف فلسطيني بحسب ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت”، نقلاً عن ايهود اولمرت، في 19/9/2010، وستتوزع البقية ما بين أراضي السلطة الفلسطينية ودول اخرى تحت راية لم الشمل.
بهذا المعنى، واستناداً الى الخطط التي وضعتها جهات كندية شبه رسمية (كندا هي رئيسة اللجنة المتعددة الطرف الخاصة باللاجئين المنبثقة من مؤتمر مدريد) فلن يبقى فلسطيني في لبنان خلال خمس سنوات ما ان تفتح أبواب الهجرة أمامهم. فعلام يتخوف الخائفون من التوطين؟ وللتذكير فقط، فإن النائبة الأميركية عن ولاية فلوريدا إليانا روس ليتنين (صاحبة قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان) هي التي اقترحت توطين الفلسطينيين في لبنان (“النهار” 6/1/2003) ثم عادت وأهملت مشروعها هذا. أما رئيس الوزراء الكندي السابق جان كريتيان فأعلن في سنة 2000 ان كندا مستعدة، في إطار حل دولي متفق عليه، لاستقبال 75 ألف لاجئ من لبنان بمعدل 15 ألفا سنوياً. وكشفت النائبة الكندية كارولين بيرش في ندوة عقدتها في دمشق في 18/4/2005 انها ستعمل على توطين آلاف الفلسطينيين المقيمين في لبنان في كندا.
إن هذه التهويل الذي يصور الفلسطينيين في لبنان كأنهم المسؤولون عن فكرة التوطين هو الوجه الآخر لخطة ترحيل الفلسطينيين من لبنان الى أي مكان آخر في العالم. بل إن هناك من يدعو علنا الى توزيعهم على الدول العربية ضاربين بعرض الحائط حق هؤلاء اللاجئين في العيش كمجموعة بشرية ذات خصائص اجتماعية مشتركة. وتوزيع الفلسطينيين حل فاشي من الطراز الستاليني الذي شرد شعوب القرم ومزق ترابطها الأسري والعائلي. وهناك من يدعو الى تسهيل انتقالهم الى دول ثالثة كي يتوطنوا فيها (المهم ليس لبنان)، وهذا حل خبيث يريح إسرائيل في نهاية المطاف. وثمة من يريد تحويل رعاية هؤلاء من وصاية الأونروا الى وصاية المفوضية السامية للاجئين (UNHCR)، وهذا أمر خطير أيضاً لأنه يلغي دور الأونروا المنصوص في القرار 194 (وهو القرار الذي يتضمن حق العودة في الفقرة 11)، ويحوّل اللاجئين من شعب له حقوق قومية معترف بها دولياً، الى مجرد أفراد فارين من بلدانهم، ويحتاجون الى الحماية في بلدان تمنحهم المواطنة والحماية معاً. وأبعد من ذلك، فإن البعض لم يتورع عن الدعوة الى الحياد بين العرب والإسرائيليين، وهذه دعوة ان لم تكن ساذجة سياسيا فهي خبيثة. فمن غير الممكن الحياد إزاء دولة مسؤولة عن وجود نحو 430 ألف لاجئ في لبنان، وهؤلاء لم يأتوا بإرادتهم بل بقوة الطرد. ومن يضمن ألا يطرد الإسرائيليون، في أحوال ملائمة، الآلاف من الفلسطينيين مجدداً الى لبنان، خصوصا من فلسطينيي منطقة المثلث، ولا سيما بعد تصريحات وزير خارجية إسرائيل، أفيغدور ليبرمان في 19/9/2010 عن الرغبة في ترحيل أهالي الجليل والمثلث. ثم ان لبنان أحد أعضاء الأسرة العربية بموجب دستوره وبحسب ميثاق جامعة الدول العربية، وبحسب الجغرافيا واللغة وخيار جزء كبير من أبنائه. وعلى لبنان ان يتحمل، وبقدر إمكاناته، نصيباً من المسألة العربية ـ الصهيونية.
إن قواعد العدالة الإنسانية وقواعد القانون الإنساني الدولي ومبادئ القانون الدولي تحتم منح هؤلاء اللاجئين حقوقهم الإنسانية والمدنية، لأن من شأن ذلك جعلهم مجموعة بشرية لها مصلحة في السلم اللبناني، بدلاً من ان يروا في الدولة اللبنانية مؤسسة معادية. وكان على الأمم المتحدة نفسها ان تراقب مدى التزام الدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين تنفيذ التشريعات الدولية في هذا الميدان، وان تصدر تقارير دورية، تتضمن سجلاً وافياً عن انتهاك هذه الحقوق. وهذا الأمر الذي كان متعذراً في الماضي صار ممكناً اليوم بفضل العشرات من هيئات حقوق الإنسان ومجموعات الضمير التي تعنى برصد المظالم.
* سامر صقر ناشط فلسطيني