| 

هو المخيم القارب لكل من وقع في الالتباس عمدا او عفوا. انه يعبر نحو وطن رحل معنا وما زال يقيم فينا، عن هوية شكلتنا في المكان، من المخيم “المأوى” الى المخيم “المعقل” الى المخيم “المعسكر” الى المخيم “الثورة” الى المخيم “المجتمع” الى المخيم العائد الى سيرته الأولى, أي “خيمة” بمقاييس العصر الحديث، وبجميع الألوان المطلية بصور المراحل التي ترتدينا. يذبحنا المخيم بصلابته ويشيد أقانيم وتفاصيل وملامح الثقافة الأصيلة والحكاية التي سقطت إلينا من أفواه الرواة.
لمن أساء الفهم وقرر ان يسبر غور التنقيب في حلقات الدرس والبحث والتحليل في فنادق فاخرة واروقة المعاهد والجامعات، واضعا الخرائط والافتراضات وباحثا عما يسمى أمان الإنسان ومعناه.. انه المخيم وكل قطعة فيه هي “ترانزيت” للأحلام لا تعرف الا ظلال الصبر وملوحة الماء، كل خلية تشتعل بالكد والجد والعرق والتعب والدرس على سراج يشتعل بفتيل الكاز تحت اسقف الزينكو، انه المخيم الذي زرعنا في كل زقاق فيه قرية فلسطينية. انه المخيم الذي عشش فيه الجليل وذكريات البيارة، وأيام الحصاد ويا ظريف الطول.. وحكايات الجدات عن السمكة الخضراء.
هو الترانزيت الخارج على القانون المزمع إدخاله في قانون لا حق له فيه، فيلقى على طاولة التشريح. ويزداد اختناقا وحصارا وتفريغا وترقيما كي تجره عجلة الضياع. الأوصال تقطع ونسيج يمزق، وإنسان مرقم ومهمش معرض دائماً للتدقيق والتمحيص والفحص المخبري والنفسي والأمني، كأنه بلا أصالة وهوية وتاريخ وأحلام، هائما بين المؤقت والمؤجل وبين المفردات الجديدة في قاموس الشقاء الفلسطيني.
عندما يكون المخيم محجراً حصريا للمتهمين بمهنة “الفلسطينية” فيعني انه استحال على اصحاب المهنة الثقيلة فيه او خارجه، فهم على أرض منفى واحد ولم يقوَ ان يستقيل الفلسطيني منها او حتى ينال إجازة سنوية، هي مهنة غير قابلة للتقاعد. فشل ذوو المسعى المحموم كي يستقيل الفلسطيني من فلسطينيته ومن قيمه ومن أحلامه. واستخدمت وسائل القتل برصاص البؤس واغتيال إنسانيته بالمنع والإكراه وإطفاء أحلامه ونحره بسكين الترانزيت الطوعي وفي جميع الاتجاهات إلا الى مسقط الحلم. حينما ينزف كرامة يكون حدادا على الجمل الخطابية الأنيقة التي لوثتها غبار الأزقة القديمة.
في مخيم نهر البارد نعود لنحفر بأظافرنا صخرة اللجوء، سحلت الأزقة وما زالت تتفرع فينا، وتنصب الخيمة سواء كانت العتيقة او المستحدثة، من حرير او معدن، إلا انها ترتفع فوق خيول تائهة، تحملها عجلات شتات وقحة، تعبرنا كسنة من سنين الشوق الجامحة، كانت تكبو في سباق الأيام وتنهض. هي مثل حصان ترجل فارسه وظلت خطاه تعدو في رعشة المكان ولا ميلاد يفرح الفراشات، قبل ابتسامة تولد كالندى على حوافي البيوت المتصدعة. مذاك، تشرئب أعناق الزهر الجميل لتسأل: هل حان موسم القطاف؟ حينها أدركنا ان من يمارس عادة اقتلاع الأزهار، اقترف خطيئة اغتيال الصباح.
ما برح المخيم، مكان يأبى إلا ان نتشرد فيه مثل لاجئ يقيم في النفس ومعها، وحكاية ترانزيت تشبه علاقتنا بالمطر نحبه ونهرب منه، صار هو وطن يغرق في المطر بانتظار وطن يحاذي المطر. كما ان المخيم هنا ظل محاذيا للوطن وليس فيه. محاذيا للمدن ولا يقيم فيها. وصار في مخيم نهر البارد الجديد مخيما محاذيا للمخيم القديم، ولكن ليس فيه. لا حياد في العشق قط. لان قرانا الجليلية حاضرة مثل حروف نافرة في أمسية الحنين، تستيقظ كلما يغفو الفراق على كل وسادة تحشوها الأمهات من جديد بحكايا جديدة، ينام مع ليل يلامس موسيقى حالمه في تضاريس الضياع.
هنا بقايا من هناك، من نور قدسي، يزحف كالحنين نحو دفء مشتهى في وطن بعيد. يلوح بيده في عب شجرة برتقال وارفة في يافا، هناك يمامة تحار بريشها. تعشق التحليق خارج بيادر القمح، حرة يتلوى جسدها جذلا، تبقى في كل برعم اخضر، تتحدى ان يقطف الغاصب من ربيع وجهها البسمة.
هنا وطن ترانزيت بألوان الحزن المقيم فينا. وهناك وطن موعود ما زلنا نغنيه ونصنعه من زغاريد الأعراس ويتقن فنون الفرح، ليولد فينا الغردق من تحت اوشحة الدخان، لتغلق سنة من نكبة وتهتف بكل جوارح الروح: كي نعيد كتابة حكايتنا الصارخة على سكة القطار التي تحاذيه او البحر الذي فتح له تجاويف الموج وعباب الماء، ومتى تحملنا أساطيل الشوق ونمضي من حيث اتينا، نطل على بحر يتلعثم بالغياب، من نافذة حلمنا الأزرق.