لا ريب في ان عز الدين القسام وسعيد العاص كانا أشهر الشهداء السوريين الذين سقطوا على أرض فلسطين. لكن عدداً كبيراً من أمثالهما قاتلوا في فلسطين في فترات متباعدة، بعضهم استشهد وبعضهم عاد إلى بلاده. ومن بين هؤلاء محمد الأشمر. ومحمد الأشمر هو أحد أبطال الثورة السورية الكبرى، وكان قد شارك في معركة ميسلون، ثم نزح إلى حوران بعد احتلال الجيش الفرنسي دمشق. وطارده الفرنسيون للقبض عليه، فاضطر إلى اللجوء إلى بلدة الرمثا الواقعة اليوم عند نقطة الحدود مع الأردن. وفي سنة 1936 التحق بالثورة الفلسطينية وخاض عدداً من المعارك منها معركة «بلعا الثانية» ومعركة «جبع» ومعركة «بيت أمرين»، ومعركة «دير الغصون». وقد اشتهر في هذه المعارك كلها بالشجاعة والإقدام. وعندما توقفت ثورة 1936، عاد إلى سوريا، وعاش فيها إلى ان توفي في آذار 1960.
في هذا السياق لا يمكن إغفال المطران كبوجي الذي كان ينقل السلاح إلى حركة فتح بسيارته، وقد اعتقل وعذب وأهين وسجن. وبعد إطلاقه وحتى اليوم ما زال يكافح إسرائيل وينافح عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
ولد جورج كبوجي (وهذا اسمه الأصلي) في حلب سنة 1992، واتخذ في ما بعد اسم ايلاريون اسماً كهنوتياً. وكان المطران كبوجي قد درس المرحلتين الابتدائية والثانوية في حلب. وفي عام 1933 انتقل إلى دير الشير (قرب عاليه) وبقي حتى عام 1944 حيث التحق بدير «سانت آن» في القدس وهناك تابع دراسة اللاهوت. وسيم كاهناً سنة 1947. وبين عامي 1953 و1962 أصبح رئيسا عاما للرهبانية الباسيلية الشويرية ومركزها دير الشير، ثم عين رئيسا عاما للرهبانيات الحلبية سنة 1963، وسيم مطرانا في 6/11/1965 وعين رئيسا فخريا لأساقفة قيصرية بفلسطين ونائبا بطريركيا عاما في القدس للروم الكاثوليك.
في السابع من حزيران 1967 سقطت القدس بأيدي الجيش الإسرائيلي. وبدأت سلطات الاحتلال تدرك، بالتدريج، ان المطران كبوجي يقود حملة لتشغيل الأيدي العربية العاطلة من العمل في منسوجات وتحف تحمل طابع القدس، ويمرر هذه الاشغال إلى لبنان عن طريق الناقورة التي يعبرها كرجل دين، بل كانت ترى بصماته على عدد من المنشورات المعادية للاحتلال وعلى لافتات كثيرة ترتفع في أيدي المتظاهرين. وفي 1/8/1974، وبينما كان المطران عائداً بسيارته المرسيدس إلى البطريركية في القدس فإذا بحاجز عسكري إسرائيلي يوقفه بناء على معلومات تتهمه بمساعدة حركة فتح والاتصال بأبو جهاد وأبو فراس في بيروت وتهريب أسلحة للفدائيين. وبعد أحد عشر يوماً ظهر خبر اعتقال المطران كبوجي في الصحف. وكان أول تصريح علني له عن نضاله صدر في عيد الأم (21 آذار 1974) حينما قال: «هناك أهم من الأم الوالدة: الأرض هي الأم».
مثل أمام المحكمة في 24 أيلول 1974، وحكم عليه بالسجن 12 عاماً. وفي السادس من تشرين الثاني 1977 أفرج عنه بعد تدخل الفاتيكان على ان يبقى في المنفى. وبعد الإفراج عنه، عينه الفاتيكان زائراً دينيا للطائفة الشرقية في أميركا اللاتينية، فامتثل للأمر على ان لا تطول المدة أكثر من ثلاثة أشهر، ومرت الاشهر الثلاثة من دون ان يتصل به احد حتى عيل صبره، وأدرك ان هناك مؤامرة لإبقائه في أميركا اللاتينية. عندها اتصل من خلال السفارة السورية في الارجنتين بالرئيس حافظ الأسد وأطلعه على وضعه. فقال له الأسد: «ما دمت سورياً تعال على أول طائرة إلى سوريا». وفي 19/1/1979 وصل إلى دمشق، وشارك في اعمال المجلس الوطني الفلسطيني.
لم يتوقف المطران كبوجي عن النضال في سبيل القدس ومن أجل فلسطين على الرغم من آلام السن ومتاعبه، ففي 4/2/2009 التحق بسفينة الأخوة التي كانت تتجه نحو غزة لكسر الحصار عنها. وقد اعتقلته القوات الإسرائيلية ثم أفرجت عنه عند بوابة الجولان. ولم يردعه هذا الأمر على الإطلاق، ففي 31/5/2010 شارك مجدداً في «أسطول الحرية» لفك الحصار عن غزة. وقد اقتحمت القوات الإسرائيلية مراكب الأسطول وأطلقت النار على ركابها وسقط عدد من الشهداء، واعتقل، ثم أبعد إلى الأردن، ومنها عاد إلى سوريا في 2/6/2010.