| 

لا تتساوى علاقة فلسطين بسوريا مع علاقتها مع أي دولة عربية بما في ذلك علاقتها مع بقية دول الجوار الفلسطيني: لبنان في الشمال، ومصر في الجنوب، والاردن في الشرق. ذلك لأن علاقات فلسطين مع لبنان هي علاقة شقيق ولد من الرحم السوري نفسه، وعلاقتها مع مصر، تستند الى اعتبارها البوابة المؤدية الى القسم الافريقي من الامتداد العربي. وتكاد علاقتها مع الاردن تتماثل مع العلاقة مع لبنان، حيث هما شقيقان من أم واحدة، على الرغم من خصوصيات الحدود الطويلة وعدد الفلسطينيين الكبير في الاردن، وعلى الرغم من تشارك قسم من الفلسطينيين مع الاردنيين في إطار نظام سياسي واحد هو اتحاد الضفتين في المملكة الأردنية الهاشمية الذي امتد ما بين نكبة 1948 وعام 1967 الذي استولت فيه اسرائيل على الضفة الغربية، وأنهت ارتباط الضفتين عملياً، قبل أن يلجأ الاردن الى الاعلان رسمياً عن ذلك بعد نحو عشرين عاماً، عندما تم فك الارتباط بين الضفتين أواسط الثمانينيات.
علاقة فلسطين بسوريا، علاقة مميزة، نسجت عراها عبر علاقات تاريخية، تداخلت حيثياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث كانت سوريا وعاصمتها دمشق المركز الحضاري والسياسي لمنطقة بلاد الشام، وعزز من روابط فلسطين مع سوريا ظهور مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر، بما تركه من مخاوف وأخطار ليس على فلسطين وحدها، بل على امتدادها السوري شمالا الى لبنان وسوريا وشرقا باتجاه الاردن، الامر الذي استنفر جملة الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتصاعد الاستنفار مع إعلان بلفور 1917 الذي كان غطاء دولياً لمشروع الاستيطان.
عزز السوريون المقاومة الفلسطينية لمشروع الاستيطان، من خلال الاهتمام المتزايد للنخبة السياسية بفلسطين على نحو ما كانت مواقف المؤتمر السوري الذي أعلن فلسطين جزءاً من الدولة العربية في دمشق عام 1918، ثم في مشاركة نخبة من السوريين في المؤتمر الاسلامي بالقدس، ثم في انطلاق سوريين للمشاركة في المقاومة المسلحة لمشروع الاستيطان، كما فعل سعيد العاص وعز الدين القسام ورفاقهما قبيل انطلاق ثورة فلسطين الكبرى عام 1936، وهو أمر تكرر لاحقاً إبان حرب فلسطين 1948 التي شارك السوريون فيها على المستويين الرسمي والشعبي.
لم يقتصر دور السوريين على الدعم السياسي والمشاركة في المقاومة المسلحة في فلسطين، بل شمل تأمين المساعدة اللوجستية للمقاومة الفلسطينية قبل ثورة 1936 وبعدها من حيث تأمين الأسلحة والذخائر وتدريب المقاتلين، وتنظيم الحملات الاعلامية، إضافة الى جمع التبرعات لدعم المجهود الحربي، وقد أضافوا الى ما سبق سعيهم الى تجسيد مقاطعة عربية مبكرة للوجود الصهيوني سياسيا واقتصادياً، وهو الأمر الذي ولدت على أساسه المقاطعة العربية لإسرائيل في إطار جامعة الدول العربية لاحقاً.
ان هذا التميز في علاقة فلسطين بسوريا، ترك أثره مع تطورات الصراع العربي – الاسرائيلي في فلسطين في ثلاثة أمور أساسية: الاول توجه قسم من الفلسطينيين الى سوريا للإقامة فيها ريثما يحسم الصراع مع اليهود في فلسطين في حرب العام 1948، وقد تحول هؤلاء الى لاجئين في ضوء نتائج الصراع حينها وقيام إسرائيل على أرض فلسطين، وقد شكلوا ثاني أكبر تجمع للاجئين خارج وطنهم. والامر الثاني، جسده الاهتمام السوري الخاص بالفلسطينيين القادمين الى سوريا، حيث قامت السلطات، علاوة على الاحتضان الشعبي الواسع لهم، بمنحهم المزايا العامة التي يتمتع بها السوري، مع تأكيد الحفاظ على هويتهم الوطنية في الامتناع عن تجنسيهم. والامر الثالث، تجسد في أن القضية الفلسطينية ذات حضور كثيف في مختلف جوانب الحياة السورية وخاصة في الجوانب السياسية الى درجة يمكن القول معها إن فلسطين تكرست في عمق الحياة السورية، وستبقى كذلك في الأفق المنظور.
ان واقع النظرة السورية إلى فلسطين، كان لا بد أن تترك أثرها على تعبيرات الحضور الفلسطيني في مختلف جوانب الحياة السورية. ولئن بدا الحضور الفلسطيني بائساً وبسيطاً في سوريا وعاصمتها في البداية، إلا انه سرعان ما أخذ يصعد مؤكداً وجوده وسط قبول سوري ملموس. وفي خلال عقد من السنوات، أخذ الفلسطينيون يجسدون حضوراً في الحياة العامة السورية ولا سيما في البنية الثقافية وفي سلك التعليم، وفي مهن النخبة من الأطباء والمهندسين وفي صفوف الأحزاب والجماعات السياسية، حيث انخرط كثير منه في الأحزاب والحركات السياسية وبعضهم تولى مناصب قيادية في تلك الأحزاب كالأحزاب القومية والدينية واليسارية، والبعض منهم انخرط في سلك الادارة الحكومية وفي مؤسساتها، بما في ذلك مؤسسات حساسة مثل الجيش الذي وصل عدد من الفلسطينيين الى صفوف القادة فيه، كما برز عدد من الفلسطينيين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكان بينهم أسماء مهمة في إطار النخبة في سوريا.
ولا شك في أن الحضور الفلسطيني في الحياة السورية، كان في أحد جوانبه تعبيراً عن موقع فلسطين في العمق السوري. اذ هو الوجه الآخر للتدخل السوري في الوضع الفلسطيني الذي تعدد وتنوعت مجالاته لدرجة يصعب حصرها، لكن من الممكن تناول أهم اتجاهاته، ولا سيما في العقود الخمسة الاخيرة.
لقد جعل السوريون من القضية الفلسطينية محوراً في السياستين الداخلية والخارجية، وقد كانت الانقلابات العسكرية التي بدأت في سوريا بانقلاب حسني الزعيم في آذار العام 1949 وثيقة الصلة بالقضية الفلسطينية ونتائج الحرب على الجبهة السورية – الاسرائيلية، الامر الذي كرس الموضوع الفلسطيني في عداد ما أعطى الانقلابيين، بمن فيهم انقلابيو البعث عام 1963 شرعية وصولهم الى السلطة وتمسكهم بالحكم. وقد كان الموضوع الفلسطيني وربما تفرعاته وتداعياته محوراً أساسياً في سياسة سوريا الخارجية على ما كانت عليه علاقات سوريا مع الكتلة الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق في العام 1956، وكذلك علاقاتها مع الدول الغربية. وعلى هذا النحو كانت سياسة سوريا في موضوع القمم العربية، التي بدأت أولى حلقاتها في أواخر عام 1963، وكذلك في حروب سوريا مع اسرائيل وخاصة حربي العام 1967 و1973.
ان أهمية مكانة القضية الفلسطينية في السياسة السورية، جعل من السوريين قوة تدخل شديدة الحضور في الداخل الفلسطيني، وهو تدخل سياسي وعسكري وأمني، إضافة الى جوانب اخرى تتعلق بحراك المجتمع الفلسطيني في سوريا أساساً، وحيث لم يكن بمقدور النظام السوري التدخل المباشر في الشأن الفلسطيني، كان تدخله يتم بواسطة حلفائه وأنصاره من الفلسطينيين.
لقد أخذ التدخل السياسي والعسكري السوري في الداخل الفلسطيني أشكالاً مباشرة واخرى غير مباشرة. ففي واحد من تعبيرات التدخل المباشر، يمكن ملاحظة دور التنظيم البعثي الفلسطيني التابع لحزب البعث ودور التنظيم المسلح التابع له والذي اتخذ اسم «قوات الصاعقة». أما في الأشكال غير المباشرة للتدخل السياسي، فيمكن ملاحظة تأثيرات دمشق في جماعات فلسطينية ارتبطت بعلاقات وثيقة وقديمة مع دمشق مثل الجبهة الشعبية – القيادة العامة، واخرى تتخذ من دمشق مقراً لها مثل حركة فتح «الانتفاضة»، وقد جرى استخدام القوى العسكرية لهذه الجماعات في كثير من الاحيان في سياق سياسات دمشق الفلسطينية على نحو ما حدث في شمال لبنان عام 1983 في الصدام بين دمشق والقيادة الفلسطينية.
سعت دمشق في إطار تدخلاتها الفلسطينية الى ضبط الحراك الفلسطيني في سوريا بما يماثل الضبط الذي جرى تطبيقه على الحراك السوري، فتم توليد منظمات وهيئات حزبية وشعبية ونقابية تشبه مثيلاتها السورية، وجرى فرضها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذه التنظيمات، لم تتمدد الى جميع الأنحاء الفلسطينية، وغالباً فإنها لم تنجح في ضبط الحراك الفلسطيني، إلا في الحالات التي كان الضبط مصلحة مشتركة بين السلطتين السورية والفلسطينية.
وعلى الرغم من حدة تدخل السلطات السورية في تفصيلات الموضوع الفلسطيني، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن سوريا كانت الميدان الأرحب لحركة فلسطينيي الخارج في فترات مختلفة من الستين عاماً الماضية، وقد كان الدور السوري كبيراً في ولادة حركة فتح، كما أن العديد من المنظمات ولدت في سوريا، وفيها تم إنشاء معسكرات التدريب والمستودعات، والمعاهد التعليمية والمؤسسات الثقافية، واخرى للخدمات ومشاف عامة، وكلها تمت بمساعدة سوريين وقفوا الى جانب اخوانهم وساعدوهم، وكثير منهم انخرط في كفاح الفلسطينيين المسلح ضد اسرائيل.
ان حضور فلسطين في العمق السوري أعطى السلطة في سوريا في فترات مختلفة فرصة التدخل في الموضوع الفلسطيني وتطوراته، غير ان صعود «الكيانية» الفلسطينية، وتوليها زمام القيادة في منظمة التحرير الفلسطينية، استدعى تخفيف التدخل السوري في الموضوع الفلسطيني بالتوجه نحو مستوى من الاستقلالية، غير ان هذا التحول الذي يغلب عليه الطابع السياسي، لم يبدل نظرة السوريين الى فلسطين، ولم يغير موقع فلسطين في العمق السوري، لان السوريين ما زالوا يرون فلسطين ذات خصوصية في العلاقة مع سوريا، وهي نظرة لم تكن تقتصر على النخبة السياسية والثقافية، بل إنها مكرسة في العمق الفكري والثقافي وحاضرة في العلاقات الاجتماعية وفي صلات القربى وعلاقات الزواج، وتقارب الانماط الاجتماعية والمعاشية، وبالعدد الكبير للمهاجرين الفلسطينيين الذين يعيشون في سوريا منذ أواخر الاربعينيات، مشكلين ثاني أكبر تجمعات الفلسطينيين خارج وطنهم.