| 

ليس من المستغرب ان يتعامل المواطن السوري مع القضية الفلسطينية قلباً وقالباً، ففلسطين هي الجزء الجنوبي من سوريا الطبيعية. وهذا محفور في القلوب منذ الأزل. فكان قادة المقاتلين على أرض فلسطين منذ بداية القضية الصهيونية يصدرون بلاغاتهم العسكرية باسم (سوريا الجنوبية) من عبد القادر الحسيني إلى القائد فوزي القاوقجي، لأنهما من بلاد الشام: الأول مقدسي والثاني طرابلسي.
أردت من هذه المقدمة البسيطة ان ادخل تفاعلي مع هذه القضية، وأنا ابن بجدتها. منذ نعومة أظفاري، وقد ترامى لمسامعي على لسان الزعيم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الذي كان لجدي سعيد رحمون شرف إنقاذه من أيدي المستعمرين الفرنسيين الذين حكموا عليه بالإعدام، وإيصاله إلى بيتنا في حيفا حيث كان جدي واحداً من تجارها. وكان الشهبندر يسأل جدي عن بعض الأهل، فكان جوابه انهم التحقوا بالثورة في فلسطين. عندها بدت معالم القضية تتوضح لطفل في مقتبل العمر، والذي ما برح متفاعلا معها على مدى الحياة.
ثورة 1936ـ1938: وصل القاوقجي مع رفاقه المقاتلين إلى فلسطين، بعد ان قاموا بواجباتهم في الثورة السورية الكبرى عام 1925، ودخلوا طاحنة مع طلائع العصابات الصهيونية من (الهاغانا إلى شتيرن والأرغون زفاي ليؤمي)، بالإضافة للقوات البريطانية المنتدبة على فلسطين، والتي تعهدت تسليمها منذ وعد BALFOUR لبني صهيون. ثم ما لبث ان التحق بهم العديد من المجاهدين السوريين، وإن كنت اذكر اسماء بعضهم، فلن استطيع ان أهضم حقوق الآخرين من المجاهدين، منهم:
الشيخ عز الدين القسام: تتالت طلائع المقاتلين من الساحل السوري، بقيادة الشيخ عز الدين القسام ابن مدينة جبلة ومعه عصبة من اخوانه الذين هبوا للدفاع عن الأرض المقدسة. فاستشهد هناك ومعه العديد منهم، وتفرق الباقون على أيدي القوات البريطانية، ومنهم صديقنا الدمشقي عربي الخيمي.
القاوقجي وجيش الإنقاذ: كان ذلك الجيش نقطة بارزة في حياة البلاد الشامية أولاً، وقبل ان تنتشر على معظم اصقاع الوطن العربي. لقد بدأ القاوقجي بناء لرأي الجامعة العربية ومن ثم دول الطوق، في تشكيل قوات جيش الإنقاذ التي التحق بها الأستاذ علي الدندشي ـ قائد كشاف سوريا ـ وكان مديراً لهذا الجيش، ونحن بعض أعوانه. وكان منهم المقدم محمود الرفاعي وأخواه منيب وفايز، والضابط حكمت رحمون وخالد القنواتي وحسين جابر وزهير العشي وغيرهم كثيرون.
كما قام بعض شباب الأحزاب الاخرى بتشكيل تنظيمات متوازية، فمنهم من عمل تحت رايته، ومنهم من آثر الاستقلال عنه، وكان من اولئك ضباط ومدنيون من الحزب السوري القومي. منهم من قاتل بآمرته، ومنهم من التحق بضباط آخرين. فكان ان تطوع للقتال في فلسطين المقدم أديب الشيشكلي، والنائب الدكتور عبد السلام العجيلي، وأكرم الحوراني وغيرهم.
مجموعة أنصار العراق وحرب 1948: تأسست هذه المجموعة من شباب سوريا لنصرة قوات رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وشكل هؤلاء فيما بعد نواة (حزب البعث) بقيادة الأستاذين الدمشقيين ومن حي الميدان تحديداً الأستاذ ميشيل عفلق والأستاذ صلاح الدين البيطار. اللذين تطوعا على رأس هذه المجموعة للقتال في أرض فلسطين.
وشغل بعض أفراد هذه المجموعة مناصب في جيش الإنقاذ، وكان رئيس محكمة الميدان الأستاذ عبد الرحمن المارديني يعاونه الأستاذ نزار آتاسي، فتراوحت أحكامهم بين الإفراج عن بعض المتهمين، وإعدام من يستحقون، وقد كنت شاهداً على أحد احكام الإعدام في بلدة (جبع) مركز القيادة العامة للجيش.
وكانت هناك مجموعات إسلامية بقيادة الشيخ مصطفى السباعي فضلاً عن مجموعات شعبية اخرى معظمها من حي الميدان بقيادة الشيخ محمد الأشمر.
بداية إعداد القوات المقاتلة إلى فلسطين
انطلقت تظاهرة طالبية كبرى في أواخر عام 1947 لاستقبال فوزي القاوقجي وكنت واحداً منهم وكانت شعاراتنا:
جنّدونا، سلّحونا، وإلى فلسطين خذونا
تركنا مقاعد الدراسة، ونسينا اننا على أبواب الامتحانات الرسمية، لنلتحق بالقوات المقاتلة، وبعد ان تم تدريبنا في معسكرات الجيش السوري في قطنا توجهنا إلى فلسطين.
اجتماعات الجامعة العربية ودول الطوق: طلب الرئيس شكري القوتلي، عقد مجلس الجامعة لتدارس الوضع المستجد في فلسطين، ونظراً للخلافات الشخصية بين الحكام فقد تقرر عقد اجتماع لهم تحت خيام كبيرة، نصبت ضمن الأراضي السورية، وعلى الحدود بين سوريا والأردن (مكان الجمارك السورية اليوم). وقد جاء في مذكرات العقيد الركن سهيل العشي مرافق الرئيس القوتلي ما يلي:
«كان الصديق ممدوح رحمون من جيش الإنقاذ حارسا على باب خيمة الاجتماع، وكان الصديق عادل الرفاعي رئيسا لمخفر الأمن العام على حدودنا مع الأردن». (ص 92).
جمعية تحرير فلسطين: كان لا بد في موازاة تشكيل جيش الإنقاذ وبداية تدفق النازحين الفلسطينيين من تشكيل هيئة لرعاية شؤونهم فتأسست جمعية تحرير فلسطين من معظم رجال الأحزاب والشخصيات السورية، وكنت ورفاقي أول المنتسبين إلى هذه الجمعية التي اخذت على عاتقها تأمين السكن لإيوائهم وإطعامهم ومداواتهم ولم تأل جهداً أبداً في هذه المهمة. ولما ابتدأت المعارك الفعلية في فلسطين، التحقنا جميعا بجيش الإنقاذ بعد ان هيأنا الأرضية اللازمة من رفاقنا الآخرين لاكمال الطريق.
عزام والقاوقجي
بعد كل ما ذكرت لن آتي بجديد، انما سأذكر الحوار الذي دار بين الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام والقواقجي، والذي يلخص تلك المرحلة بشكل دقيق.
قال القاوقجي: قال لي عزام: «إن الجيش الأردني مقيد بقيود بريطانية يسهر عليها غلوب باشا، وإن الملك عبد الله قد يكون مرتبطا بعهود مع اليهود، واظن انه لن يحارب. وطبيعي ان الجيش العراقي لن يختلف موقفه عن موقف الجيش الأردني والجيش المصري المؤلف من ثلاثين ألفاً فهو لا يدري متى يقاتل، ومتى يترك ميادين القتال. والجيشان السوري واللبناني من الجيوش (الغلبانة) وانه غير مؤمن بالاستمرار بالقتال... ويرى ان لا بد من التفاهم مع اليهود ومع الأميريكان والانكليز فالمهم إيجاد حل يقبل به اليهود، ويكون في ظاهرة خيراً للعرب» (مذكرات القاوقجي، ص 421ـ422).
فبغت القاوقجي وقال له: «إذن لقد انتهى كل شيء، فلماذا تجرون العرب إلى الحرب؟ فقال:
«كنت اعتقد ان الحرب غير واقعة في فلسطين، وان بريطانيا وأميركا ستحولان دونها، وتحــلان القــضية سلمــيا». فماذا كان سيفعل المقاتلون السوريون وغيرهم من الرجــال الأبــطال المقاومين، امام هذه التمثيلية الكبرى بعناصــرها كافة، ومنــها:
أ ـ دخول الجيوش العربية المعركة في الخامس عشر من أيار عام 1948 تحت قيادة اسمية مركزها مدينة الزرقاء في الأردن برئاسة طه باشا الهاشمي ـ وكنت آنذاك ملحقا بهذه القيادة ـ وعديد هذه الجيوش خمس عديد القوات الصهيونية.
ب ـ إن جيش الإنقاذ كان يقاتل الجيوش البريطانية في الداخل بقيادة الكولونيل نيلسون والذي كانت قواته مكلفة بحماية الصهيونيين من كل مكروه.
بينما قاتلت الجيوش العربية عام 1948 بقيادة البريطاني غلوب باشا، قائد الفيلق العربي الأردني.
ت ـ في اثناء الحرب قال الحاج أمين الحسيني للقاوقجي: إن نسيان الماضي أمر ضروري جداً، ولكن هذه العواطف كها بقيت من دون جدوى بين الطرفين (وأنا اعرف رأي كل بالآخر شخصيا).
لذلك لن ادخل في تفصيلات يندى لها الجبين، إذ لم يكن بوسعي، وأنا في تلك المواقع إلا ان أرى واسمع، واعض على الجراح إذ لم يكن بمقدورنا إلا اتباع تعليمات (نفذ ثم اعترض).
تغمد الله شهداءنا برحمته وواسع جنانه. لقد كنت في ميعة الصبا ورأيت اننا قد ولغنا بأتون الخيانة، وأختم مقالي بما قاله لنا القاوقجي عند وداعنا الأخير له:
«لم يعرف التاريخ أرضاً غالية ومقدسة، ضاعت بأرخص مما ضاعت به فلسطين»
أما أنا فإنني ما زلت اردد ان الكارثة عندما تكون درساً، فباستطاعتنا القول: إن فلسطين لم ولن تذهب، وهذا أملنا يتجدد، على أيدي المقاومين الأبطال داخل فلسطين وجوارها، وعلى امتداد الوطن العربي، فقد بدأت فلسطين تخلق من جديد وهذا هو طريق النصر الأكيد
أمة العُرب لن تموت وإني أتحداكَ باسمها يا فناء