«كنا نرى الانقلابات التي تجري في سوريا، فعايشنا انقلاب حسني الزعيم وما بعده إلى الشيشكلي، إلى فوزي سلو قبله، ثم انتهت هذه الانقلابات بعودة الحكم المدني إلى سوريا سنة 1954، وكانت كل الانقلابات ترفع شعارات وطنية متشابهة.
في أثناء هذه الفترة بدأ لدينا وعي البحث عن طريق خاص بنا، وأذكر أني التقيت الأخ أبو الهول، وكان تقريباً في السادسة عشرة، وكان معه أنيس الخطيب، وهما يحاولان عمل شيء. كل فلسطيني تقريباً في تلك الفترة كان يريد أن يعمل شيئاً. أما مجموعتنا، فكان لها جانب آخر من التفكير، كان معظمنا من طلاب الجامعات، وأنا هنا أتحدث عن سنتي 1954 و1955، وكان لنا هدف واحد، أننا إذا أردنا العمل من أجل فلسطين، فلن نستطيع أن نعمل أو نحقق هذا الهدف من دون أن نكون أولاً مُدربين. وحتى نكون مُدربين، فعلينا أن نلتحق بالكليات العسكرية السورية، ويجب أن يُطبق علينا التجنيد الإجباري. هذا ما كنا نسعى إليه، وحاولنا الاتصال بكل زعماء سوريا وقلنا لهم: لماذا لا تسمحون لنا بالدخول إلى الكليات العسكرية؟ ولماذا لا تقومون بتجنيدنا؟ أنتم ترفعون شعار فلسطين، ونحن أبناء فلسطين، ونحن الأولى بالاستشهاد من أجل فلسطين. وبقينا نرفع هذا الشعار حتى سنة 1956. وفي هذه السنة، سمحت الحكومة السورية بالتحاق الفلسطينيين بالكليات العسكرية: الحربية والطيران والبحرية.
في السنة الثانية في كلية الحقوق، وزملائي أغلبهم معي في الكلية نفسها، وعندما حصلت الموافقة، قلنا: آن الأوان وعلينا أن نلبي الدعوة التي دعونا إليها، وقمنا بتقديم أوراقنا إلى كلية الطيران. كنا نحو عشرين، ثلاثة منا فقط قبلوا الالتحاق بالكلية العسكرية.
والثلاثة هم: الدكتور محمود المغربي الذي أصبح رئيساً للوزراء في ليبيا، ومحمد السهلي وأنا.
قدمنا امتحانات شفوية ونظرية. نجح محمد السهلي في الطيران وسافر إلى حلب، أنا نجحت في الكلية العسكرية لأن العسكرية لا تريد 10 على 10 (عشرة على عشرة) في فحص النظر، وأنا كان عندي ثمانية على عشرة. ومحمود المغربي لم ينجح في الفحص الطبي، فذهب إلى الجامعة. وذهبت إلى الكلية العسكرية. كنت الفلسطيني الوحيد، ولم أكن أعرف أي أحد من الزملاء، وأحسست بالوحشة، لكني كنت قد اتخذت قراري، وعليّ تنفيذه للنهاية.
وبعد مرور أسبوعين، قالوا لنا، أن هناك (فحص طبي) آخر، فجمعونا، وكان الفحص لكل الجدد الذين التحقوا، وفي الفحص الطبي، كنت من بين الذين لم ينجحوا في الفحص، وانتهى الفحص ظهراً، وبعد الظهر أخذونا للغداء، ثم وضعونا في سيارات، كنا ثلاثين شخصاً، وقالوا لنا مع السلامة، وعدنا إلى بيوتنا.
لم أكن قد قدمت استقالتي كمدرس في الحكومة حين ذهبت إلى الكلية العسكرية، فعدت إلى المدرسة، ووجدت أنهم أرسلوا كتاباً بفصلي من التدريس. المهم رجعت إلى المدرسة، وعدت للجامعة للدراسة مساءً، ولكننا كمجموعة بقينا نعمل على مشروع التدريب وطلب التسليح حتى نهاية سنة 1957.
في نهاية هذه السنة جاءنا عقد للعمل في قطر، أنا ومحمود المغربي، فذهبنا إلى قطر، كذلك توزع بقية الأخوة في تنظيمنا في الشام، والذي كان يقارب العشرين شخصاً، على الكويت وقطر، لكن الانجاز الذي كنا نسعى من أجله، وهو التدريب العسكري، كان قد تحقق، وفتحت أبواب التجنيد الإجباري، وأصبح هناك آلاف الشباب الفلسطيني الذين تدربوا في الجيش السوري، ونتج عنه تشكيل لواء حطين في سوريا، والذي كان أساساً الفكرة التي طرحناها.
ووصل البعض منا إلى مناصب رفيعة في الدولة السورية، كالأخ محمود عزام الذي ذهب معنا إلى الكلية العسكرية وأصبح رئيساً لأركان الطيران، وكذلك فرج مراد، الذي علم في جيش التحرير فترة. أما محمد السهلي فقد طرد من سلاح الطيران، وجاء إلى الكلية العسكرية، وأكمل، ودخل جيش التحرير، ثم طرد من جيش التحرير، وعاد لإكمال دراسة المحاماة، ثم سافر إلى الخليج».
[ أنظر: محمود عباس، «صفحات مشرقة من تاريخ الثورة الفلسطينية»، رام الله، 2010.