| 

شاهين أبو العز
كانت دمشق معقل الحركات الاستقلالية في فلسطين ولبنان، علاوة على سورية نفسها. ومعظم رجال الاستقلال في بلاد الشام أقاموا في دمشق، أو مارسوا حياتهم السياسية فيها، وجاهدوا منها في سبيل التحرر والوحدة. وفي هذا السياق شهدت دمشق (وفي رواية أخرى بيروت) في آذار 1949 اجتماعاً سرياً مهماً جرى فيه تأسيس «كتائب الفداء العربي». ففي ذلك التاريخ التحمت ثلاث مجموعات سرية عربية لتؤلف معاً «كتائب الفداء العربي» التي كانت علامة أولى على طريق طويل من ظهور المجموعات الفدائية ذات الطابع القومي. أما تلك المجموعات فكانت:
1 ـ مجموعة «شباب الثأر» التي أسسها جورج حبش وهاني الهندي والتي تحول معظم أفرادها لاحقاً إلى حركة القوميين العرب.
2 ـ مجموعة «كتائب الفداء العربي» التي أسسها جهاد ضاحي وهو الذي اتخذته المجموعات الثلاث المتحدة.
3 ـ مجموعة «العربية الفتاة» التي كان يعمل تحت هذا الاسم كل من حسين توفيق وعبد القادر عامر من مصر، ومعهما عبد الرحمن مرسي وكمال الدفراوي. وحسين توفيق هو ابن اللواء توفيق أحمد باشا وكيل وزارة الدفاع في مصر، وعبد القادر عامر هو حفيد أحمد عرابي. وقد اغتالت هذه المجموعة أمين عثمان في 5/1/1946، وفر حسين توفيق وعبد القادر عامر إلى الأردن، ثم جرى تهريبهما إلى دمشق بمساعدة الشريف ناصر بن جميل (خال الملك حسين) وعلي أمين، وأحضرهما إلى دمشق سامي جمعة. وكان حسين توفيق وعبد القادر عامر عضوين في «الحرس الحديدي» المؤيد للملك والمعادي للانكليز، والذي أشرفت عليه ناهد رشاد وزوجها يوسف رشاد.
تألفت قيادة خماسية لـ«كتائب الفداء العربي» من جورج حبش وهاني الهندي وجهاد ضاحي وحسين توفيق وعبد القادر عامر، وكان من أبرز أعضائها أحمد الشراباتي وأمين رويحة وبهجة العلبي وعباس حميد الخرسان وزهير اليوسف ونجيب كحيل ومحمد علي نويلاتي وإسماعيل إسماعيل وعبد الرحمن الشرقاوي وجودت ضاحي وفهد المولى ونشأت شيخ الأرض وأنطون الحمصي ويوسف البنا وتوفيق قبطان وفتحي الكيتكاني وموسى الحمدان وطارق الخضيري وعاصم السيخ وخالد العثماني وغيرهم.
في ربيع 1950 التقى جورج حبش وهاني الهندي ميشال عفلق، وعرضا عليه جعل «كتائب الفداء العربي» الجناح العسكري لحزب البعث العربي، لكن عفلق رفض هذا العرض، لأن العمل العسكري السري لم يكن معروضاً على جدول حزب البعث آنذاك. ومهما يكن الأمر فقد تبين، في سياق العمل المباشر، أن صيغة الثلاث مجموعات المؤتلفة، ذات المشارب والغايات المتعددة والمتناثرة، لم تكن ناجعة، لأن لكل مجموعة لها رؤيتها السياسية وخصومها المباشرين، وهي رؤية سياسية غير متطابقة، الأمر الذي أحدث تنافراً خطيراً في عمل «الكتائب».
شنت كتائب الفداء العربي هجومها الأول في 6/11/1949، فألقت قنابل، في وقت واحد، على الكنيس اليهودي في دمشق، وعلى مدرسة الاليانس في وادي أبو جميل في بيروت، وعلى مقار وكالة الغوث (الاونروا) في دمشق أيضاً، وعلى المفوضيات الدبلوماسية لبريطانيا والولايات المتحدة في دمشق وبيروت. أما حادثة نسف الكنيس اليهودي في دمشق التي قُتل فيها 13 شخصاً وأصيب 21 آخرون، فقد نفذها جهاد ضاحي وفتحي الكيتكاني وموسى الحمدان. وكذلك حاولت «الكتائب» اغتيال الكولونيل ستيرلنغ في دمشق بمهاجمة منزله في 6/10/1949 فقتل طباخ الكولونيل وأحد شيوخ قبيلة شمر وجرح هو نفسه، وقد قام بهذه العملية جودت ضاحي وعبد القادر عامر وفتحي الكيتكاني. وعملية نسف مدرسة الاليانس في بيروت التي لم يسقط فيها ضحايا قام بها هاني الهندي وجورج حبش وطارق الخضيري وعاصم الشيخ. وكذلك قام جودت ضاحي وبهجة العلبي بإلقاء قنبلة على المفوضية البريطانية في دمشق، في الوقت الذي كان حسين توفيق وعبد القادر عامر وعباس الخرسان يلقون متفجرة على المفوضية الأميركية في دمشق. أما تفجير الاليانس في وادي أبو جميل فقد نفذها جهاد ضاحي وجودت ضاحي، بينما تفجير وكالة الغوث في دمشق نفذه حسين توفيق وزهير اليوسف، وذهب ضحيته خفير ليلي.
تفككت «كتائب الفداء العربي» بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال أديب الشيشكلي في 11/12/1950 على طريق دُمّر ـ دمشق، واعتقال بعض منفذيها ومدبريها. وتبين أن أحمد الشراباتي (والد السيدة نورا جنبلاط) كان يمول أعمال «الكتائب»، وان نشأت شيخ الأرض كان يتلقى الأموال من السعودية ويدفعها إلى أمين رويحة الذي كان يمدها بالمال والسلاح. وكان بعض أعضاء «الكتائب» اقترحوا اغتيال أكرم الحوراني أيضاً لأنه عارض وحدة سورية والعراق. ولم يكن جورج حبش موافقاً على محاولة اغتيال الشيشكلي، لكن البعض استبد برأيه، وانفرد بتنفيذ العملية. وكان ذلك القشة التي قصمت ظهر «الكتائب» فاندثرت.