| 

ليس هناك تراجيديا إنسانية طال أمدها مثلما طال أمد التراجيديا الفلسطينية في الشتات، لاجئون أنجبوا لاجئين، والأولاد اللاجئون أنجبوا لاجئين أيضاً. تراجيديا إنسانية تتكرر منذ أكثر من ستة عقود، من دون أن يظهر أفق لحلها. بدأت التراجيديا الفلسطينية حين مُني الفلسطينيون بنكبة فككت مجتمعهم ودمرت وطنهم جراء الجريمة الصهيونية في فلسطين العام 1948. أسفرت الجريمة الصهيونية عن طرد ما يزيد على 800 ألف فلسطيني من وطنهم إلى بلدان الشتات التي تناسلوا فيها ليزيد عددهم على أربعة ملايين فلسطيني بعد ستة عقود انتشروا في أربع جهات الأرض. استولت الحركة الصهيونية على أكثر من ثلاثة أرباع مساحة فلسطين التاريخية وعملت على طرد سكان الأراضي التي استولوا عليها، ما أوجد واقعاً جديداً في دول الجوار العربي المضيفة للاجئين. تفاوت تعامل هذه الدول مع الفلسطينيين على جميع المستويات، خصوصاً على المستوى القانوني في التي وجدوا أنفسهم ضيوفاً فيها بعد النكبة.
اللاجئون: أوضاع متفاوتة
تفاوتت الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في الدول التي تمركزوا فيها في انتظار عودة طالت أكثر بكثير مما توقعوا. ففي بلد مثل الأردن تم منح الفلسطينيين الجنسية الأردنية، ما رتب لهم حقوقاً مدنية وسياسية كاملة. وجاء ذلك على خلفية ضم الملك عبد الله الضفة الغربية الى المملكة الأردنية، ما ألزم الأردن إعطاء الفلسطينيين الذين باتوا جزءاً من المملكة جميع الحقوق المدنية والسياسية. وعلى الرغم من التمييز الذي يمارس على الأردنيين من أصول فلسطينية في كثير من الحالات، فإن الأوضاع كانت، إجمالاً، الأفضل للفلسطينيين من ناحية الحقوق المدنية والسياسية. والنموذج المتطرف الآخر كان لبنان الذي لم يمنح الفلسطينيين لا الحقوق السياسية ولا الحقوق المدنية، بل حرمهم ممارسة كثير من المهن، فباتت البطالة هي السائدة في أوساط فلسطينيي لبنان، الأمر الذي دفعهم إلى هجرة واسعة خلال العقود الثلاثة المنصرمة.
شكلت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا حالة وسطى بين الحالة اللبنانية والحالة الأردنية، فلم يُمنح الفلسطينيون الجنسية السورية، وبالتالي لم يحصلوا على الحقوق السياسية. وكذلك لم يمنعوا من العمل حسب النموذج اللبناني، بل أعطوا حقوق العمل والحصول على وظائف في مؤسسات الدولة السورية، ويحق لهم ممارسة جميع المهن التي يحق للمواطن السوري ممارستها. وعلى هذا المستوى تمت معاملتهم معاملة المواطن السوري.
أساس الوضع القانوني للفلسطينيين
يمكن اعتبار القانون رقم 260 الصادر في 10 / 7 / 1956 الأساس الناظم للأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في سوريا، وهو قانون يتألف من ثلاث مواد، ولكنه عملياً مادة واحدة تنص ما يلي: «يعتبر الفلسطينيون المقيمون في أراضي الجمهورية العربية السورية بتاريخ نشر هذا القانون كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين والأنظمة النافذة وبحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية». أما المادتان الأخريان فنصتا على إلغاء الأحكام «المخالفة لهذا القانون» وعلى أن «وزراء الدولة مكلفون بتنفيذ أحكام هذا القانون».
يشكل هذا القانون الأساس للتعامل مع الفلسطينيين من ناحية الحقوق في سوريا، وفي التطبيق أعطى القانون للفلسطينيين الأغلبية الساحقة من الحقوق المدنية التي يمنحها القانون للمواطن السوري، مثل ممارسة جميع المهن التي يمارسها المواطن السوري من دون تقييد. وبقيت الحقوق السياسية ممنوعة على الفلسطينيين، ولم يمنحهم القانون السوري الحق في ممارستها، واحتفظوا بجنسيتهم الفلسطينية. لكن التطبيق القانوني للحقوق المدنية الممنوحة للاجئين الفلسطينيين تم تقييد حقوق التملك التي حصرها في منزل واحد للفلسطيني المتزوج، ويشترط في هذا التملك أن يحصل على موافقة وزير الداخلية. وفي الإطار نفسه يحق للفلسطينيين الانتساب إلى النقابات السورية (نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين والمقاولين... الخ) ويكون للفلسطيني الواجبات والحقوق ذاتها التي يمتلكها المنتسب السوري لهذه النقابات.
تنظيم أوضاع اللاجئين في سوريا
لم ينتظر تنظيم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا القانون 260 / 1956، فقد سبق أن أصدرت سوريا مجموعة من القوانين المنظمة لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين فيها. فمنذ العام 1949 تم استحداث مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين العرب، بالقانون رقم 450. وكانت المهمة الأساسية للمؤسسة وما زالت الإشراف على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين. وقد حدد قانون استحداثها مهماتها بحيث تتولى تنظيم سجلات بأسماء اللاجئين وأحوالهم الشخصية ومهنهم التي كانوا يمارسونها، وتأمين إعاشتهم وكسوتهم وإقامتهم في مختلف المناطق السورية، وإيجاد الأعمال الملائمة لهم في شتى المهن الحرة أو الخدمات الحكومية، واستلام كل ما يخصص لهم من التبرعات والهبات من أي مصدر كان، أكانت هذه الموارد عينية أم نقدية وتوزيعها عليهم... الخ. والمعروف أن المؤسسة أُلحقت بوزارة الداخلية في البداية، ثم ألحقت بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العام 1958.
لإكمال تنظيم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين صدر في العام 1963 قرار من وزير الداخلية رقم 1311 في شأن منح اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وثائق السفر. واشترط لمنحهم هذه الوثائق بصفتهم مقيمين في الجمهورية العربية السورية أن يكونوا مسجلين لدى مديرية مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين العرب، وحائزين تذكرة إقامة من المديرية العامة للأمن العام. ومنح حق إصدار الوثائق لوزارة الداخلية السورية. وقد نصت المادة 10 من القرار ما يلي: «تخول الوثيقة صاحبها خلال مدة صلاحيتها حق العودة إلى الجمهورية العربية السورية دون تأشيرة عودة». وتكمن أهمية هذه المادة في أنها اعتبرت ان في امكان اللاجئ الفلسطيني العودة إلى سوريا في أي وقت، وأعطته له كحق، بينما لم تخول وثائق السفر المصرية للفلسطينيين حامليها الدخول إلى الأراضي المصرية من دون تأشيرة عودة. وكذلك كانت حال وثيقة السفر الممنوحة للاجئين الفلسطينيين في لبنان في احدى الفترات، والتي كان على حاملها الحصول على تأشيرة عودة إذا كان خارج لبنان، أو وضع تأشيرة ذهاب وعودة قبل السفر من لبنان، وهو الأمر الذي طبّقه لبنان في صيف 1995 عندما أقدمت السلطات الليبية على طرد الفلسطينيين من ليبيا، ولم تسمح لهم مصر بالدخول وبقوا عالقين على الحدود بن البلدين.
حق تملك الفلسطينيين في سوريا
إذا كان من الصحيح أن القانون السوري منح اللاجئين الفلسطينيين جميع الحقوق المدنية التي يتمتع بها المواطن السوري، فإنه أبقى القيود على التملك العقاري للفلسطينيين، وهذا التضييق منح الفلسطيني المتزوج حق تملك منزل واحد فقط، وبعد موافقة وزير الداخلية. وفي هذه القضية تفاوتت التسهيلات والتضييق بين فترة وأخرى. ولكن طبيعة التنظيم العقاري في سوريا، جعلت من هذه المشكلة ليست ذات شأن فعلياً في الكثير من الأوقات، إلا في المناطق المسجلة في السجل العقاري أو في السجل العقاري الموقت. ولكن في ما تبقى من مناطق، والتي تعادل مدناً كاملة، فإن آلية تملكها لا تكون عبر انتقال الملكية في السجل العقاري، لأنها غير موجودة أصلاً في هذا السجل، إلا بوصفها أراضي زراعية، فهناك مناطق واسعة تم تشييدها، لا زالت تعتبر في السجل العقاري أراضي زراعية. وتنتقل ملكية هذه الشقق بطريقتين:
الطريقة الأولى: أو عبر ما يسمى «وكالة لبيع عقار» أو «بيع عقار مع توكيل». وتوثق هذه الوثائق عبر دوائر الكاتب بالعدل، وسلسلة الوكالات تعتمد بوصفها انتقالاً للملكية من موكل إلى آخر، وتكون هذه الوكالات غير قابلة للعزل لتعلق حق
الوكيل فيها، ما يعني أنها لا تسقط بوفاة الموكل. وهذه صيغة تملك للسوريين أيضاً في الأراضي التي لا تزال زراعية في السجل العقاري، وهذه الوكالة يحصل عليها الفلسطيني، ليس من موقع تملك العقارات، إنما من موقع الحقوق التي يمنحها له القانون رقم 260 لعام 1956 الذي يعطيه الحق في ممارسة التجارة كالسوري، وتعتبر الجهات الرسمية السورية أن الوكالة عمل من أعمال التجارة، كما جاء في توضيح لوزير الداخلية، بعد إصدار قانون تملك الأجانب في سوريا العام 2008، وتوقف بعد إصداره كتّاب العدل عن منح هذه الوكالات للفلسطينيين، هو ما تكرر فعله مرات عدة خلال العقود الثلاثة المنصرمة.
الطريقة الثانية: عن طريق تثبيت هذه البيوع أمام المحاكم المختصة، حيث يمكن اللجوء إلى القضاء ليحكم بتثبيت البيع لمصلحة المشتري استناداً لهذه الوكالات، ويمكن بعد ذلك بيع هذا العقار بواسطة قرار المحكمة، عبر قرار محكمة جديد إلى شخص جديد، وهو ما جرى تقييده عبر المحاكم باشتراط الحصول على موافقة من الجهات الأمنية بالنسبة للفلسطينيين.
عدا عن ذلك، تسمح القوانين السورية بأن يتملك اللاجئ الفلسطيني الأموال المنقولة مهما كانت حتى تلك التي تسجل في سجل خاص مثل السيارات ووسائط النقل، على ألا يكون القانون يمنع تملك المنقول أصلاً، فطالما مباح تملك المنقول يحق للفلسطيني تملكه.
إقامة موقتة
يحمل الفلسطينيون في سوريا بطاقة تعريف شخصية، كتب عليها «تذكرة إقامة موقتة للفلسطينيين»، وقد مضى على إقامة الفلسطينيين في سوريا أكثر من ستة عقود، مات خلالها أجيال وولدت أجيال، وما زالت هذه الإقامة موقتة. لقد نظمت القوانين السورية إقامة الفلسطينيين بوصفها إقامة موقتة، على الرغم من جميع الامتيازات التي منحت لهم مقارنة بأوضاع اللاجئين في الدول المضيفة الأخرى، فليس من الغريب أن تقرأ على قيد نفوس لشاب ولد في العام 1990 أو طفل ولد في العام 2010 أن تاريخ اللجوء إلى سوريا كان العام 1948.