«عندما غادر الأستاذ عبد الكريم زهور دير الزور إلى فلسطين، كنت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة. وقد تركت المدرسة وصرت معلما، فتبعته مع أصدقاء، والتحقنا بجيش الإنقاذ، وذهبنا إلى شمال فلسطين، وبالتحديد إلى صفد وبنت جبيل. تلك كانت المرة الثانية التي أخرج فيها من دير الزور. ذهبت إلى دمشق، ومنها إلى بيروت فالجنوب اللبناني، إلى أن بلغت المعسكر الذي كان فيه عبد الكريم زهور. وكنت قد جمعت مبلغا من المال اشتريت به مسدسا. ذلك كان عملية طفولية. فأنا لم أكن مدربا أو معدا لخوض حرب، فصرفني عبد الكريم لأسباب منها صغر سني.
غير أن انطباعات كثيرة من تلك الفترة بقيت عالقة في ذهني، منها عقلية المجاهدين التقليدية، وعلاقاتهم ببعضهم التي كانت علاقات بدوية وعشائرية متخلفة. وبما أنني بقيت قرابة ثلاثة أسابيع مع جيش الإنقاذ، وتعرفت على نمط تفكيرهم البدوي وعلاقاتهم العشائرية، فإنني لم أستغرب الهزائم التي كانت تنزل بهم.
عندما التحق عبد الكريم بجيش الإنقاذ، فإنه ذهب إليه من خلال أكرم الحوراني الذي اعتقد أنه كان يؤسس نواة حزب هو محوره، باعتباره ابن أسرة إقطاعية، ومقاتلا ضد الاستعمار الفرنسي أبدى ضروبا خارقة من الشجاعة، إذ كان يواجه الشرطة والجيش في الشوارع وسلاحه بيده، فيطلق عليهم الرصاص، ويتلقى رصاصهم.
أتذكر أنه كانت هناك معركة في المطلة. كنت يومها في بنت جبيل، حيث أكلت لحما مشويا.
لقد هاجم الإنقاذيون، وخصوصــا منهم الحمويون بقيادة صلاح الشيشكلي، إحدى المستعمرات الإســرائيلية ففشلوا، وقتل عدد كبير منهم. والحمويون أناس تقليديون علاقاتهم بلدية بحتة: في الصداقة والخصومة، في الرفض والقبول. وقد، لعبت تقليديتهم دورا كبيرا في هزائم جيش الإنقاذ في فلسطين».
ياسين الحافظ، «سيرة ذاتية لم تكتمل»، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠٠٥.