| 

دمشق، في أطياف ذاكرتي المبكّرة، لم تكن دمشق! كانت الشام! حينها كنت في العاشرة أو أكثر أو أقل قليلاً. تردد الاسم على مسامعي مختلطاً بأصوات صليات من قذائف الهاون، التي بدأ العدو الصهيوني يرشق بها أحياء صفد عشية انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، ليرعب أهلها ويجبرهم على الرحيل.. وكان للعدو ما أراد.
بدأ الناس يجمعون بعضاً من أشيائهم الضرورية، ويغلقون أبواب منازلهم، ويحتفظون بمفاتيحها الى حين عودتهم، ويمضون باتجاه الشمال. وكانت الشام واحدة من أهم مقاصدهم.
في أحد الصباحات اجتاحتني الغيرة، عندما طلبت مني والدتي مرافقتها لوداع بيت خالي الذاهبين إلى الشام، فابن خالي الصغير الذي يجايلني، سيذهب إلى هناك أما أنا فلا!
أمام منزلهم، تلاشت الشكوك التي كنت ألجأ إليها، ربما لن يرحلوا، ولن يستأثر ابن خالي بزيارة الشام، فها هم يغلقون باب منزلهم، وها هي امرأة خالي تعطي المفتاح لوالدتي لتحتفظ به أمانة الى حين يرجعون!
اشتعلت الغيرة في روحي من جديد، امرأة خالي العذبة، شديدة النبل والحساسية، قرأت الغيرة في عيني، ودعتني لمرافقتهم. رفعت عيني إلى أمي مستجدياً موافقتها، ومن غير أن أسأل، تركت لي الخيار «إذا بدّك روح مع بيت خالك»، فالأمر ليس أكثر من نزهة، ليس أكثر من زيارة للشام.. وبعدها نعود!
انعطفت أمي باتجاه منزلنا، وانعطف معها قلبي، عدة التفاتات متلهفة تبادلناها، كانت أمي تتوقف مع كل التفاتة، وتستدير بجسدها الناحل، وتلوّح لي بكفها إلى أن غابت.
مضينا سيراً على الأقدام على طريق منبسطة حيناً ووعرة أحياناً، إحدى القرى في أقصى شمال فلسطين كانت محطتنا الأولى، كنا ضيوفاً عند مختار القرية، تناولنا طعام العشاء، وبعدها بقليل جاء وقت النوم.
كنت أصغر إخوتي، وهكذا كانت أمي تستأثرني بالنوم إلى جوارها، وتهدهدني بحكاياتها المتكررة التي لا أمل سماعها في كل مساء إلى أن أغفو..
هناك، لأول مرة، وجدت نفسي وحيداً، بعيداً عن أمي وحكاياتها، لم أكن في سن تسمح لي بالبكاء أمام الآخرين، دفنت رأسي تحت الغطاء، ورحت أبكي بصمت إلى أن غفوت.
على ظهر شاحنة في صباح اليوم التالي تابعنا طريقنا، كانت وجهتنا «القنيطرة» حيث كانت ليلتنا الثانية، ومع ساعات الليل تكرر بكائي الصامت، يؤججه ندمي على فراق أمي، أفكر وأسأل نفسي عن إمكانية العودة إلى حضنها، ومع إدراكي لعبثية السؤال، كنت أزداد عزلة ومرارة.
انطلقنا من القنيطرة في حافلة باتجاه الشام، في بلداننا الأطفال لا يشاركون الآخرين الجلوس على المقاعد، وهكذا وجدت نفسي واقفاً مع مجموعة من الأطفال الفلسطينيين في ممر الحافلة. لم يكن الطريق إلى الشام ممهداً، فكنا نهتز مع الحافلة ذات اليمين وذات الشمال، الإعياء من الوقوف والاهتزاز أرغمنا على الجلوس في ممر الحافلة بين المقاعد، كان طيف أمي يلازمني.. التفتُّ إلى طفل كان يجلس إلى جواري لأسأله هل ان أمه ترافقه في هذه الرحلة، أومأ بالإيجاب مشيراً إلى سيدة تجلس إلى الجوار. انكفأت على أحزاني من جديد، فقد كنت أمنّي النفس بوجود طفل آخر يشاركني فراق الأم، خاب فألي، وعدت لأغرق وحيداً في أحزاني.
بدأت معالم تلوح في الأفق، تبدت أبنية من عدة طبقات لم نألفها من قبل... شوارع عريضة ونظيفة تصطف بمحاذاة أرصفتها محال تجارية جميلة ومتنوعة، حافلات تجوب الشوارع، الذي أدهشني حافلات من نوع آخر يرتفع من سقفها عمود معدني ينتهي ببكرة تلامس سلكاً في الأعلى، بينما السائق يقود الحافلة واقفاً، وينبه المارة بصوت أقرب إلى صوت الأجراس مختلفاً كل الاختلاف عن أصوات منبهات الحافلات الأخرى.
كانت السكنى في الشام طموحاً صعب المنال لمجموعات من اللاجئين الفلسطينيين، لا يملكون إلا مفاتيح منازلهم التي تركوها، وهكذا كانت الضواحي القريبة من الشام الهدف والملاذ.
لست أدري كيف تجمعت أسر من عائلتنا وعائلات أخرى في ضاحية «حرستا»، هناك كان الحصول على مأوى يتحقق بلا مشقة وبلا بحث، فأهالي البلدة استقبلوا العائلات الفلسطينية بكرم وإيثار، كل أسرة وجدت مكاناً لها في أحد البيوت إلى جانب أصحابها، وأصبحوا كأنهم أسرة واحدة يحتلون عدة غرف، ولم تكن الطبيعة أقل كرماً من الناس، عدة أنهار بمياهها العذبة تتخلل بساتين البلدة، وكان الناس يجودون على اللاجئين بما تجود به أراضيهم العامرة بكل أنواع الخضار والفواكه.
لم يدم فراقي لأمي طويلاً، فبعد أقل من أسبوع انضمت إلينا فجأة، حتى الآن لا أعرف كيف أتت ومن الذي ساعدها على الرحيل والوصول، فوالدي لم يكن معها. فرحتي الغامرة بقدومها شغلني عن السؤال عن أبي، الذي وصل بدوره بعد أيام، فهو لم يغادر «صفد» إلا بعد أن رأى اليهود على الجانب الآخر من البلدة.
عند مغادرتنا صفد لم يكن العام الدراسي قد انتهى، فقد أغلقت المدارس أبوابها عشية انتهاء الانتداب البريطاني، فقد بات لا مرجعية أو جهة راعية.
رحت أتجول في بلدتنا الجديدة، مررت ببناء من طبقتين، تتمدد في كل طبقة غرف عدة تطل على الخارج بنوافذ زجاجية، قرأت لافتة فوق مدخل البناء كتب عليها «مدرسة حرستا الرسمية للبنين». عاودتني ذكرى مدرستي التي غادرتها منذ أسابيع قليلة، وتركت هناك كتبي ودفاتري وأقلامي. اقتربت من إحدى النوافذ، وحضنت وجهي بكفي ملتصقاً بالزجاج، مستطلعاً ما ومن في داخل الغرفة، صفوف من المقاعد يحتلها عدد من التلاميذ، لمحني المعلم الذي كان بمواجهة النافذة فقد كان منظري ووقوفي أمامها لافتاً، أشار إلي أن ألتف لآتي إلى صفه محدداً لي وجهتي للوصول. دلفت إلى المدرسة وقصدت الصف المعني، أخذ التلاميذ يتصايحون «فلسطيني أستاذ، فلسطيني بيعرف إنكليزي» طرح المعلم علي بعض الأسئلة البسيطة باللغة الإنكليزية، وأجبته بما أسعفتني به معرفتي البسيطة يومها، وليس بأكثر من حدود أسئلته.
قال لي الأستاذ «خليل البرهمجي» الذي كان معلم الصف الثاني الابتدائي، من دون أن يستوضحني مستوى تعليمي وفي أي صف كنت في فلسطين، قال لي: «بكرة جيب دفتر وقلم وتعال داوم». وهكذا انتظمت في المدرسة من جديد.
كان العام الدراسي يقترب من نهايته، فلم أمكث في الصف الثاني أكثر من شهر، وترفعت إلى الصف الثالث.
كان لكل صف معلم واحد يعلّم التلاميذ جميع المواد. كان معلم الصف الثالث يدعى محمود الضوبع الذي لحظ تفوقي، وباقتراح منه وموافقة من مدير المدرسة راشد الشعار، اتُخذ قرار بالقفز إلى الصف الخامس، حيث كانت الشهادة الابتدائية تعتبر مرحلة مهمة جداً في حياة التلاميذ، فالذي يظفر بها ربما يصبح في نظر الناس نصف أستاذ! كانت نتائج امتحانات الشهادة الابتدائية تحتل المنابر الإعلامية، فكانت أسماء الناجحين بالشهادة الابتدائية تنشر في الصحف، وكانت أيضاً تذاع بالراديو.. وكان اسمي بين الناجحين.
عدد كبير من الأطباء والمهندسين والمحامين في بلدة «حرستا»، تتلمذوا على أيدي أولئك المعلمين المتفانين، الذين كانوا يعقدون للتلاميذ دروساً إضافية خارج أوقات الدوام، فالدروس الخاصة المأجورة المعروفة اليوم لم تكن موجودة، هناك كان المعلمون يتطوعون لعقد الدروس الإضافية، وعلى جدران رواق المدرسة كانت هناك لوحات عليها صور الناجحين في الشهادة الابتدائية لأعوام متتالية مقترنة بنسبة النجاح لكل عام والتي لم تنخفض عن تسعين في المئة إلا نادراً.
كان المعلمون خليل البرهمجي ومحمود الضوبع وعادل رمضان ومفيد الساعاتي يعطون التلاميذ من قلوبهم وأرواحهم، ولكن الرجل الذي كان أكثرهم مهابة وتقديراً، فهو مدير المدرسة راشد الشعار، وهو رجل قصير القامة، يعتمر طربوشاً يميزه عن الآخرين، وصاحب شخصية قوية جعلت الجميع من معلمين وتلاميذ يحسبون له ألف حساب، مع أنه لم يكن يحمل عصا كغيره من المعلمين!
ظفر الشعار بتقدير الجميع واحترامهم بما في ذلك أهل البلدة، كان متديناً، وكان عندما يذهب لأداء إحدى الفرائض في المسجد، يخلي له شيخ المسجد المكان ليؤم المصلين.
بعد نجاحي في الصف الخامس وظفري بالشهادة الابتدائية، بدأتُ رحلتي الخاصة باتجاه الشام، جميع الضواحي كانت تفتقر للمدراس الإعدادية. كان يطلق على المدارس الإعدادية اسم التجهيز، وكانت مدرسة جودة الهاشمي المعروفة حتى الآن باسمها هذا يطلق عليها التجهيز الأولى، وكانت قبلة التلاميذ القادمين من الشام نفسها أم من الضواحي. تقدم التلاميذ الذين سيصبحون طلاباً عبر طلبات انتساب، فالمرحلة الإعدادية ليست إجبارية، وهكذا لم تكن التجهيز الأولى لتتسع لجميع طالبي الانتساب إليها، فتم توزيعهم على إعداديات أخرى تحمل اسم التجهيز مضافاً إليه رقماً يميزها، وكان نصيبي في التجهيز الخامسة للبنين، في حي العمارة بمنطقة السبع طوالع. من هناك بدأت رحلتي الخاصة مع الشام بمعزل عن صحبة الأهل.
في البدايات لم أكن أجرؤ أو أعرف السبيل إلى الشام على الرغم مما شكله ذلك من إغراء تكبدت على إثره فراق أمي. كنا نمضي معاً أمي وأبي وأنا لزيارة المرجة وسوق الحميدية والجامع الأموي.. في المرجة كانت تصطف «الحناطير» وهي عبارة عن عربات تقوم على عجلين كبيرين، وتجرها خيول مطهمة برؤوس مزينة بتطريزات قماشية ملونة، تتخللها أجراس صغيرة ترسل أصواتاً رتيبة مع إيقاع يتعاظم ويتباطأ مع حركة قوائم الخيل في أثناء سيرها. كان الحوذي يجلس على منصة في المقدمة خلف ظهر الحصان، يحمل سوطاً بعصا خشبية مزينة بالمسامير بطبعاتها العريضة، وينتهي بحبل طويل من الجلد، كان الحوذي يلوح بها حاثاً حصانه على الجري، يضرب بكرباجه أطراف الحاوية لتصدر صوتاً يحرض الخيول على الإسراع في عدوها. وكانت ساحة المرجة مركز المدينة الذي تنطلق منه وسائل المواصلات إلى الأحياء الأخرى وتعود إليه. كانت الحافلات والترامواي تمضي إلى الشيخ محي الدين، والمهاجرين، والميدان، والقصاع، وكان أكثرها إمتاعاً الترامواي الذي يقصد ضاحية «دوما» ماراً بجوبر وزملكا وعربين وحرستا، كان ذلك يفضي إلى نزهة ساحرة بين البساتين الرائعة الجمال والخضرة، والناجية من صخب المدينة. بعد ظفري بالشهادة الابتدائية الموقعة من وزير المعارف آنذاك، وذهابي إلى التجهيز الخامسة حظيت بمكانة واهتمام لدى مدرس اللغة العربية «الشيخ محمد وحيد الجباوي». كان الجباوي شيخاً معمماً ويرتدي جبة سوداء، وكنت ألمحه بين فترة وأخرى يحتل مقعداً في ترامواي «دوما» في مقصورة «البريمو» وهي مقصورة بمقاعد جلدية مريحة، يحتلها الموسرون فقط لأن الأجرة فيها مضاعفة. كان الشيخ يتخذ مكانه ذاك ليس لحاجة له في أي من المحطات التي يجتازها الترامواي، بل ليمتع نفسه بالمناظر الخلابة والهواء النقي. يتخذ مكانه في أحد مقاعد مقصورة «البريمو»، ولا يغادره إلا في المحطة الأخيرة من رحلة العودة في ساحة المرجة من حيث انطلق.
كانت مدرستي الجديدة التي سأمضي فيها أربع سنوات في بؤرة الشام القديمة، من هناك وعبر شارع فرعي كنا نمضي إلى سوق الحميدية والجامع الأموي و«المسكية» التي كانت المكان الوحيد لبيع القرطاسية والكتب. إلى هناك كنت أذهب في كل يوم مروراً بالمكتبة الظاهرية التي اعتدت أن ألجأ إليها في فترات الظهيرة بعد الغداء، حيث كان التعليم على مرحلتين، صباحية ومسائية، تتخللهما فترة للغداء، هناك في فترات الظهيرة في المكتبة الظاهرية، وفي قاعتها الصغيرة وصمتها المقدّس، تعرفت الى توفيق الحكيم وطه حسين، هناك سُحرت بـ«عصفور من الشرق» و«الأيام»، وهناك أصبت بلوثة القراءة، ومن هناك كنا ندلف إلى أزقة الشام القديمة، حيث تفوح رائحة التاريخ، بخصوصية بيوتها وحاراتها الساحرة.
سندويش فلافل من زاوية صغيرة جداً في المسكية كانت غدائي شبه الدائم، كان «عبد» بائع الفلافل يحضّر السندويشات بسرعة مذهلة، يضعها بصفين حسب ثمنها، ثم يبدأ بمناولة السندويش بيد ويقبض ثمنها باليد الأخرى، ليعود إلى عمله بتصنيف السندويشات من جديد، عبد هذا امتلك لاحقاً عدة محال للفلافل والفول والحمص في دمشق بعنوان «مأكولات المصري». ولكن الثمن تطور مع تطور المدينة.
كانت الأكف الطرية تمتد لبائع الفلافل، «بفرنك ونص» عبد «بفرنكين عبد» وكان ذلك يعني سندويشة مدعومة بأقراص إضافية من الفلافل. كان المبلغ المخصص لي من والدي «ستة فرنكات» يومياً أي ثلاثين قرشاً، وكانت كافية لأجرة الذهاب والعودة وسندويشة الفلافل، ويزيد منها خمسة قروش «فرنك» أنفقه لشراء «شعيبية» لذيذة ساخنة محشوة بالقشطة، أما سندويشة الفلافل «عربي» فكنا قادرين على شرائها في المناسبات وأيام البحبوحة، فقد كانت باهظة الثمن، خمسة فرنكات كاملة، أي ربع ليرة سورية! ولكي نروي ظمأنا بعد تلك الوجبات الدسمة، كنا نلجأ إلى صنابير الفيجة المنتشرة في شوارع الشام، ومياه نبع الفيجة، يقال إنها أعذب وأنقى مياه الأرض. كانت تدهشني ببرودتها في الصيف ودفئها في الشتاء!
شارع الصالحية الذي أخذ اسمه من حي الصالحية المتربّع على سفوح قاسيون مع حي الأكراد وحي المهاجرين، كان يمتد من ساحة المرجة ليربط الأحياء الشمالية بمركز المدينة، كان أهم شوارع الشام خارج المدينة القديمة، فقد كان يعجُّ بالمتسوقين من محاله المتنوعة نهاراً، وكان المكان المثالي لتسكّع الشباب والصبايا في الأمسيات، كما كان المكان الدائم للتظاهرات التي تعقدها الأحزاب في المناسبات الوطنية، لتتجمّع أمام المجلس النيابي الذي كان يعرف بالبرلمان.
كنت ألمح عمال التنظيفات يرشون في الشارع كل يوم بواسطة «قِربة» محضّرة من جلد الماعز، يحملونها على ظهورهم، ويرشون الماء عبر إحدى القوائم التي تترك مفتوحة لذلك الغرض، وعندما ينضب ماؤها يعودون لملئها من أحد صنابير الفيجة، ويتابعون عملهم من جديد.
أمضي مع خفقات ذاكرتي: في الشام شاهدت أول فيلم سينمائي، وعشقت السينما، وفيها شاهدت أول عمل مسرحي. وفي الشام بدأت قراءاتي للجرائد اليومية، ومن مدرستي الإعدادية شاركت بالتظاهرات الطالبية المندّدة بحلف بغداد والمشاريع الاستعمارية: التظاهرات التي أسهمت في إسقاط أول حكم عسكري ديكتاتوري تزعمه أديب الشيشكلي، وفي الشام تعرفت إلى الأحزاب السياسية وصراعاتها وصحفها، وأصبت بلوثة السياسة التي أرهقتني ولا تزال!
سنوات عديدة امتدت لتختمر معها التوجهات والطموحات وتتجذر. الوطن ظلَّ قابعاً في الذاكرة، والعودة تجاوزت الحلم، كانت تبدو كأنها على مرمى البصر، والحنين تجسّد بمخاضات ومسارات عديدة، وكلّها تتلمس طريق العودة إلى هناك، إلى فلسطين.. ومع كل إغماضة عين، كان الوطن يحضر بكل تفصيلاته من الطفولة حتى الرحيل.
الأسماء عصية على التعداد، والمسارات تشعّبت في كل اتجاه، وبين العادي الأليف، والقصي النافر كانوا ينوسون، وكلٌّ على يقين أن طريقه هي وحدها التي تقود إلى فلسطين!
كتب المبدع الراحل غسان كنفاني الذي أسّس في الخمسينيات بالمشاركة مع فضل النقيب وأحمد خليفة «رابطة الأدب والحياة»، في رواية «العاشق» التي حال استشهاده دون إتمامها يقول:
«أحياناً ينحرف الماعز الأكبر في القطيع وراء قشرة برتقالة، فيتبعه القطيع بأكمله، وقد يجتاز سياجاً فيشتبك الرعاة بالمزارعين ويموت ناسٌ وتُفقد دوابٌ وتُعقد ولائم الصلح، فيأكل فقراء القرية ومجانينها وأطفالها العراة وخيلها وبقرها، ويرى مدعو ما فتاة ما هناك فيخطبها ويتزوجها وتُنجب له أولاداً وبنات يعيشون ويموتون، ويمشي في جنازاتهم رجالٌ لا يعرفونهم خطوات السنة العشر، ويتحدثون وقد يتفقون على شيء أو يتشاجرون».
قشرة البرتقال أثّرت بل ربما غيّرت مسار الكثيرين..
يتذكر، بائع الخضار والفواكه في الجزائر، حيث ذهبت به قشرة البرتقال إلى هناك في مطلع الستينيات، بائع الخضار والفواكه وقد علم أنني فلسطيني تقدم مني واحتضنني «إنت من القدس الشريف؟ اسمع خُويا كل يوم تْجي وترفع حْوايجك وما تخلّص والو». كان الرجل يحدثني باللهجة الجزائرية التي تسمى «الهَدْرَه»، ويعني «اسمع يا أخي كل يوم تأتي وتأخذ حاجاتك ولا تدفع شيئاً»، ولم يُجدِ الحاحي ليأخذ جزءاً من ثمن ما اشتريته، وأضاف: «هيا، ارفع حْوايجك وبالسلامة وتجيني غدوه».
من شارع ديدوش مراد في الجزائر العاصمة، كان يدلف إلى مكتب فلسطين عبر شارع فيكتور هيغو، حيث كان العشاق يجلسون على مقاعد خشبية مظللين بسعفات شجيرات نخيل تكاد تلامس الأرض، وتحجبهم عن عيون المتطفلين. وفي مكتب فلسطين التقى للمرة الأولى الشهيد خليل الوزير، وبترتيب مع السلطات الجزائرية اصطحب عشرات من المعلمين الفلسطينيين إلى معسكر تدريب بجبال الشريعة الشاهقة التي أرهقت القوات الفرنسية أيام حرب الاستقلال، هناك التقى جموعاً من الوجوه الأفريقية السمراء الذين كانوا يتلقون التدريب، وعلى أيديهم تحررت أفريقيا السوداء من جميع أشكال الاستعمار. قائد المعسكر صافح الفلسطينيين فرداً فرداً مؤكداً أن الجزائر لن تنجز استقلالها الحقيقي إلا بعد تحرير فلسطين.
رحل خليل الوزير كما رحل العديد من المناضلين الفلسطينيين: جورج حبش، غسان كنفاني، طلعت يعقوب، كمال ناصر، كمال عدوان، فتحي الشقاقي، محمود درويش.. والقائمة تطول.
أقف أمام بعض أضرحتهم في مقبرة الشهداء في الشام، وأشعر بصخرة تستوطن حلقي وأنا ألمح الحلم الفلسطيني الذي ضحى أولئك المناضلون من أجله، ينأى وينأى عبر سيل من العهر والقهر والفساد، انتهى بالمفاوضين والمقاومين إلى صقيع شتاء مظلم مديد من غير معاطف!
قشرة البرتقال عادت به إلى الشام، وهناك التقى الجزائري أمين الزاوي حيث كان يعد للدكتوراه، وحيث كتب روايته الأولى «صهيل الجسد»، التي بشرت بواحد من ألمع الروائيين الجزائريين والعرب، وبدعوة من الزاوي وقرينته الشاعرة ربيعة الجلطي عاد إلى الجزائر بعد ثلاثين عاماً من الغياب، دلف إلى شارع فيكتور هيغو كما كان يفعل أيام زمان، تلاشت مقاعد العشاق، صعّد بصره إلى شجرات النخيل المتعالية، واكتشف كم تقدّم به العمر!
في أروقة «سفارة» فلسطين، التي كانت تعرف في الستينيات بمكتب فلسطين، احتاج إلى كم هائل من التماسك تفادياً للبكاء، فكل شيء قد تغيّر.