| 

«أنا دمشقي الهوى. أقول ذلك علنا وبصوت جهوري. ومن لم يعجبه كلامي أعتذر عنه ولا أعتذر منه. ولست أدري إذا كان العنصر الحوراني في انتمائي المثلث (الفلسطيني اللبناني السوري) هو مبعث هذا الهوى، أم أن الفضل يعود إلى فضائل المدينة، سعتها وبساتينها وحدائقها ومبانيها المتوسطة بين الأصالة والتجدد وكياسة أهلها وامتدادات شوارعها وعدم ارتفاع مبانيها... وغير ذلك من مميزات أعرق مدن العالم وأقدم العواصم بلا منازع. وأتساءل، بعد هذا التبرير لحب دمشق، هل هي صدفة أن يوزع قلبي بين مدن ثلاث تشكل رموزا لانتماءاتي الثلاثة، الفلسطينية والسورية واللبنانية؟ إن دمشق الثالثة بين الأوائل، بعد طبريا ثم بيروت. وحتى في هوى المدن يتغلب الإيمان بسوريا الطبيعية كجزء من الوطن العربي وكمنطلق للتآلف والتكاتف والتضامن العربي إن لم أستعمل تعبير الاتحاد العربي الذي أصبح في عالمنا المهترئ حلما لا يجوز البوح به.
إني لا أنسى تمسكي واعتزازي، شأن كل أفراد أسرتي، بنشأة الوالد الحورانية. فحوران وإن لم أزرها قط تظل دوما مبعث مشاعر قوية من الانتماء والحنين والحب الصامت. ولعلي أروي قصة اندفاع أحد أشقائي، فايز، في الدفاع عن حورانيته أمام أستاذه في الجامعة في أربعينيات القرن الماضي، شارل مالك. كان الأستاذ المعارض لفكرة العروبة والمغالي في لبنانيته الانعزالية والطائفية يتحدث في صف الفلسفة عن تأثير البيئة في الإنسان. وقارن بين اللبنانيين والحورانيين كدليل على نهضة شعوب وتخلف شعوب أخرى بالرغم من قرب المسافة الجغرافية بينهما. وتساءل متهكماً: هل يعقل أن يخرج شاب ذكي مثل فايز صايغ من بلد متخلف مثل حوران؟ فرد عليه فايز فورا: نعم. إني حوراني وأعتز بحورانيتي! وضج الطلاب بالضحك وصمت مالك خجلاً.
عرفت دمشق طفلا. في أول زيارة للعائلة إلى دمشق وكانت حوالى 1937، سرنا في شارع أبو رمانة، الفسيح والمحاط بالزهور. ومررنا أمام بيت كبير ولكن ليس له صفات القصر وعلى مدخله جندي واحد للحراسة. وسمعت أشقائي يتساءلون عمن يكون صاحب البيت الجميل. وقلت بدون تفكير: هاشم الأتاسي رئيس الجمهورية. وضحك الكل مني ومن تدخلي في أمور لا أفهمها. وسأل الوالد الحارس فأجابه «إنه قصر فخامة الرئيس هاشم الأتاسي». إذن فإن دمشق انتقمت لي أمام أشقائي الساخرين مني منذ سبعين سنة. أفلا يحق لي أن أحفظ لها الجميل وأنحاز لها من دون العواصم العربية الأخرى؟!
وبسبب خطأ غير مقصود من قريب لي كان يعمل «باشاكاتب» في دائرة نفوس السويداء (فريد الغريّب صهر زعيم مسيحي حوران عقلة القطامي) سجل اسمي في سجلات السويداء كأني مولود في حوران، استدعتني سلطات التجنيد الإجباري في الخمسينيات إلى الخدمة العسكرية. وكنت ما أزال طالبا. وتكرر الاستدعاء بعد التخرج 1953. ولم ألب لأني في الواقع لم أكن أحمل الجنسية السورية، وكان والدي قد حمل الجنسية الفلسطينية منذ العشرينيات. أدى ذلك إلى عدم ذهابي إلى سوريا عقدين كاملين، خوفا من أن أساق إلى السجن بتهمة التخلي عن أداء الواجب. وحينما زارني موفد من الرئيس حافظ الأسد أواخر 1972 يدعوني إلى سوريا لتكريمي أخبرته بوضعي «القانوني». وكان يعرف التفاصيل. وقال: نسجنك تسع سنوات ثم يكرّمك الرئيس! وذهبت. وكرّمني الرئيس. وترددت على سوريا في الثلاثين سنة الأخيرة حوالى مئة مرة. فلسنوات متعددة (1982 ـ 1993) كنت أشرف على مشروع «الموسوعة الفلسطينية» الذي كانت إدارته في دمشق وتحريره في بيروت. وكنت أزور دمشق مرة في الأسبوع تقريبا، أصرف فيها يومي السبت والأحد. وحتى بعد أن انتهى ارتباطي بالمشروع باغتياله، استمر التردد على دمشق لأسباب متعددة يجمع بينها كلها في الجوهر ذلك الهوى الدمشقي الجارف في أعماقي.
ربما كان الشغف بالعاصمة هو الذي جعلني أقصّر في زيارة مدن سوريا وبلداتها الأخرى، وبعضها يستحق الزيارة والتعرف عليه، إما لدواع سياحية وثقافية أو للمشاركة في ندوات واحتفالات. حتى أني لم أزر مسقط رأس الوالد في حوران. وكان الرئيس الأسد على علم بتاريخ الأسرة الحوراني. وسألني مرة: ألا ترغب في زيارة خربا ومشاهدة كنيستها التي بناها والدك؟ وطلب أن أحدد موعدا ليرتب لي أمر الزيارة في وقت يناسبني. ووعدته شاكرا. لكني بقيت أؤجل تلبية الدعوة سنة بعد أخرى، مع العلم أن لي في حوران والسويداء كما في دمشق عددا من الأقارب بينهم بعض أحفاد عماتي.
وهكذا انتقلت من مسقط الرأس في فلسطين إلى الإقامة (الموقتة لمدة سبع وخمسين سنة) في لبنان، وامتد عملي إلى سوريا حيث مسقط رأس الوالد، وتزوجت من أردنية. ولم أعد أسعد برؤية طبريا إلا من فوق بعض التلال. وكان ذلك كله دليلا حسيا ومقنعا لحقيقة الأمة الواحدة الموزعة على شعوب متآخية، وحقيقة الوطن الواحد الممزق في كيانات متجاورة. وبالتالي فإن سيرتي هي بحد ذاتها انتصار على المؤامرة الاستعمارية. وأشعر وأنا أعتز بتشابك انتماءاتي في إطار سوري عربي أني أصفع السير مارك سايكس والمسيو جورج بيكو كل يوم صفعة جديدة.
من هنا فأنا فلسطيني ولبناني وسوري، إلى حد ما وليس بالمطلق. أنا عربي موزع بين هذه الأقطار التي يتساوى عندي الولاء لها والانتماء إليها. إني أحمل قلبا إنسانيا يضخ دمه العربي في شرايين بعضها فلسطيني وبعضها لبناني وبعضها سوري: شريان النضال الفلسطيني من أجل التحرير الكامل وإسقاط الاغتصاب. وشريان الثقافة والعصرنة اللبناني المنفتح على الحضارة العالمية. وشريان الإباء والشموخ والاعتزاز السوري التواق إلى الوحدة والانطلاق. أنا إذن فلسطيني، وأنا لبناني، وأنا سوري، لكني عربي أولا وإنساني في نهاية الأمر، عروبة تخدم فلسطين ولبنان وسوريا مثلما تستمد منها كلها وجودها وقوتها، وتقوم على القيم والمثل الإنسانية العامة، ولا تتعارض هذه العروبة والإنسانية مع نقطة الارتكاز السورية التي تتفرع بين فلسطينية ولبنانية. فسورية، كما كتب فيليب حتي، هي أساس الحضارة في العالم. «إن لكل إنسان في العالم وطنين يدين لهما بالولاء: مسقط رأسه وسوريا».
أذكر هنا أني حصلت على «هوية» فلسطينية لأول مرة في أوائل العام 1948 لأتمكن من عبور الحدود إلى لبنان. واسترجعت «جنسيتي» اللبنانية مع معظم أفراد الأسرة، في الثاني من حزيران/يونيو 1958. كما استرجعت «الجنسية» السورية في ربيع العام 1973. إلا أن ولائي العربي أهم من هذه البطاقات الثلاث! (وأود أن أذكر هنا أن يوم استرجاعي الهوية اللبنانية كان في الواقع يوم تشييع جنازة المطران الماروني مبارك الذي شذ عن إجماع الشعب اللبناني ودعا إلى إقامة كيان مسيحي في لبنان متعاون مع الكيان الصهيوني في فلسطين). وهذا ما يذكّرنا بأن الشاعر الماجن عمر بن أبي ربيعة وُلد يوم وفاة الخليفة التقي عمر بن الخطاب».
انظر: أنيس صايغ عن أنيس صايغ، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2006.