| 

شهدت علاقات سوريا بالقيادة الرسمية للشعب الفلسطيني، أي منظمة التحرير الفلسطينية (وهي نفسها قيادة فتح والسلطة فيما بعد)، طوال العقود الأربعة الماضية، حالات متواترة من الصعود والهبوط، والتوافقات والخلافات والانقطاعات. ومعلوم أن سوريا، طوال تلك المرحلة، ظلت تحاول لعب دور إقليمي فاعل خارج حدودها، كما ظلت تتطلع للقيام بدور متميز في معادلات الحرب والسلام في المنطقة، لتعزيز مكانتها الإقليمية، في الشرق الأوسط، وإزاء الفاعلين الآخرين.
وتشاء الصدف أن تلك المحاولة السورية تزامنت مع صعود طرف أخر، حاول جاهدا أن يؤكد ذاته، في الخريطة السياسية لهذه المنطقة، وهو الطرف الفلسطيني، متمثلا بمنظمة التحرير، لاسيما في مرحلة قيادة حركة فتح لها منذ العام 1969.
هكذا، باتت بلاد الشام مجالا لوطنيتين صاعدتين، لكن هاتين الوطنيتين، بدلا من ان تشتغلا على تعزيز التكامل بينهما، اشتغلتا، بطريقة تنافسية، او تعارضية؛ ولاسيما في لبنان. وقد نشأ عن ذلك أن سوريا ظلت تنظر بنوع من الحذر، وربما التشكك، إلى الوطنية الفلسطينية، جراء طريقة الرئيس الراحل ياسر عرفات في العمل، خصوصا في سعيه لإبراز الوطنية الفلسطينية المستقلة، مرورا بمحاولاته اللعب على التناقضات العربية لتعزيز دوره، وصولا إلى إدارته المستقلة لملف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي (منذ مؤتمر مدريد 1991، حتى إقامة السلطة الوطنية بعد توقيع اتفاق في سنة أوسلو 1993).
يمكن تفسير التوتر في العلاقات السورية ـ الفلسطينية بمجموعة معقدة ومتداخلة من القضايا، يمكن ايراد أهمها كالتالي:
أولا: حرص القيادة الفلسطينية المتمثلة بالرئيس الراحل ياسر عرفات وقيادة فتح (وفي ضمنها الرئيس محمود عباس)، على «استقلالية» القرار الفلسطيني، ورفض أي نوع من «الوصاية» على القضية الفلسطينية. وطبيعي أن مثل هذا الموقف وجد نفسه في مواجهة فهم سوري ينطلق من أن القضية الفلسطينية هي قضية قومية، وشأن عربي، خصوصاً أن سوريا دولة حدودية (مع إسرائيل)، ولديها تجمع فلسطيني كبير؛ ما يبرر ان يكون لها دور في الشأن الداخلي الفلسطيني.
المعضلة هنا أن القيادة الفلسطينية ظلت تتوجّس من هذا الموقف، ولم تتفهّم حساسيته، ولم تتعاط بشكل ملائم، أو مرن، مع متطلباته. وفي المقابل فإن سوريا لم تستطع هضم التبلور الحاصل في الوطنية الفلسطينية، ولم تماش عملية تبلور الكيانية السياسية للفلسطينيين (على شكل منظمة أو سلطة)، والأنكى أنها ظلت تتعامل مع القيادة الرسمية السائدة كما تتعامل مع أي فصيل فلسطيني آخر.
ومشكلة الموقف السوري أنه لم يميّز، أيضا، بين القيادة الفلسطينية والموقف من الكيان الفلسطيني أو الشرعية الفلسطينية، على غرار موقفه من باقي الأنظمة العربية، التي يختلف مع نظم الحكم فيها، حيث أن هذا الخلاف لم يحل دون إقامة علاقات طبيعية مع مثل هذه الدول، بل والسعي لضمان استقرارها وتطويرها.
كذلك فإن سوريا لم تأخذ في حسبانها التفاوت بين وضعها والوضع الفلسطيني. فسوريا دولة ذات سيادة في إقليم محدد، في حين أن الفلسطينيين ما زالوا لم يحققوا ذاتهم الوطنية في إقليم خاص، بل إنهم يصارعون على شرعيتهم في الخريطة الدولية، وفي مواجهة محاولة الطمس والإلغاء الإسرائيلية. كذلك فإن سوريا لم تتعاط بشكل ملائم مع تبلور الهوية والكيانية الوطنية الفلسطينية، ولم تقدر أهميتها في الصراع لتحجيم المشروع الصهيوني الذي قام في احد مرتكزاته التأسيسية على تغييب الشعب الفلسطيني، من المكان والزمان، أي من الجغرافيا والرواية التاريخية. وقد أدى هذا الفهم، فيما بعد، معطوفا على الخلاف بين القيادتين الفلسطينية والسورية، إلى تحفّظ سوريا، عن قرار مجلس الأمن (رقم 1397 ـ آذار 2002) الخاص بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم، على الرغم من انه أول قرار من نوعه يصدر عن هذا المجلس.
ثانيا، أخذت سوريا على القيادة الفلسطـــينية توقيعها اتفاق أوسلو (1993) من خارج المفاوضات التي انبثقت عن مؤتمر مدريد، ومن دون المشاورة أو التنسيق مع العرب المعنيين. وبالطبع فإن من حق سوريا على الفلسطينيين أن ينّـــسقوا معها وأن يشاركوها القرار، لكن القيادة الفلسطينية، بطريقة إدارتها للأوضاع، لم تتجاوز سوريا وحدها، وإنما تجاوزت المؤسسات الشرعية الفلسطينية ذاتها، وهذا ما يؤخذ عليها حقا.
في أي حال فقد كان يمكن تجاوز هذا الأمر، بالعمل على تجاوز سلبيات اتفاقات أوسلو المجحفة والمذلة، خصوصا أن سوريا كانت تتوقع عدم التزام إسرائيل استحقاقات هذا الاتفاق، لأسباب تتعلق بعدم جديتها في عملية التسوية، والخلافات بين تياراتها على هذا الموضوع.
مشكلة الموقف السوري هنا أنه لم يحاول تفهم التبريرات التي قدمتها القيادة الفلسطينية لعقد اتفاق أوسلو، ومن ضمنها: 1) الحفاظ على الكيانية الفلسطينية بعد تغير المعادلات الدولية الإقليمية، على خلفية انهيار الاتحاد السوفياتي (السابق) والتداعيات الإقليمية الناجمة عن حرب الخليج الثانية وتفكك الوضع العربي. 2) إن اتفاق أوسلو هو مجرد اتفاق على المرحلة الانتقالية، وهو ليس اتفاقا نهائيا لإنهاء الـــصراع مع إسرائيل (ما يستوجب موقفا عربيا موحدا)، في حين أن طبـــيعة المفاوضات بين سوريا وإسرائيل تتعلق بالتسوية النهائية بينهما. 3) ثمة فارق بين الموقف التفاوضي السوري والفلسطيني، فسوريا بلد قائم، وهي جزء من الشرعية الدولية ومن منظومة الأمم المتحدة، وهي تعاني مشكلة الاحتلال لبقعة من أراضيها، ومن مخاطر الوجود الإسرائيلي على جزء من تخومها الجنوبية، ولكن مشكلة الفلسطينيين تتجسد في أنهم يصارعون من أجل بقائهم كشعب على الخريطة الجغرافية والسياسية. ومن المعروف أن الأراضي السورية المحتلة في هضبة الجولان تختلف في مكانتها، بالنسبة إلى إسرائيل والإسرائيليين، عن الضفة الغربية، التي يعتبرها الإسرائيليون جزءا مما يسمى «أرض الميعاد».
ثمة أمثلة عدة لمكانة سوريا والفلسطينيين بالنسبة إلى إسرائيل في عملية التسوية والصراع معها، فالتسوية السورية ـ الإسرائيلية تتعلق بالحدود، وبالدور السياسي الإقليمي أو الوظيفي لإسرائيل في المنطقة، في حين أنها مع الفلسطينيين ترغم إسرائيل على مراجعة مرتكزاتها الصهيونية ومبررات وجودها وإعادة تعريف هويتها وحدودها الجغرافية والسياسية، وهو ما يفسر التعقيد الحاصل في هذه التسوية.
بمعنى آخر كان في إمكان سوريا التلاقي مع القيادة الفلسطينية في منتصف الطريق، من خلال تفهم مسوغاتها القائمة على سياسة تحصيل ما يمكن تحصيله. وبديهي أن القيادة الفلسطينية بدورها تتحمل مسؤولية كبيرة عن الخلل في العلاقة مع سوريا كونها لم تعمل على تهدئة المخاوف السورية، بل أدارت الظهر لها.
في هذا الإطار من الجدير ان نتذكر أن العرب عندما ذهبوا إلى مؤتمر مدريد قبلوا (ولو مضطرين) شروط عقده ومنها: التأكيد على أن المفاوضات ثنائية، أي بين أي وفد عربي وإسرائيل على حدة، وأن لا ترابط بين المفاوضات الثنائية المتعلقة بالأرض، والمفاوضات المتعددة الطرف المتعلقة بالتعاون الإقليمي. والمشكلة فوق ما تقدم أن النظام العربي ذهب إلى هذا المؤتمر من دون أن يكون الفلسطينيون ممثلين بوفد مستقل وعلى قدم المساواة مع الوفود الأخرى، فقد جاؤوا إلى المؤتمر ضمن الوفد الأردني، وهو ما أثار حفيظة القيادة الفلسطينية، ودفعها، بين أسباب أخرى، للالتفاف، على مسارات مؤتمر مدريد، وعقد اتفاق أوسلو السري والمجحف.
ثالثا: ثمة بعد آخر للحساسية في العلاقة السورية ـ الفلسطينية، فسوريا ليست مجرد بلد مهم له رأي في السياسة الفلسطينية، وإنما لديها، أيضا بعد داخلي في الساحة الفلسطينية، من خلال وجود تجمع كبير للاجئين الفلسطينيين يناهز النصف مليون نسمة مع وجود تمثيلات لقوى سياسية فلسطينية فوق أرضها وتتماثل مع سياساتها في الشأن الفلسطيني.
المفارقة أن القوى الفلسطينية المحسوبة على السياسة السورية لم تستطع تعزيز حضورها أو دورها في المجتمع الفلسطيني، أكان ذلك في الداخل أو في الخارج، ولم تستطع تأكيد دورها في ساحة الصراع ضد إسرائيل، في حين أنها ظلت تركز دورها في معارضة القيادة الفلسطينية، أي قيادة فتح.
هكذا باتت هذه القوى عبئا على سوريا، الأمر الذي كان ينبغي معالجته بطريقة ملائمة، بما يخدم نشوء علاقات سورية ـ فلسطينية سليمة، وبما يخدم التطور السياسي في الساحة الفلسطينية.
رابعا: كان الاحتكاك السوري ـ الفلسطيني في لبنان هو الأشد خطراً في تاريخ العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وبديهي ان طبيعة الوجود الفلسطيني في لبنان (الذي كان دولة داخل دولة) بدا كأنه على حساب سوريا في لبنان، في حين كانت قيادة منظمة التحرير تتخوف من تزايد النفوذ السوري في لبنان، لأنه يحرمها حرية الحركة في ساحة عملها المستقلة. وفي هذا الإطار جاءت الحرب الأهلية اللبنانية، والمداخلات السورية ـ اللبنانية، لتزيد من مخاوف الجانبين، ولتفتح جرحا نازفا في ملف العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية.
خامسا: لايمكننا ان نتجاوز ان ثـــمة جوانب شخصية كان لها شأن في توتر العلاقات الفلسطينية ـ السورية، إذ لم يكن يوجد أي نوع من الكيمياء المشتركة بين الرئيس السوري حافظ الأسد، وبين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فلكل منهما شخصيته الخاصة، ولكل منه فهمه الخاص، وطريقته في العمل.
ثمة أهمية كبيــرة لإيـــجاد مقاربـــة سياســـية للعـــلاقات الفلسطينية - السورية، ولكن ذلك ينبغي ان ينطلق من اعتراف الطرفين المعنيين بالمسؤولية عن التوتر، (أو الفتور)، الذي شاب العلاقات بينهما في المرحلة الماضية، والذي لم يخدم أي منهما، في الصراع مع عدوهما المشترك إسرائيل. وهذه المقاربة ينبغي أن تنطلق من ضرورة تفهم الطرفين اختلاف الظروف الذاتية والموضوعية لكل منهما، في إطار معادلات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، سعيا لإيجاد القواسم المشتركة والبناء عليها. والقصد ان في امكان هاتين الوطنيتين ان تعملا بطريقة تعاضدية وتكاملية، بدلا من العمل بطريقة خلافية وتنافسية.