| 

التقيت المجاهد عبد القادر الحسيني في فلسطين والعراق ودمشق، في أيام الإعداد للجهاد في فلسطين وثم كان اللقاء الأخير معه ايام وضعنا تحت التدريب في بلدة قطنا، حيث ذهبت وإياه لمقابلة قريبه الحاج أمين الحسيني، والشيخ مصطفى السباعي، لنذهب معا لمقابلة رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، كي نشكو له عدم تجاوب اللجنة العسكرية مع ارسال جنود له ليدافع عن القدس، بعد ان سقطت بلدة القسطل في طريق حيفا، والقدس بيد المجموعات الصهيونية، وهم بذلك سيتمكنون من تأمين طريق القدس للصهاينة.
خرجت معه على موعد مع الحاج أمين والشيخ السباعي في مركز الاخوان بدمشق، ووصلنا إلى القصر الجمهوري ودخلنا جميعا على رئيس الجمهورية مباشرة، وتكلم الحاج أمين عن نقص القوة العسكرية الموجودة في القدس لدى الغرب، وان اللجنة العربية العسكرية أرسلت قوة عسكرية لا بأس بها، وجمدت في نابلس وشمال فلسطين، وتركت منطقة القدس خالية من العسكر.
فتكلم الرئيس بالهاتف مع احدى الجهات، ونصح بتأمين قوة تذهب مع عبد القادر الحسيني إلى القدس.
وأجابت الجهة: ان ليس عندهم إلا 55 مقاتلاً من الاخوان المسلمين، وتقريبا 150 بندقية سترسل مع عبد القادر.
ولكن ننتظر قوة من العراق ستلحق بهم قريبا؟
وقال لنا شكري بك لهذا الكلام الهاتفي، مظهراً أسفه الشديد.
خرجنا من عند شكري بك بمثل هذا الوعد، وبعد المغرب رجعنا إلى فندق الشرق، وهنا غادر الحاج أمين إلى الفندق مع الشيخ السباعي، وذهبت مع المجاهد عبد القادر إلى بلدة «قادسية» حيث قابل عبد القادر اللجنة العسكرية المختلطة ـ وأنا معه ـ وعددا من القادة العراقيين والسوريين، وافهموه بأن القوة التي تكلم عنها شكري بك اعطت وعدا انها ستسافر معه إلى القدس.
وفعلا في اليوم الثاني ظهرا ذهبت إلى «قطنا» وجندت 55 مجنداً برئاسة الملازم عبد الرحمن الملوحي.
وأدخلنا معنا 10 بطريقة تتطلب الزيادة بصورة غير رسمية.
ثم غادرنا إلى عمان، بعد ان اعطوني سيارة بيك أب فيها أسلحة.
ولما وصلنا إلى جسر الملك حسين، منعنا من الدخول إلى فلسطين، وهنا جاء المجاهد عبد القادر، وتكلم مع قائد القوة الانكليزية العسكرية، فسمح لنا بالدخول، وكان الوقت ضحى.
دخلنا إلى فلسطين، ولما وصلنا قريبا من «النبي موسى» ومحطة بيت العلمي، توقف عبد القادر ومعه مجموعة وسلموا علينا.
وقدمت لعبد القادر سيارة بيك أب، التي فيها السلاح المقدر بـ150 بندقية (من المصادرات) فنظر إليها وقال التالي:
يا شيخ زهير: هل هذه تصلح لمقاتلة اليهود، ـ وكادت عينه تدمع ـ فقلت: لا، وكادت عيني ان تدمع.
وطلب من الذين معه نقل السيارة إلى المدرسة الميمونية غربي القدس داخل السور، وطلب إليهم إرسالنا إلى مدرسة الروضة المجاورة للحرم القدسي التي كان لها من الشمال مدخل من طريق الآلام!
وفعلا نزلت جماعتنا إليها، وبعضهم ذهب للصلاة، والبعض إلى النوم حتى بعد الظهر، وذهب بعضنا إلى قضاء حوائجه. فجأة سمعنا كلمات تعلو «النجدة... النجدة...» فذهبنا وبقي 10 من مجمعنا، وخرجنا بخمسين مقاتلا إلى السيارات، ومعنا الملازم عبد الرحمن الملوحي، ورائد سوري من أهل اللاذقية من آل الصوفي.
ووصلنا إلى بلدة «عين كارم» بلدة مولد السيدة مريم أم السيد المسيح عليهما السلام، ونزلنا في مكانين منها، وقدم لنا أهل البلدة عشاء.
وذهب أكثرنا إلى النوم لمدة اربع ساعات، ثم جرى النداء علينا للذهاب إلى «قرية القسطل». وهنا انقسمنا فرقتين، الأولى فيها الملازم الملوحي ومعه ما لا يقل عن عشرين أخاً بطريق الوادي إلى قرية القسطل.
وذهبت مع الأخ كامل حتاحت، والأخ نجيب مجيد آغا من طريق الجبل، ولكن في فريقنا اعترضنا اطلاق النار من قبل الصهاينة فقمنا بالرد عليهم لمدة ساعتين حتى أسكتناهم. ووجدنا ان اكثر البنادق التي معنا، والتي سلمت إلينا في قطنا أكثرها «لا يعمل».
استشهاد عبد القادر
ولما وصلنا إلى القسطل وجدنا اخواننا والأهالي معهم من أهل فلسطين قد وصلوا قبلنا، ووجدنا من الأهالي ما لا يقل عن 3000 شخص واكثرهم ليس لديه سلاح. وعلمنا ساعتها ان عبد القادر قد سقط شهيداً، عليه رحمة الله، وهو داخل بلدة القسطل، وجرت محاولة إخراجه لنقله إلى القدس.
ووجدنا ان الهيئة العربية العليا وضعت صناديق كبيرة فيها خراطيش متنوعة الأنواع، وكل نوع موجود بصندوق مميز حتى يأخذ المقاتل ما يريد منها، ويأخذ من يملك السلاح ما يريد من الذخيرة، ولكن لم يوزعوا أسلحة.
في ذلك الوقت قامت طائرات وألقت علينا بعض القنابل، ولكنها كانت تنفجر فوقنا من غير أي اتصال إلينا، ثم ذهبت الطائرات.
وبعد ذلك ذهب الناس إلى قراهم، وقبل المغرب لم يبق احد من الناس حيث ذهب أهل كل قرية إلى قريته.
لم يوجد من يحمي «القسطل» إلا نحو 15 شخصا، بقيادة الأخ الشيخ حامد التميمي ـ من أهل الخليل، وكان معه 14 شخصا و6 بنادق وقليل من الذخيرة. وعلمنا بعد ان رجعنا إلى عين كارم ان اليهود عادوا وأخرجوه من القسطل مع جماعته. وفي الليل سمعنا اطلاق نار كثيف من «دير ياسين» وفي الصباح جاء سكان القرية يجأرون بالبكاء والعويل، وأخبرونا بما أصابهم من قتل وتشريد على أيدي اليهود.
أردنا الهجوم على الصهاينة، غير ان القيادة افهمتنا اننا اقل تسليحا منهم، واننا لن نستطيع مقاتلتهم، وعلينا الذهاب إلى القدس (لدفن عبد القادر) وكان يوم الاربعاء، وفعلا ذهبنا إلى القدس من طرق غير التي جئنا منها، ووصلنا قبل فجر الجمعة إلى القدس. وحضرنا جنازة عبد القادر التي دام فيها التشييع حتى بعد العصر (ولم يبق من يسمع الخطب إلا عدد قليل جدا) حيث ذهب العدد الأكبر من الأهالي إلى قراهم خوفا من احتلال اليهود لقراهم.
القطمون
في مساء ذلك اليوم الجمعة، تابعنا إلى القطمون، وارجعتنا سيارة، وكنا فيها 16 مقاتلاً تقريباً، وفي الطريق سقط منا الشهيد الرقيب ابو ابراهيم الذي تدرّب في الجيش الفرنسي، وهو من قرية ارمناز قرب إدلب.
ولما وصلنا إلى القطمون وهي مجموعة بيوت جميلة، تركها سكانها وغادروا إلى نواحي البلاد، نزلنا في بيت كان يستخدمه الانكليز كناد رياضي لهم، ووجدنا فيه الألعاب الرياضية في جميع نواحي البيت، كما وجدنا كهرباء في البيت مع انها مقطوعة من كل المنطقة، وغير ذلك من نواحي الحياة.
وقد عثرنا في البيت على عشرات الدجاجات، وانفرد الاخوة بذبح بعضها لتطبخ مع خاروف جاءنا به معالي الأستاذ أحمد حلمي عبد الباقي، الذي صار رئيس حكومة عموم فلسطين بعد ذلك.
غير ان الأخ كامل حتاحت رفض ذلك واخرج الدجاج وألقاه إلى الكلاب والقطط، لاننا لا يجوز لنا أكل شيء من البيت.
كما وجدنا في الحرش 200 مقاتل مع المجاهد حامد أبو دية، وكان حلاقاً من قبل، وتدرب بأمر الحاج أمين الحسيني في ألمانيا.
كذلك وجدنا فريقاً أردنياً بقيادة الشيخ مشهور حمود حيمور وهو من عائلة اصلها لبنانية (قرية القرعون) وجده لأمه الشاعر المشهور الشيخ طراف حيمور. وسبق ان اجتمعت إليه في «قطنا» وقبل ذلك عند خالي عز الدين رحمون في «اربد» وعمان.
وفي 15 أيار 1948 جاء الانكليز مع اليهود واخرجونا من القطمون، ولم نستطع المقاومة لان الانكليز تقدموا إليها بالمصفحات وأخرجونا من منطقة القطمون إلى منطقة (الزون) ومنها إلى القدس.
ولما دخلنا القدس قررنا الهجوم على حارة اليهود، وكان فيها عدد كبير جدا منهم، تحت حماية وحراسة كبيرة، ودخلنا عليهم. وقد ساعدتنا مجموعة من الجيش الأردني برئاسة القائد عبد الله التل، وقائد المدفعية إحسان الحلواني. وكانت بيوتهم ـ اليهود ـ محصنة، ومع ذلك دخلنا رغم الحراسة، ووجدنا عندهم فواكه وخضاراً طازجة، وكانت البيوت محصنة كلها، مما يؤكد ويدل على وجود منافذ لهم لم نعرفها. كما وجدنا كنيساً كبيراً لهم يسمى «قدس الأقداس» وفيه التوراة ملفوفة بالقماش وهي مكتوبة على الجلود. ووجدنا معهم بنات يقاتلن مع الرجال، وسلمهم الشيخ مصطفى السباعي إلى الجيش الأردني (الذي ارسلهم حيث أراد الملك عبد الله ـ إلى رئيس بلدية القدس اليهودي)، وبقي معنا عدد من الاسرى اليهود، وبعد مقتل أخينا الطبيب تيسير طه، هجم عليهم الاخوان، وقتلوا منهم 7 وجرحوا عشرة، ثم جاء الجيش الأردني وسلمهم إلى البلدية.
رجوع باقي المجموعة إلى دمشق
جاءت الأوامر بأن ننسحب إلى دمشق لنقاتل في الجبهة السورية والجبهة اللبنانية. فخرج الشيخ مصطفى السباعي، ومعه مجموعتنا (التي سقط فيها أكثر من 20 شهيداً) وكان منهم من التحق بنا من دمشق، ومنهم الشيخ سعيد ابو شعر، والمهندس عدنان الخولي، وعدد آخر من أهل فلسطين، وكان عددهم أكثر من 40، واستشهد منهم العالم راضي الجواهري ـ رحمه الله ـ.
ولما رجع أفراد المجموعة إلى دمشق، سبقهم الجيش وأخذ أسلحتهم منهم على أمل ان تسلم لهم عند إرسالهم للجبهة قريباً. ولكن هذا الارسال لم يتم.
أما أنا والأخ كامل حتاحت والأخ ضيف الله مراد والحاج أديب اللحام فقد رفضنا الرجوع وبقينا في القدس، وبعد ايام طلب الجيش الأردني منا الخروج من القدس. وفعلا خرجنا إلى منطقة وجود اخواننا المصريين في صور باهر حيث استشهد الأخ ضيف الله مراد، وأصيب الأخ أديب اللحام في عينه ورجع إلى دمشق، وبقيت أنا وكامل، وقاتلنا مع القائد فوزي القطب. ثم بقينا حتى أواخر سنة 1949م مع القائد القطب نقاتل اليهود ومعنا مجموعة من أهل الخليل وأهل سواحل فلسطين من آل الجاعوني، وكنا ندخل إلى فلسطين ويدخل معنا بعض من أهل البلد ليأخذ بعض متاعه الذي سبق ودفنه.
وكنا نقوم بقطع سكة الحديد للقطار الداخل من القدس إلى حيفا وغيرها، كما نقوم بنسف الجسور كلها مع العبارات في الطرق البرية، ونلقى بعض الصعوبات القليلة وننتصر عليها.
وكان أكثر خروج لنا من بلدة الخضر وكان فيها مستشفى للمجانين، فيه عرب ويهود. وكذلك كنا نخرج إلى عدد من القرى التي هاجر أهلها ومنها بلدة دير أبان شرقي بلدة الخضر، وكنا نقوم بوضع الألغام في الاماكن وتنفجر باليهود، كما نقوم بنسف الجسور الكبيرة بالحشوة الكبيرة وتردم.
لما رجعنا إلى دمشق وجدنا ان اكثرية الأرض الفلسطينية ما زالت بأيدي العرب حتى جاءت الانقلابات العسكرية وكان أولها حسني الزعيم وبعده سامي الحناوي، وبعده مجموعة من توزعوا على مختلف القطاعات العسكرية.
ويومها عرفنا ان ينابيع المياه اللبنانية يشرب منها يهود البحر الميت، قبل ان يشرب منها لبنان وسورية وجبل الشيخ.