| 

في صيف 1988 كلفــني الدكــتور أنيــس صايغ متابعة فهرسة القسم العام من الموسوعة الفلسطينــية، والمشاركة في الفهرسة في مقر الموسوعة في دمشق. وكنــت، بعد انتهاء الدوام اليومي، أجول في أحياء دمشق القديمــة لاكتــشاف أسرار هذه المدينة العابقة بالسحر وبالتاريخ وبالعــظمة. وقادتني خطواتي إلى حارة اليهود، ورحت أجــوس في جنباتها، وأحدق في وجوه سكانها وفي ملامحهم وحــركاتهم لعلني أجد ما يختلفون فيه عنا. والحقيقة أنني قلــما عثرت على هذه الفوارق. غير أن ما شكل لي اكتشافاً (موقتــاً) هــو ان الملصقات الفلسطينية، التي تنعى شهيداً من هذه المنظمة أو ذاك الفصيل، كانت تغطي جدران حارة اليهود. واكتشفت أن اللهجة الفلسطينية مأنوسة جداً في هــذه الحارة، واعتقدت أن بعض اليهود في هذه الحارة ربــما كان من أصول فلسطينية. واستنتجت، استنتاجاً متــسرعاً، أن الفلسطينيين في سوريا لا دأب لهم إلى إغاظــة اليــهود واستفزازهم بتعليق ملصقاتهم على جدران منازلهم وعلــى أبواب محالهم. وقد نقلت هذا الانطباع إلى أصدقائــي في الموسوعة، وبالتحديد إلى راغدة رستم ومضر مرعشــلي وعبد الله المصري، فابتسموا وشرحوا لــي الأمــر بالقــول: لا استفزاز ولا إغاظة على الإطلاق، وكل ما في الأمر أن عدداً وافراً من الفلسطينيين يعيشون في حارة اليهود بالفــعل. أما السبب فهو أن في سوريا قانوناً قديماً صدر في أثنــاء تفــاقم هروب اليهــود بطريقة غير شرعية إلى إسرائيل عبر الأراضي اللبنانية، ينص علــى إعطاء منزل اليهودي الذي يتسلل إلى إسرائيل لأحد الفلــسطينيين اللاجئــين إلى سوريا. ثم بالتراكم التدريجي صارت حارة اليهود تغــص باللاجئين الفلسطينيين ودكــاكينهم وملصــقاتهم، الأمر الذي أثار الالتباس لدي. وقـــد عاشــت الجماعتان فــي هذه الحارة، حتى مغادرة معــظم اليهود سوريا في وئـام وســلام ومـن دون أي استفـزاز أو استنـفار أو صــراع.
ص.أ.ف.