في أواخر آب 1936 جاء إلى دمشق من فلسطين وفد يمثل الوكالة اليهودية مؤلف من إلياهو إيلات موفداً من رئيس الوكالة حاييم وايزمن، وأمين سرها موسى شرتوك (الذي أصبح اسمه موشيه شاريت في ما بعد، وتقلد في الدولة اليهودية منصب وزير الخارجية ثم منصب رئيس الوزراء)، وعضو الوكالة إلياهو ساسون (يهودي أصله من حلب تقلد في الدولة اليهودية في ما بعد منصب وزير المالية). وكان التنقل بين فلسطين وسوريا ميسوراً.
طلب هذا الوفد مقابلة شكري القوتلي، فاستغرب هذا الطلب، فقال له رئيس الوفد ان زعماء الكتلة الوطنية يقومون الآن بالتفاوض مع الجانب الفرنسي في باريس وأنت تمثل الكتلة الوطنية التي تضم جميع الزعماء والوطنيين المخلصين من سوريا، جئنا للتفاهم معكم. ثم أضاف: نــحن اليــهود وأنــتم العرب أبناء عم ومن فصيلة واحدة، وعندما كان الغرب يضطهدنا كنا نلجأ إليكم فنجد عندكم الأمان وحسن الاستقبال وأفضل معاملة. نحن الآن نتقاتل مع إخوانكم وإخواننا العرب في فلسطين بينما عدونا وعدوكم واحد وهما بريطانيا وفرنسا. أنتم تريدون معاهدة شبيهة بالمعاهدة البريطانية ـ العراقية، ونحن، بما لنا من نفوذ في فرنسا، نستطيع أن نؤمن لكم معاهدة أفضل بكثير من تلك المعاهدة، ثم اننا نعلم انك تعمل جاهداً في سبيل استقلال سوريأ وفي سبيل توحيد الدول العربية، ونحن بما لنا من خبرة ومال وأثر دولي نستطيع أن نساعدكم على تحقيق هذه الوحدة وجعلها قوة عالمية.
قال له شكري القوتلي: وماذا تريدون مقابل هذه المساعدة؟
قال إلياهو إيلات: تعلمون ان القدس بالنسبة لنا مكان مقدس، يريد اليهود أن يؤموه للصلاة والحج أو يموتوا في كنفها، فنرجو أن تسمحوا لهم بالمجيء.
قال القوتلي: وهل تريدون أن يأتيها جميع يهود العالم؟
قال إيلات: كلا، ان اليهود حيث هم الآن مرتاحون مسرورون بإقامتهم في أوروبا وأميركا، نرجو ان تسمحوا لعدد منهم، مليون أو مليونين أو ثلاثة ملايين أو أربعة ملايين على الأكثر.
قال له القوتلي: وكم عددكم في بريطانيا وفي فرنسا؟
قال إيلات: ما يقرب من نصف مليون في كل منهما.
قال القوتلي: نصف مليون في بريطانيا وتسيطرون على أكبر امبراطورية لا تغيب الشمس عن مستعمراتها، ونصف مليون في فرنسا وتسيطرون على ثاني أكبر امبراطورية في العالم. تريدون أن تأتوا بأربعة ملايين يهودي إلى فلسطين وتساعدونا لإقامة وحدة عربية من ثمانين مليون فقير جاهل لتسيطروا عليها؟! انكم لن تجدوا عربياً واحداً يقبل بكم، فتفضلوا وانصرفوا.
قال له إلياهو ساسون: إن لم تقبلوا بما نعرضه عليكم الآن، فستكونون من النادمين، ولن تمر المعاهدة مع فرنسا.
قال له القوتلي: إن كنتم تستطيعون توقيفها فأوقفوها. وكانت قد وردته أخبار من الوفد في باريس أن المعاهدة ستوقع خلال العشر الأول من أيلول، وأعاد: لن يقبل بكم إنسان في العالم العربي مهما بلغت قوتكم وبلغ تأثيركم. انصرفوا.
فانصرفوا منزعجين!
عاد الوفد السوري بعد توقيعه المعاهدة مكللاً بالغار، وجرى له استقبال حافل من حلب إلى دمشق وكانت فرحة كبرى لدى الجميع.
اجتمع مجلس النواب السوري وصادق على المعاهدة بتاريخ 22 كانون الأول 1936، أما في فرنسا، فإن الجمعية الوطنية (مجلس النواب) تلكأت بالتصديق عليها مما اضطر جميل مردم بك للسفر ثلاث مرات إلى باريس لبحث الموضوع مع الحكومة الفرنسية، ورغم ذلك لم تصدق الجمعية الوطنية المعاهدة التي بقيت حبراً على ورق، وكان اليهود دوماً وراء عدم التصديق عليها!..