| 

لعل اقرب توصيف يلخص جوهر العلاقة بين الأردن وحركة حماس، عبر أكثر من عقدين من الزمان، أنها علاقة قلقة، غالبا ما يحسم وجهة تطورها عوامل خارجية، ليست ذات ارتباط مباشر بمصالح الطرفين، أو قراءتهما الخاصة للخارطة السياسة وتفاعلاتها.
فمن جهة ثمة قراءة أردنية رسمية وشعبية، ترى أن العلاقة مع حركة حماس، توفر جملة من المزايا لا يجوز إهدارها، وان ثمة فرصة للاستثمار في العلاقة مع الحركة لا يجوز إضاعتها، وإن اختلفت الرؤى السياسية بين الأردن وحماس، في طريقة حل القضية الفلسطينية أو في طبيعة الموقف من دولة الاحتلال الإسرائيلي. وقد مارس الحكم في الأردن إدارة علاقة متقدمة، مع حركة حماس بين العامين 1992 و1999، في ذروة انخراط الأردن مع آخرين في مشروع التسوية.
وهنا المفارقة، إن تلك الفترة التي سادت فيها مراهنة مبالغ فيها على مشروع التسوية، شهدت ترسيما للعلاقة بين الأردن و«حماس»، قطعت شوطا كبيرا في ترسيم الخطى، والتفاهم على الكثير من عناوين التقاطع بين الطرفين، وصولا لاحتضان عمان لوجود المكتب السياسي والإعلامي للحركة وبصورة معلنة، وتدخل الملك حسين للإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، بعيد المحاولة الفاشلة لاغتيال خالد مشعل في عمان من قبل الموساد الإسرائيلي، وتاليا استقبال د. موسى أبو مرزوق بعد اعتقاله وطرده من الولايات المتحدة، فيما تعمقت القطيعة بين الأردن و«حماس» في ذروة إخفاق عملية التسوية، وغياب المراهنة على إمكانية انجازها لأي اختراق على صعيد الحل السياسي.
وفي كل الأحوال، فإن أي مقاربة لفك طلسم هذا التشابك غير المفهوم، «من انفتاح وتواصل يبدو انه في غير وقته وسياقه»، أو «قطيعة وانفصال لا تجدان لهما تبريرا أو تفسيرا ضمن منطق تبادل المصالح»، ستضعنا أمام ثلاث مراحل من تطور العلاقة بين «حماس» والأردن، لكل منها سماتها وخصائصها وظروفها الموضوعية والذاتية الخاصة..
الأولى: مرحلة الانفتاح والاستثمار في العلاقة، بين العامين 1992 و 1999.
الثانية: مرحلة القطيعة والمخاصمة، ما بين العامين 2000 و2008.
الثالثة: مرحلة اللايقين في العلاقة، من العام 2008 وحتى تاريخه.
وعبر التدقيق، ومحاولة استكشاف التمايزات والتباينات، بين كل واحدة من هذه المراحل، يمكن تلمس أن المرحلة الأولى، جاءت نتاجا لسياسة اختطها الملك حسين، كانت تتعاطى مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أردنية داخلية، وربما شاب هذه المرحلة نوع من التنافس مع منظمة التحرير الفلسطينية، دون إغفال أن مكوث الملك حسين، عقودا طويلة في الحكم، منحه هامشا سياسيا واسعا للتحرك، ضمن علاقته مع الإدارة الأميركية والغرب، وهو ما سمح له بأن يجترح تلك المقاربة من العلاقة المفتوحة مع «حماس»، في ذروة الاشتباك السياسي على صعيد التسوية، ولعله استطاع تسويق خطوته تلك، لدى حلفائه الغربيين، مستفيدا من قناعة غربية كانت ترى في حينه إن احتضان الأردن لحركة حماس، أهون الشرين، باعتبار أن لجوء «حماس» إلى سوريا وإيران سيدفع بها لمزيد من التطرف، فيما وجودها في عمان قد يسهم في اعتدالها، وربما المراهنة على انخراطها في العملية السياسية وفق الشروط الأميركية.
آما في المرحلة الثانية، فكان واضحا أن تغييرا جوهريا طرأ على السياسة الأردنية، سواء على صعيد الأداء العام الذي أعطى الأولوية للعنوان الاقتصادي على السياسي، أو فيما يخص القضية الفلسطينية، الذي كان واضحا أن العهد الجديد ينأى بنفسه عن التدخل في تفاصيل الوضع الفلسطيني، وصولا لإعادة إنتاج العلاقة مع قيادة منظمة التحرير من موضع مختلف، غاب عنه البعد التنافسي، وربما مهد لهذه العلاقة التشاركية أن قيادة م.ت.ف، أعادت إنتاج علاقاتها مع واشنطن من موقع التحالف لا التعارض، والانخراط الكلي في العملية السياسية وفق المنظور الأميركي، ما يجعل الأردن وم.ت.ف عمليا موجودين في ذات المربع السياسي، تسوية وعلاقات مع واشنطن.
ودون إغفال أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001، أسهمت بصورة كبيرة في استمرار وتعزيز القطيعة بين الأردن و«حماس»، حيث اختارت الحكومة الأردنية الانخراط بفعالية في البرنامج الأميركي للحرب على «الإرهاب»، وبما أن واشنطن تصنف حركة حماس ضمن قائمتها للمنظمات الارهابية، فقد كان واضحا أن الالتزام الأردني تجاه أميركا وبرنامجها، لم يكن يسمح باجتراح علاقة مع «حماس»، وتحديدا في ذروة اشتباك هذه الأخيرة في حرب دموية مع الاحتلال الإسرائيلي، فيما عرف بانتفاضة الأقصى.
بالطبع لا يمكن إغفال أن ثمة مراكز قوى، ضمن منظومة الحكم في الأردن، كانت تكن عداء قديما للحركة الإسلامية، وجدت فرصتها بعيد أحداث سبتمبر، فمارست تحريضا كبيرا على الحركة الإسلامية، وامتدادها الفلسطيني حركة حماس، ما أسهم في تأجيج الوضع، ورسم صورة مبالغ فيها للقطيعة، دون استبانة أسباب جوهرية لهذا الموقف، ذات ارتباط بالمصلحة الأردنية أو من سلوك «حماس» ضد الأردن، وعلى نحو عكس انفصاما في سلوك الحكومة الأردنية، مقارنة مع سلوك دول عربية اهرى، تتشارك مع الأردن في الموقف من التسوية وفي العلاقة مع واشنطن، كمصر والسعودية، اللتين أقامتا شكلا من العلاقة مع «حماس»، كان خليطا من التعاون والحذر.
منذ العام 2008 أمكن رصد تحول في سياق تطور علاقة الأردن مع حماس، حيث شهدت الفترة اللاحقة ثلاث محاولات لفتح حوار مع حركة حماس، لم تكمل واحدة منها الدائرة في رسم صيغة عملية للعلاقة بين الطرفين، لعل أوضح هذه المحاولات، تلك التي جرت في العام 2008 ، وبادر بها المدير السابق لجهاز المخابرات الأردنية محمد الذهبي، وجاءت - كما يبدو - نتيجة تبلور مفهوم جديد لمنظور الأمن القومي الأردني، وتحديدا ما يخص العلاقة مع القضية الفلسطينية، ومواجهة التهديدات الإسرائيلية ضد الأردن، بعيد صعود اليمين الإسرائيلي للحكم، حيث تشكلت لدى كثيرين في المؤسسة الرسمية الأردنية وجزئها الأمني، قناعة أن العلاقة مع «حماس» تشكل خط دفاع متقدما عن الأمن الأردني، وتحديدا لموقفها الواضح من رفض احتلال الضفة، وسعيها لمقاومة الاحتلال، ورفضها الصريح إهدار حق عودة اللاجئين، وموقفها الصارم من رفض الوطن البديل، وهي القضايا التي ينظر لها بأنها ذات تماس مع الوضع الأردني جغرافيا وديموغرافيا.
ناهيك أن الشعور المتزايد بانسداد أفق التسوية، وتزايد المخاوف من التهديدات التي يحملها وصول اليمين الاسرائيلي للحكم على الأردن، وعجز السلطة في رام الله عن الخروج من الترتيبات الإسرائيلية، تفرض ضرورة أن تتعاطى السياسة الأردنية بقدر من التوازن إزاء الفرقاء الفلسطينيين، وعدم الدخول في لعبة الأحلاف المضرة سياسيا.
ولعل حاجة الأردن لترتيب أوضاعه الداخلية، في تلك الحقبة، على خلفية من تصاعد أزمته الاقتصادية والاجتماعية وتزايد التهديدات الخارجية، قادت للتفكير بضرورة الانفتاح والتفاهم مع الحركة السلامية الأردنية، لتحصين الجبهة الداخلية، وهو ما لا يتناسب مع برنامج القطيعة والإقصاء في العلاقة مع حركة حماس.
هذا وسواه أسهم في ولادة أول محاولة للانفتاح على «حماس»، عكست حوارا معمقا بين الطرفين، ولعبت دورا في بلورة أساس نظري للعلاقة بينهما، لم ير النور، بسبب ضغوط كبيرة، إقليمية ودولية، مورست على الأردن، وأسهمت في النهاية في إجهاض المحاولة، والإطاحة تاليا بمدير المخابرات محمد الذهبي، بعيد انطلاق العدوان على غزة، فيما عرف بحملة الرصاص المصبوب العام 2009، والتي كان مخططا لها أن تضع حدا لسيطرة «حماس» في القطاع، وأن تسهم في كسر ظهر الحركة، وإخراجها من معادلة التأثير في القرار الفلسطيني، وهو ما لا يتناسب مع سياسة الانفتاح على «حماس».
بعد هذه المحاولة، جرت محاولتان لفتح الحوار مجددا، بفارق زمني بين كل واحدة والأخرى يصل إلى نحو العام، إلا أن أي واحدة منهما لم تخرج عن دائرة جس النبض، وحملة العلاقات العامة غير مفهومة الأسباب والدوافع.
وبعيدا عن تداعيات التاريخ وتباينات السياسة، فالملاحظ في الأسابيع الخيرة، أن هناك حراكا أردنيا جديدا، يهدف إلى إعادة المحاولة لفتح خط العلاقة مع «حماس»، ولكن هذه المرة- كما يبدو- في إطار مختلف، حيث أن قراءة المشهد العربي، بعيد حراك الشعوب العربية وسعيها نحو التغيير، يؤشر أننا بإزاء واقع جديد مختلف التفاصيل، فالتغيير الذي وقع في مصر قصم ظهر محور الاعتدال العربي، ونقل أقطار هذا المحور إلى مرحلة المدافعة، والبحث عن مخارج لأزماتها المتفاقمة إزاء شعوبها، والبحث عن تحالفات جديدة تؤمن نصاب الاستقرار داخلها، تماما مثلما أن احدث سوريا وتصاعدها، طرحت تساؤلا كبيرا حول مستقبل محور الممانعة، وفي صلب ذلك موقف «حماس» واستمرار خطها الممانع، في ضوء إمكانية فقدها للفضاء الداعم الذي وفرته سوريا وقوة حزب الله وإيران.
وهنا يمكن الإشارة إلى مسألتين مهمتين لهما ارتباط بالموضوع، الأولى: ما تمخض عنه الحراك الشعبي العربي من خلط للأوراق، وخلخلة لبناء محوري الممانعة والاعتدال، وما يتبع ذلك من حاجة للبحث عن أحلاف جديدة أو الاستثمار في رصد تحولات الآخر وما يطرأ على سلوكه من تغيير. والثانية: تبلور قناعة لدى الولايات المتحدة، في ضوء التغيير في المنطقة العربية، بضرورة الانفتاح على الحركات الإسلامية الشعبية، وتحديدا تلك التي تؤمن بالانتخابات والتنافس الديمقراطي، حيث تعكس القراءات الغربية انه في حال إجراء انتخابات حرة ونزيهة في أي من القطار التغيير، فسوف يندفع الإسلاميون إلى صدارة المشهد السياسي العربي، ما يعني أن أميركا التي بدأت منذ أكثر من عقد حربا لا هوادة فيها على الإسلاميين تحت ذريعة الإرهاب، مطالبة الآن بالعادة إنتاج موقفها، على قاعدة التعامل مع الحقائق على الأرض.
هاتان المسألتان وفرتا بيئة مناسبة لتحرك الأردن على طريق الحوار مع حركة حماس، تستحضر بالأساس عدم وجود ممانعة أميركية، بل ربما رغبة بالانفتاح غير المباشر على حركة حماس، بهدف رصد التحولات داخلها، في ضوء الواقع الجديد، وربما... الإسهام في بلورة موقفها إزاء القبول بالعملية السياسة ضمن شروطها القائمة.
ودون اغفال أن استحقاق أيلول القادم الذي تراهن عليه السلطة، وتعتبره حدا فاصلا بين مرحلتين، يطلق إشارة آن ما بعد أيلول، في ظل إخفاق الخطوة، لن يكون كما هو قبلها، وربما استفادت «حماس» من ذلك وزادت من نفوذها، ما يجعل انفتاح الأردن على «حماس» مراهنة غير خاسرة، يمكن البناء عليها.
ولعل البعد الداخلي، بالنسبة للأردن، لعب هذه المرة كعامل مهم، في بلورة الإرادة السياسية باتجاه الانفتاح على «حماس»، فالحكومة الأردنية التي تسعى لاستيعاب الحراك الشعبي، وعدم السماح بتطوره لأبعد مما هو الآن، يدخل في صلب تفكيرها عند معالجة هذا الملف، التفاهم مع الحركة الإسلامية الأردنية، ذات الوزن والثقل الأكبر في الشارع. ولعل الحوار مع «حماس»، في هذا السياق، يسهم بصورة غير مباشرة، في تلطيف العلاقة ما بين الحكومة الأردنية والحركة السلامية الأردنية، أو انه في أقل التوقعات، سيكون الانفتاح على «حماس» استحقاقا لأي تقارب بين الطرفين الأردنيين.
وفي الحالتين يصبح انفتاح الحكومة الأردنية على حركة حماس استحقاقا مطلوبا، ولأسباب متعددة، فكما يبدو أن شروط نضج هذه العلاقة أصبحت متوفرة وحاضرة، وهو ما قد ينتج في الأسابيع القليلة القادمة، اختراقا في العلاقة بين الطرفين، بأكثر مما شهدته ظروف العقد الأخير، الذي سادته روحية الحذر والشك والكثير من القلق.
وفي كل الأحوال، في هذا التوقيت أو بعده، يمكن قراءة أن محاولات التقارب الأردني مع «حماس»، تستحضر تطوير علاقة الأردن مع كل من تركيا وقطر، الأولى في جانبها السياسي ضمن إقليم يشهد اضطرابا، وتحولات في علاقات دوله فيما بينها ومع الخارج، والثانية السباب اقتصادية وربما إعلامية، حيث أن العلاقة العميقة التي تربط «حماس» وكل من تركيا وقطر، تعمل في ملف علاقة الحركة مع الأردن باتجاهين، «حماس» كوسيط لتحسين علاقات الأردن مع قطر وتركيا، أو أن أي تطوير لعلاقة أردنية مع تركيا أو قطر، بالضرورة ستحمل بضمنها تطويرا لعلاقة الأردن مع «حماس». بل ربما بالغ البعض بأن ثمة موقف قطري، يؤكد على أن أحد مفاتيح تطوير العلاقة الأردنية القطرية، يتصل بتحسين العلاقات الأردنية مع حركة حماس.
وربما تكون الزيارة الخيرة للعاهل الأردني لقطر، والتي تزامنت مع زيارة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، تعكس أن وراء الأبواب الموصدة، تجري ترتيبات قد نسمع صداها في الأيام القادمة.
وإذا كانت تركيا وقطر حاضرتين في سياق العلاقة بين «حماس» والأردن، فمصر أيضا ليست بعيدة عن المشهد، فالتحولات المتوقعة في المشهد الانتخابي المصري نهاية العام الجاري، والتي يتوقع أن يكون لحركة الإخوان المسلمين اليد العليا، في تقرير مستقبل مصر ما بعد الثورة، ستجعل من علاقة الأردن مع «حماس» مدخلا لعلاقة أردنية مع الحالة الإسلامية المتبلورة في مصر. ومصر بالنسبة للأردن تعني الكثير..
والسؤال الآن، إلى أي مدى ستشهد الأسابيع القادمة اختراقا في العلاقات بين الأردن و«حماس»؟ وهل ستتغلب في بلورة صيغة العلاقة بين الطرفين، كما في كل مرة، التأثيرات الخارجية، وتحديدا الرؤية الأميركية؟ أم أن ظروف التغيير في المنطقة، وما تشهده من تحولات ستنتج صيغة ومقاربة مختلفة، تقوم على أساس من المصالح المشتركة بين الطرفين، وقراءتهما المستقلة لخارطة التغيرات، وآفاق الحراك العربي نحو المستقبل؟

فرج شلهوب كاتب ومحلل سياسي، مدير تحرير صحيفة السبيل الأردنية.