| 

قد لا يكون من السهل معالجة مفهوم الهوية الوطنية في السياق السياسي - الثقافي العربي لما قد تثيره أي قراءة تحليلية من ردود أفعال شعبوية مؤدلجة، وتزداد الصعوبة إذا تم تناول المرء الوطنيات بطريقه نقدية.
تكمن الصعوبة عربياً في ما حمل مفهوم الوطنية (وطنيات ما بعد الاستعمار الإقليمية) من تناقض أو تضاد في لحظه تاريخية ما مع مفهوم القومية العربية، وأضحى الاتهام بـ«الإقليمية» يميز أي حديث عن الوطنيات في الدول العربية. إلى ذلك أيضا، أصبحت أي مجادلة عن وجود وطنيات أو خصوصيات وطنية في العالم العربي تظهر كأنها شرعنة أو دفاعا عن الأنظمة العربية التي أصبحت الدولة متماهية معها (حتى في التسمية في بعض الأحيان).
من الضروري بمكان في هذا السياق تحديد ما نعنيه بالوطنية من المفاهيم قبل الولوج إلى قراءة العلاقة بين كل من الهوية الوطنية الأردنية والفلسطينية. إن الإطار المفاهيمي يستند بالأساس إلى أن الأمة (Nation) أو الجماعة الوطنية هي مفهوم ووجود حداثي أساسا على عكس ما ينظر له مؤدلجو الوطنيات التقليديين الذين يدعون وجود الأمة الأزلي. بكلمات أخرى، إن الأمم أوجدت في السياق الحداثي كبناء اجتماعي مرتبط بتطور البرجوازيات في أوروبا، والمستعمرات في بقية العالم. إن عملية بناء الأمة هي مشروع أيديولوجي غير ناجز في معظم السياقات، أي انه عملية دائمة التغير والتسارع، بالتالي لا يمكن الادعاء إن الأمة وجدت وانتهى، وإنما لا تزال الأمم تصنع يومياً. بالتالي تصبح الدولة من ناحية تتويجا سياسيا لبناء الأمة من ناحية وصانعة لها من ناحية أخرى (المناهج المدرسية، القوانين، الإعلام، مؤسسة الجيش). ولا يعني هذا أن الوجود للأمة هو وجود موضوعي محدد وواضح كما يريدنا مؤدلجو الوطنيات أن نقرأه. في الحقيقة إن البعد الذاتي لوجود الأمة هو الأهم. أي أن علاقة الأفراد الانتمائية إلى أمة ما هو ما يحدد وجودها. قد يكون بندكت أندرسون في كتابه «المجتمعات المتخيلة» أكثر ما يوضح هذا البعد في قراءته لتشكل المخيال الوطني (والتخيل هنا لا يعني الوهم وإنما التأكيد على الدور الذاتي للأفراد في إقرار علاقتهم بالأمة وانتمائهم لها، أي على عكس ما يدعيه معتقدو الوطنيات من الوجود الموضوعي للأمة، أو ما يدعيه الماركسيون التقليديون بأن الوطنية هي وعي زائف). وكما يقول أندرسون، إن ما يميز الأمة هو شعور الأفراد الذين لا يعرفون بعضهم البعض - كما في المحليات - بأنهم ينتمون إلى نفس الجماعة الهوياتية على الرغم من غياب العلاقة الإرثية أو القرابية بينهم. وفي نفس السياق، يوضح أن الشعور الهوياتي ذو طابع سيادي - إقليمي، أي أنه على عكس الانتماء إلى جماعة كونية (دينية) ينتهي الانتماء الوطني مع انتهاء حدود الإقليم السيادي. إن هذا الفهم يساعدنا على تجاوز عمليات الأدلجة والتبسط التي تعالج فيها عادة قراءة الوطنيات، خاصة في ظل الصراعات الفكرية على الهويات في العالم العربي تحديدا.
يتنازع دراسة أو تحليل تكون القوميات/الوطنيات في السياقات الاستعمارية اتجاهان مركزيان، الأول يدعي أن اللقاء الاستعماري، أو التأثير الاستعماري، هو أساس تشكل الوعي الوطني للجماعات المستعمرة، والآخر يركز على البعد الذاتي ونشوء الوعي الوطني السابق للاستعمار. في حالتي الأردن وفلسطين نرى هذه السيرورة قائمة بشكل جلي. ففي الأردن، يركز الوطنيون الأردنيون على نشوء الوعي الوطني وإدراك وجود الإقليم بمعزل عن التأثير الكولونيالي من خلال التركيز على اجتماع «أم قيس» - ١٩٢٠، الذي يعتبر دلالة على تشكل الوعي بالإقليم الشرق أردني المنفصل عن فلسطين من ناحية، والأطر الإقليمية المجاورة من ناحية أخرى. أما فلسطينيا، فيعتبر الادعاء بوجود الوعي الوطني وتخيل الإقليم، بين النخب المقدسية تحديداً، سابقاً للوجود الاستعماري. في المقابل، يجادل البعض الآخر بأن التشكيل الوطني الأردني هو نتاج مباشر للقاء الاستعماري، بحيث تم رسم حدود الإقليم استعمارياً، ثم بدأت عملية بناء الوعي الوطني. ونجد المجادلة ذاتها من قبل الاستشراقيين من حيث أن الوعي الوطني الفلسطيني لم يتشكل إلا بعد المواجهة مع الحركة الصهيونية والمخيال التوراتي للإقليم. في كل من الحالتين، نجد أن ثنائية الاستعماري والذاتي هي ما يسيطر على فهم قراءة التكوين الأولي للوطنيات سواء في الأردن أو فلسطين.
إن جسر هذه الثنائية يكمن في إعادة موضعة المفاهيم تاريخيا ضمن سياق وجود للهويات أكثر رسوخاً في تلك اللحظة التاريخية، وتحديداً الهوية العروبية التي بقيت مسيطرة على المخيال الفردي لأبناء الإقليمين حتى النكبة. بكلمات أخرى، إن الشعور بالانتماء للإقليم تشكل بحكم الجغرافيا والتاريخ ضمن عملية تضاد للغيرية العثمانية ليس فقط كهوية قومية وإنما أيضا كحكم سياسي استبدادي أساساً، وازدياد الشعور العروبي والأقلمة الجغرافية والإدارية. فشرق وغرب النهر هو تصور جغرافي واقع تعزز مع التقسيم الاستعماري الاعتباطي للمتخيل الإقليمي العربي (والذي ظهر متأخراً، حيث بدأت التصورات العروبية كحالة انتماء إلى التاريخ وليس الجغرافيا، أي إلى الوعي الثقافي، وليس ادارك الجغرافيا المؤقلمة).
من هنا، لا يمكن فصل الهوية العروبية في تكوين الهوية الوطنية الأردنية أو الفلسطينية، ليس كمحدد فوق إقليمي فحسب وإنما كعملية مكملة لتشكل الوعي بالإقليم. بمعنى آخر، لم يكن هناك وضوح في عملية الانتماء إلى الإقليم بحدوده السياسية الواضحة والجلية كما على الخريطة، وإنما كان الوضوح في عملية الانتماء إلى تاريخ الجماعة العربية تاريخياً، والتي لها حدود جغرافية مائعة إلى حد ما. إن النظر إلى حالتي الأردن وفلسطين بهذا المعني يوضح لنا كيف أن التوصيفات الانتمائية للجماعة يحددها البعد العروبي قبل الإقليمي، ففي ميثاق ١٩٢٨ في الأردن، تظهر عملية بناء الولاء السياسي والهوياتي للعروبة؛ فـ«إمارة شرق الأردن دولة عربية مستقلة ذات سيادة بحدودها الطبيعية المعروفة». أما الانتماء في فلسطين، فكان جلياً من خلال الوصف بـ«عرب فلسطين». إن الصراع الاستعماري المتواصل مع الحركة الصهيونية شكل في حالتي التكوين الجنيني للوطنيتين الفلسطينية والأردنية نقطة لقاء، ففي ذات الوثيقة نرى الرفض الشرق أردني لوعد بلفور وللانتداب ذاته. أما سيكولوجياً، فمن نافل القول إن العلاقة الاجتماعية والاقتصادية بين شرق النهر وغربه كانت في كثير من الأحيان أفقية الطابع، بحيث كانت العلاقات الاجتماعية والتجارية عبر الإقليمين أكثر منها في داخل الإقليم ذاته. وقد استمر هذا الوضع حتى النكبة الفلسطينية.
لقد كانت أكثر المراحل التي تشابكت فيها التعريفات والانتماءات الإقليمية بين الهويتين الوطنيتين مرحلة مملكة الضفتين. على الرغم من أن القراءة ذات الطابع الوطني الفلسطيني الذي عممته رؤية منظمة التحرير تدعي وجود عملية أردنة للضفة الغربية من نهر الأردن، إلا أن هناك الكثير من المؤشرات، والتي تدلل على عكس ذلك، فبرلمان الضفتين كان ينقسم مناصفة بين ما سموا في الوثائق الرسمية نواب فلسطين تارة، أو نواب الضفة الشرقية تارة أخرى، بالتالي لم تكن هناك عملية واضحة المعالم باتجاه إسقاط الفلسطنة عن أهل الضفة الغربية، وإنما زادت حالة الوضوح في التقسيم الإقليمي المتساوي لعدد النواب بين الإقليمين من الشعور بالانتماء إلى الإقليم، بحيث كانت عملية الضم عملية سياسية- دولاتية أكثر منها عملية بناء أو توسع للهوية الأردنية على حساب الهوية الفلسطينية - التي تعززت في ما بعد من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والعمل الفدائي.
وقد طغت التصورات العروبية على الطرح السياسي والثقافي في تلك الفترة، سواء عند الشرق أردنيين أو الفلسطينيين، بحيث كانت الانقسامات السياسية عرضية، أي بين مؤسسة الحكم ومعارضيها، سواء كانت أصولهم شرق أم غرب النهر. وكانت هزيمة العرب في حرب ٦٧ وتطور العمل الفدائي نقطة تحول جديدة في تشابك الهويات ونشوئها، إلا أن أي تصوير لما تلا ذلك من صراع في الأردن مع منظمة التحرير، أو ما يعرف بحرب أيلول، وكأنه صراع هوياتي - كما يحب بعض الموتورين أن يصوروه - يعكس قراءة مغلوطة ومضللة. فالصراع كان سياسياً محضاً بين مشروعين سياسيين وليس بين هويتين وطنيتين. وفي كلا الجانبين كان هناك من ينتمي إلى ضفتي النهر. ففي فصائل منظمة التحرير كان هناك الكثيرون من الشرق أردنيين ليس فقط كمؤيدين وإنما في المواقع القيادية. أما في الدولة الأردنية، فكان هناك الكثيرون من الفلسطينيين سواء في المؤسسة المدنية أم العسكرية. إن المراجع مثلاً لخطاب منظمة التحرير يرى ذلك جليا، غير أن المثير في الأمر هو أنه كما كانت مملكة الضفتين معترفة بقوة الإقليم في الهوية، كانت منظمة التحرير وجماعات العمل الفدائي كذلك، ففي إحدى أغاني حركه فتح خلال تلك الفترة نرى الكلمات التالية:
يا مفرق بين الجيرة
مهما تشيع ومهما تقول
حنّا أهل وعشيرة
شرق النهر وغرب النهر
إخوة وأحباب وديرة
وحدة ساحة وطنية
شعب وجيش وفدائية
إذاً، وحتى تلك اللحظة، بقيت عمليتا الفلسطنة والأردنة ضمن السياق السياسي المشروعاتي أكثر من كونها هويات راسخة كوعي وطني منفصل. إن نتائج حرب أيلول والصراع على التمثيل السياسي نشأت عنه عمليتا الفلسطنة والأردنة ثقافياً وخلق الخصوصيات المحلية في الحالتين، وتحديداً بعد أفول المشروع القومي سياسياً على الأقل. إذا ما نحينا البعد السياسي - التمثيلي- وأخذنا مثالي خلق الخصوصيات الثقافوية في الحالتين، نرى أن عملية صناعة الطابع الوطني أو الشخصية الوطنية تأخد في الأردن - كما يوضح المتخصصون في الشأن الأردني- عملية بدونة للشخصية الوطنية عن طريق تعزيز الرموز البدوية ثقافياً من خلال الإعلام على الرغم من عملية التمدين سسيولوجياً وعملية التحديث الدؤوبة منذ نشوء إمارة شرق الأردن حتى وصول مدينة عمان إلى مدينة كوزموبولتانية كما هي اليوم. في المقابل، نرى عمليات بناء الوعي أو إعادة بناء التاريخ الفلسطيني من خلال أيديولوجية الكنعنة وصراع الأسبقية في الوجود في المكان مع أساطير الحركة الصهيونية، مروراً بفلسطنة الصراع ومشروعات الكيانية على حساب تقرير المصير وانتهاء بعملية تقزيم الانتماء الفلسطيني إلى سكان الضفة والقطاع منذ اتفاق أوسلو.
إن ما يمكن استخلاصه أن النقيض الهوياتي لم يكن في يوم من الأيام تضادا ثقافيا - وطنيا، وإنما سياسي، مع اعتراف مضمر معظم الوقت، وعلني بعض الوقت، بالخصوصية الهوياتية للجماعتين غير المنفصلتين. ويمكن الادعاء أن الهويتين تسيران بشكل متواز في مجال خصوصية التجارب السسيو- ثقافية المحلية، ومتقاطعة في علاقتها مع النقيض، وهو الحركة الصهيونية ومشاريع التوطين والوطن البديل، كما في الانتماء العروبي ورفض التدخل الأجنبي فــي العالم الــعربي، وهذا ما كان جلياً خلال حرب الخليج الثــانية أو الحــرب على العراق.
ولا يجب للقراءة التاريخية للهويتين الوطنيتين أن تنسينا واقع اليوم. فخصوصية احتضان الأردن لملايين الفلسطينيين تجعل من هوية البلد هوية متعددة وليست أحادية على مستوى الوعي الثقافي للذات وإدراك العلاقة مع الآخر غير العربي. أما الهوس الذي أظهرته أوراق السفارة الأميركية - وثائق ويكيليكس- بقضية الهوية الوطنية في الأردن والعلاقة بين الشرق أردنيين وذوي الأصول الفلسطينية، إنما هو دليل على غياب الفهم لتطور العلاقة بين المجموعتين، وتحديداً اختفاء التناقض السياسي حول التمثيل وانتفاء المشروعات السياسية من مرحلة الحرب الباردة. إن الدعوات المنفلتة من عقالها الساعية إلى تصوير العلاقة بين فلسطين والأردن كهويات وطنية متناقضة، حتى فيما يخص المواطنين الأردنيين من أصول فلسطينية، مخطئة، فالتحولات الانتفاضية التي تعيشها البلدان العربية تشير إلى أن القضية الفلسطينية لا تزال مركزية في الوجدان الثقافي- السياسي لكل عربي.
ويمكن الاستخلاص أن الهويات لا تورث وإنما تتوالد وتتداخل وتتراكم، فلا تناقض بين المشروع التحرري الذي يحلم به الفلسطيني مع مواطنته الأردنية وانتمائه للمكان والمجتمع والتجربة المعاشة والعادات (التي هي متشابهة إن لم تكن متطابقة بين المجموعتين)، كما لا تناقض بين هويات الإقليم والعروبة والإسلام. فلا تناقض بين الهوية الوطنية وهوية المواطنة، كما لا تناقض بين انتماء الأردني إلى أردنيته وعمله من أجل تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني وإيمانه بعروبة فلسطين.

علاء العزة أستاذ الانثربولوجيا الثقافية في جامعة بيرزيت.