| 

لم يكن من قبيل الصدفة أن تؤسس إمارة شرق الأردن عام 1921، أي بعيد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، ووعد بلفور عام 1917، لأن شرق الأردن شأنه شأن فلسطين كان من حصة بريطانيا في الصفقة الفرنسية البريطانية بعد أن نكثت الأخيرة بوعدها للشريف حسين بن علي بمساعدته على إقامة دولة عربية واحدة مقابل وقوف العرب إلى جانب الحلفاء ضد المحور في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918).
فبدلاً من المساعدة على وحدة العرب، قامت بريطانيا ومعها فرنسا وعدد من الدول الاستعمارية الأخرى بتقسيم العرب إلى دويلات، وبث الفرقة بينهم؛ حتى لا تقوم لهم قائمة، وللسيطرة عليهم، ولتعبيد الطريق لإقامة إسرائيل «الوطن القومي للشعب اليهودي» على حساب فلسطين وشعبها.
في هذا السياق، نشأت العلاقة الأردنية – الفلسطينية على أرضية تجعلها في حالة تناقض، فإمارة شرق الأردن أُرِيْدَ لها إما أن تكون وطنًا بديلًا للفلسطينيين على حساب الأردن، أو لتحقيق الخيار الأردني على حساب فلسطين، أو أن تكون حاجزًا لحماية إقامة «الوطن القومي اليهودي». ولعبت الإمارة بحكم هذه النشأة والدور المرسوم لها موضوعيًا دورًا في احتواء وطمس الحركة الفلسطينية، خصوصًا بعد ضم الضفة الغربية إلى الأردن تحت يافطة حمايتها من إسرائيل، وأصبحت إمارة شرق الأردن المملكة الأردنية الهاشمية. لذلك كان الصراع سيد الموقف في العلاقة الفلسطينية الأردنية منذ قيام إسرائيل وحتى قرار فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية في 31/7/1988.
قبل انطلاق الثورة الفلسطينية وحتى هزيمة 1967، لم يكن الفلسطينيون المولودون في الأردن يعرّفون بأنهم فلسطينيون، بل تم تعريفهم كأردنيين، لدرجة أدت إلى حدوث خلافات بين الطلبة الفلسطينيين القادمين من الأردن وبين إخوانهم الفلسطينيين القادمين من مناطق الشتات حين يعرفون أنفسهم بأنهم أردنيون.
لقد اعتبر الأمير عبد الله بن الحسين حرب 1948 وقيام إسرائيل فرصة لتوسيع إمارته وتحويلها إلى مملكة، فلم يعترف بحكومة عموم فلسطين التي أقامها المفتي الحاج أمين الحسيني في غزة وحاربها وساهم في القضاء عليها، وخشي الأردن من إقامة منظمة التحرير الفلسطينية التي كان مسيطرًا عليها عند نشأتها من النظام العربي الذي كان يدين بالولاء في تلك الفترة إلى الزعيم المصري جمال عبد الناصر، الذي كان قائد العرب بلا منازع، خصوصًا بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
وخشي الأردن أكثر من انطلاق الثورة الفلسطينية؛ لأنها استقطبت بسرعة، خصوصا بعد معركة الكرامة في 21 آذار 1968 التي أعادت العزة والكرامة للعرب المهزومين، تأييد معظم الفلسطينيين، وعملت المنظمة على بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية وتوحيد الفلسطينيين (بما في ذلك فلسطينيو الأردن) في كيان وطني واحد، وعلى أساس برنامج واحد وقيادة واحدة، ما شكل تهديدًا لسيطرة الأردن على أغلبية مواطنيه المندرجين من أصل فلسطيني.
ووصل العداء بين الأردن والثورة الفلسطينية ذروته بعد هزيمة 1967، عندما أقامت فصائل الثورة قواعدها هناك، حين استطاع الفدائيون الفلسطينيون بمساعدة من الضباط والجنود الأردنيين هزيمة الجيش الإسرائيلي «الذي لا يُقهر»، بُعيد خروجه منتصرًا من حربه مع دول «الطوق العربية» مجتمعة في حرب اشتهرت بحرب «الساعات الست» دلالة على وقوع الهزيمة في هذا الزمن القياسي، حين نفذت الطائرات الإسرائيلية غارات على المطارات الحربية في كل من مصر وسوريا والأردن، وألحقت بها هزيمة اشتهرت بنكسة حزيران 1967.
لقد أدى نشوء الثورة الفلسطينية في الأردن إلى ازدواج في السلطة، خصوصًا في ظل حالة الاختلاط في بعض المواقف الفلسطينية - بين من اعتبر عمان «هانوي العرب» والأردن فيتنام الشمالية المحررة التي شكلت الامتداد والقاعدة لنصرة فيتنام الجنوبية المحتلة - ومن رفع شعار «كل السلطة للمقاومة»، الأمر الي ساعد النظام الأردني على حسم الصراع لصالحه في معارك أيلول عام 1970 وأحراج جرش وعجلون عام 1971.
لم تؤد هزيمة الفدائيين في الأردن إلى مكاسب سياسية كانت متوقعة ومطلوبة من المملكة الأردنية الهاشمبة، بدليل طرح الملك الراحل حسين خطة في عام 1971 لإقامة المملكة المتحدة بين الضفتين الشرقية والغربية، الأمر الذي اعتبر نوعًا من التجديد والتمديد للمملكة الأردنية الهاشمية بما يناسب الظروف الجديدة بعد انطلاق الثورة الفلسطينية. على العكس من ذلك، تم تحويل الهزيمة التي لحقت بالفلسطينيين في الأردن، بقدرة قادر، إلى نصر سياسي للمنظمة بعد حرب تشرين عام 1973 وانطلاق قطار التسوية الذي كان متوهما بأنه قطار جارف لا يمكن إيقافه قبل الوصول إلى تسوية للصراع على أساس تحقيق السلام والأمن الإسرائيلي مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية المحتلة من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967.
وسعت الثورة والمنظمة للاتحاق بالقطار الجارف للتسوية، والحصول على مقعد فيه من خلال طرح برنامج السلطة الوطنية على أي شبر يتم تحريره، الذي تحول إلى البرنامج المرحلي، برنامج الدولة على حدود 1967؛ البرنامج الذي فتح الطريق أمام الاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، الأمر الذي عارضه الأردن لفترة طويلة، وكانت حجته أن تكريس وحدانية تمثيل المنظمة للفلسطينيين سيساعد إسرائيل على رفض الجهود والمبادرات المطروحة للتسوية، بحجة أنها لا يمكن أن تنسحب لتقع الضفة الغربية وقطاع غزة تحت سيطرة المنظمة التي تنادي بإزالة إسرائيل، خصوصًا أن القوات الإسرائيلية احتلت الضفة عندما كانت تحت سيطرة الأردن وجزءا من المملكة الأردنية الهاشمية، بالتالي يتحمل الأردن المسؤولية عنها أمام العالم سياسيًا وقانونيًا، ويقع عليه عبء تحرير ما أخذ منه بحرب 1967، كما احتلت غزة عندما كانت تحت الوصاية المصرية.
وحاول الأردن أن يكرس حقه في التفاوض باسم الفلسطينيين (أو على الأقل باسم الضفة التي كانت خاضعة له، وبذل جهودًا كبيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وأطراف مؤثرة على القرار الدولي، لتعزيز ذلك بإقناع إسرائيل - خصوصًا بعد حرب 1973 - بتنفيذ فك ارتباط ولو على كيلومتر مربع واحد على نهر الأردن، على غرار فك الارتباط الأول والثاني على الحدود المصرية - الإسرائيلية، والحدود السورية – الإسرائيلية دون طائل. وحاول الملك حسين عقد اتفاق مع ياسر عرفات (اتفاق عمان أيار 1985) يعطي الأردن دورا في القضية الفلسطينية يتناسب مع طموحاته ومكانته التاريخية وعلاقة أسرته بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، ولكن «أبو عمار» تراجع عن هذا الاتفاق في ظل المعارضة الفلسطينية الداخلية والعربية الواسعة له، وبعد تغير الظروف التي أدت إلى إبرامه.
تأسيسا على ما سبق، تولدت قناعة أردنية بضرورة الكف عن منافسة المنظمة على تمثيل الفلسطينيين، وترك أمر حل قضيتهم للمنظمة، فالأردن لم يستطع تحرير الضفة سلميا وعن طريق التفاوض، ولا يملك لوحده خيار الحرب ولا يريده، لذلك أصدر الملك حسين قراره الشهير بفك الارتباط عام 1988، الذي جاء بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية العارمة في كانون الأول 1987، التي قوّت القيادة الفلسطينية بشكل غير مسبوق بعد أن حازت ثقة الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، بحيث فرضت نفسها على العالم كله، بما في ذلك إسرائيل التي لم تعد قادرة بعد الانتفاضة الأولى على إنكار وجود الشعب الفلسطيني، ما أدى في النهاية إلى الاعتراف الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني والمنظمة كممثلة له، في اتفاقية أوسلو والرسائل المتبادلة دون الاعتراف بحقوقه، وهذا كان الخطأ الأكبر ضمن سلسلة من الأخطاء التي اقترفتها المنظمة في «أوسلو»، حين اعترفت بحق إسرائيل في الوجود بأمن وسلام دون أن تعترف إسرائيل بالحقوق الفلسطينية، بل اكتفت بالاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني دون الاعتراف بحقوقه بتقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية.
لقد فتح فك الارتباط صفحة جديدة ما بين الأردن وفلسطين، فبدلا من الصراع والعداء حل نوع من التعاون والتكامل والتنافس.
لا يعني ذك أن أسباب الخلاف قد تراجعت كليا، ولكنها أصبحت على قاعدة أخرى مختلفة تماما، بحيث لا يمكن أن تتفجر العلاقة مثلما كان يحدث في السابق. فالجذور المتبقية للخلاف لا تزال تظهر في الخلاف حول موقع فلسطينيي الأردن، خصوصًا الحاصلين منهم على الجنسية الأردنية- لأن هناك أكثر من مليون فلسطيني في الأردن لم يحصلوا على الجنسية الأردنية- وفي دور الأردن المستقبلي سواء في ما يتعلق بحل قضية اللاجئين، خصوصا بشأن المطالبة بحقه في التعويض عن تهجيرهم وإقامتهم في الأردن لعشرات السنين، أو فيما يخص قضية القدس التي يصر الأردن على لعب دور فيما يتعلق بالمقدسات، بحيث حافظ على هذا الدور في معاهدة وادي عربة، أو فيما يخص العلاقات ما بين الأردن ودولة فلسطين المستقبلية، اللذين ستربطهما علاقات وثيقة بحكم التاريخ والجغرافيا والروابط المتعددة.
لقد كان هناك خلاف في الأردن بين الأردنيين من أصل أردني بين من يطالب بدولة فدرالية تجمع ما بين الأردن وفلسطين على أسس جديدة، وهذا مرفوض كليا من معظم الأردنيين والفلسطينيين، وبين من يطالب بالكونفدرالية بحيث تقوم بين الدولتين، مع أهمية أن يتم ذلك بعد دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وبين من يردد شعار «يسعدهم ويبعدهم» ويرحب بإقامة دولة فلسطينية تضع الأردني من أصل فلسطيني أمام ضرورة الحسم هل سيبقى أردنيا أم سينتقل للإقامة في فلسطين أو يحمل الجنسية الفلسطينية حتى لو استمرت إقامته في الأردن؟ ويتطلع الأردن بشوق كبير وقلق بالغ إلى اليوم الذي يجد فيه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي حلا، يتضمن حصول الأردن على تعويض سخي على ما قام به من استضافة مديدة لآلاف اللاجئين الذين أصبحوا ملايينا، وعودة معظم اللاجئين والنازحين (الفلسطينيون المقيمين في الأردن عموما) إلى بلادهم لكي يبقى الأردنيون من أصل أردني أصحاب القرار والقول والفصل في وطنهم الأردن.
إن القنبلة الديمغرافية ما بين الأردنيين من أصل فلسطيني وبقية الأردنيين ترخي بثقلها على الحياة السياسية في الأردن، وتظهر بشكل واضح تماما في قانون الانتخابات الأردني المصمم بحيث لا ينجح سوى عدد محدد من الأردنيين من أصل فلسطيني، وهذا يمس بحقوق المواطنة وإمكانية قيام نظام ديمقراطي، الأمر المطروح حاليًا معالجته عبر إصلاح سياسي وقانوني واقتصادي في زمن الربيع العربي الذي وصل تأثيره- وإن بأشكال أقل مما حدث في مصر وتونس- إلى الأردن. ولعل هذا السبب يجعل الإصلاح في الأردن يتوقف إلى حد كبير على كيفية حل هذه المسألة بإيجاد قانون انتخابات يتعامل مع المواطنين على قدم المساواة، بحيث يأخذ كل ذي حق حقه بصرف النظر عن الأصول والمنابت.
وبشكل عام، يمكن القول إن العلاقات الأردنية – الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو ومعاهدة وادي عربة، مرت بشهر عسل لأن الأردن حسم أمره بأنه للأردنيين، وفلسطين حسمت أمرها (أو ما تبقى منها، أو ما يمكن أن يبقى منها) للفلسطينيين، وأن دولتها ستقام في فلسطين وليس في الأردن أو في أي مكان آخر.
وتشهد هذه العلاقات أحيانا نوعا من التوتر المكبوت غالبا، نظرا لعدم التنسيق والتشاور حول التطورات والمواقف المترتبة عليها، خصوصا بعد وصول المفاوضات الثنائية الفلسطينية- الإسرائيلية إلى حائط مسدود، وخشية الأردن بأن يفاجأ سواء باتفاق لا يشارك فيه ولو عن طريق وضع بصماته التي تضمن تحقيق مصالحة وأهدافه، أو بتدهور الموقف وعودة مراحل المجابهة والحروب والانتفاضات التي يمكن أن يدفع ثمنها الأردن، ومجمل شعوب المنطقة ويمس بالأمن والاستقرار في المنطقة والعالم كله.

هاني المصري كاتب، والمدير العام للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية في رام الله