| 

خلق غياب سياسة واضحة عن التعاطي الرسمي الأردني مع قضية اللاجئين الفلسطينيين إشكالية مزدوجة تنقلت بين الهوية في ظل عمليات سحب الجنسية وبقاء حقوق المواطنة في نطاق حيزها النظري، وبين التوطين استناداً لما أقرت به المادة الثامنة من معاهدة وادي عربة بربط الحل «بالتوطين والتعويض»، على الرغم من التصريحات الرسمية العلنية المطالبة بحق العودة وفق مبادرة السلام العربية، والرافضة للطروحات الصهيونية المنادية «بالخيار الأردني» و«الوطن البديل». ويغلف تناقــض القول والفعل، في كثير من الأحايين، التداخل الذي تمتاز به العلاقة بين الفلســطينيين والأردنيين في إطار النسيج المجتمعي الرابط بينهما بصورة يصــعب رســم خيوطها بسهولة، بما يحــتكم فـــي بعـــضه إلى مسار العلاقات الثنائية، وبخاصة السياسية منها، في محطات تاريخــية مهمة، وبما تفرضه على المستويين الاقتصادي والاجتماعي من معــطيات وإرهاصات.
فبعد قرار ضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية عام 1950 حصل أغلب اللاجئين الفلسطينيين على الجنسية الأردنية، وبالتالي أصبح لهم الحقوق النظرية للمواطنين الأردنيين وعليهم واجبات المواطنة أيضاً، إلى أن جرى في عام 1988 فك الارتباط الإداري والقانوني بين الأردن والضفة، وسط تأكيد الحكومة الأردنية بعدم مساس ذلك بوضعية اللاجئين في الأردن، بما يتناقض مع عمليات سحب الرقم الوطني الجارية على قدم وساق والتي تدرجها الحكومة ضمن سياق إجراءات تصويب الأوضاع، غير أنه جاء في سياق التمهيد لمسار عملية السلام الذي انطلق في عام 1991، مفترضاً وجود كيانية فلسطينية مستقلة تتحمل مسؤولية التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي المحتلة عام 1967، وهو ما برزت بداياته عام 1974 في قمة الرباط التي أكدت بأن «منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني»، ومن ثم تجسد في اتفاق أوسلو (1993) بمسار التفاوض الفلسطيني – الإسرائيلي المنفرد، والذي لم يحقق أي تقدم يذكر على صعيد الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة حتى الآن.
وعلى الرغم من حساسية العلاقة السياسية الممتدة تاريخياً بين منظمة التحرير والأردن، وحساسية قضية اللاجئين الفلسطينيين بالنسبة للأردن، فقد استكمل الأخير خطوات الاستعداد لمرحلة التسوية من خلال النص الصريح بالتوطين والتعويض في المادة الثامنة من معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية (1994) وبإجراء تعديلات على وظيفة واسم دائرة الشؤون الفلسطينية وتعيين لجان تحسين الخدمات في المخيمات الموزعة في أنحاء مختلفة من المملكة والتابعة مباشرة للدائرة، فضلاً عن تنفيذ حزمة الأمان الاجتماعي في المناطق الأشد فقراً ومناطق السكن العشوائي وفي المخيمات.
وإذا كانت «المواطنة الأردنية» التي مُنحت لغالبية اللاجئين الفلسطينيين في إطار وحدة الضفتين عام 1950 (إلى أن صدرت تعليمات فك الارتباط) قد انعكست على وضعيتهم القانونية وممارستهم للعمل العام (السياسي والنقابي والمدني وغيره)، غير أن حقوق المواطنة ما زالت في جانب منها نظرية، فعلى سبيل المثال فإن النظام الانتخابي النيابي يحدّ من تمثيل الأردنيين من أصل فلسطيني في مجلس النواب بما لا يتناسب مع نسبة وجودهم في المجتمع الأردني، التي تفوق 50%، وحجم أدائهم الاقتصادي والاجتماعي، كما أن نسبة كبيرة من المناصب الحكومية الرسمية، بخاصة في قطاعات معينة، تخصص في المقام الأول للمقيمين من أصل أردني، بما أدى إلى ظهور تيار يعرف «بأصحاب الحقوق المنقوصة» ممن يتحدثون عن التمييز الذي يتعرضون له في شتى المجالات الحياتية.
وقد تركت تلك الإجراءات بصماتها السلبية على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن المقدرين بنحو 2 مليون لاجيء مسجلين لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يقيم أكثر من 350 ألف لاجئ منهم في 13 مخيماً، يشكلون جميعاً زهاء 42% من 5 ملايين لاجيء إجمالي عددهم في مناطق عمليات الوكالة الخمس (الأردن وسورية ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة).
ويشكل اللاجئون في الأردن نتاج واقع اللجوء القسري الإسرائيلي لقرابة 500 ألف لاجيء من إجمالي 900 ألف فلسطيني لجأوا بفعل عدوان عام 1948 إلى المناطق المجاورة، ونزوح أكثر من نصف مليون لاجئ، منهم حوالي 200 ألف نزحوا مجدداً كلاجئين إلى المناطق المجاورة، 95% منهم إلى الضفة الشرقية، نتيجة العدوان الإسرائيلي عام 1967 والمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال والتي سُجل منها 60 مجزرة موثقة على الأقل بحق الشعب الفلسطيني العربي منذ ذلك العام، بعد أن اقترفت 30 مجزرة خلال العام 1948، سُجل منها ست مجازر «موثقة» ارتكبها الاحتلال خلال شهر أيار (مايو) وحده من ذات العام، وتدمير أكثر من 531 قرية فلسطينية والاستيلاء على أكثر من 90 % من أراضي اللاجئين الفلسطينيين.

وضعية مجتمعية «غير حصينة»
لا تتمايز ظروف معيشة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الأردن كثيراً عن نظرائهم في مناطق الشتات، من حيث الوضعية الاقتصادية والاجتماعية «غير الحصينة» أمام طبيعة اللجوء وتداعياته، وإن كانت «منيعة» التشبث بحق العودة ورفض التوطين.
وتؤصل المخيمات الثلاثة عشر حالة اللجوء الممتدة عبر ثلاثة وستين عاماً متتابعاً بأوضاعها وظروفها المتباينة التي طالت الظاهر المادي للمخيم دون أن تصيب مضمونه الفعلي والرمزي، من حيث ازدياد عدد المخيمات بفعل النمو الطبيعي للاجئين، والتي ارتفع عددها من خمسة تأسست عقب نكبة 1948 إلى 13 بعد نكسة 1967، وتغير نوعية الخدمات المقدمة والذي يعزى إلى إخفاق التوصل إلى حل لقضية اللاجئين يستند إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 الصادر عام 1948 والذي ينص في المادة 11 منه على «حق العودة والتعويض».
إن محاولة تشخيص الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمخيمات في الأردن يتبين افتقادها للنواحي الصحية الملائمة واتسّامها بالاكتظاظ السكاني إلى جانب إشكاليات الفقر والبطالة بما يرافقها من سوء الأحوال الصحية وتردي البنية التحتية والصرف الصحي.
وتشير أرقام الأونروا إلى أن نحو 46% من مساكن اللاجئين تحوي 3 أفراد أو أكثر في غرفة واحدة لا تتجاوز مساحتها 15 متراً مربعاً مقامة على قطعة أرض لا تزيد مساحتها عن 80 - 90 متراً مربعاً. وتعتبر مشكلة الاكتظاظ السكاني أحد أبرز التحديات التي تواجه أوضاع المخيمات التي بنيت على مساحات أراضٍ محدودة غير قابلة للتوسع أفقياً فيما تضاعف أعداد اللاجئين خلال نفس الفترة أكثر من أربع مرات ما دفع بأغلبية أهالي المخيم إلى التوسع عمودياً ببناء طابقين إلى ثلاثة طوابق فوق الوحدة السكنية الواحدة. وبينما تمكن عدد من اللاجئين في إيجاد مساكن بديلة خارج نطاق المخيمات بفعل توفر الموارد المالية، إلا أن آخرين يفتقرون إلى ما يُمكنهّم من استئجار أو امتلاك بيوت خارج نطاق الازدحام في مناطق الشتات ما أدى إلى تفاقم حدة الازدحام السكاني وخنق المساحات العامة والمناطق الخضراء داخله لتصل إلى أقل من 10% من مجمل المساحة الكلية للمخيمات في الأردن.
بينما تفتقر السجلات الحكومية من أرقام محددة لنسب الفقر والبطالة في المخيمات من منطلق احتسابها في إطار الإحصائيات العامة الرسمية للمملكة. وأمام ذلك فقد تُركت مسألة إيرادها إلى تقديرات مراكز الأبحاث المتخصصة، مثل المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين «بديل» ومقره رام الله، التي أشارت إلى أن معدل البطالة بين صفوف اللاجئين يقدر بنحو 25%، بينما يقارب معدلها بين صفوفهم داخل المخيمات حوالي 18%. ويعمل اللاجئون في الأردن إجمالاً في معظم المجالات الاقتصادية والمهنية. وتفوق معدلات البطالة الخاصة بالأجيال الشابة في المخيمات معدلاتها خارجها، إذ يعتبر نحو 16% من فئات 15 – 24 عاماً داخل المخيمات عاطلين عن العمل فيما تصل معدلاتها لأجيال 25 – 34 إلى نحو 5 % فقط. ومن بين نسب الذكور في المخيمات ممن هم خارج قوة العمل فإن 41% منهم من الطلاب مقابل 36,5% من العاجزين. فيما تبلغ نسبة العمالة غير الماهرة بين صفوفهم حوالي 33,1% من مجموعهم الإجمالي.
فيما يقع نحو 31% من مجمل العائلات في المخيمات تحت خط الفقر وبمعدل أعلى في المخيمات الواقعة شمال المملكة بنسبة 36%، بينما ترتفع النسبة بين عائلات اللاجئين من قطاع غزة المتواجدين في الأردن بنحو 45%. في المقابل؛ تشير سجلات الأونروا إلى وجود قرابة 55 ألف حالة عسر شديد من مجموع اللاجئين المسجلين لديها.
ورغم أن وكالة الأونروا، التي أنيط بها المهام بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 1949 عقب تبدد آمال إيجاد تسوية سريعة لقضية اللاجئين تضمن عودتهم إلى الديار التي تهجروا منها، تقدم خدمات صحية وتعليمية وخدمات إغاثة اجتماعية إلى اللاجئين المسجلين لديها، غير أنها لا تتواكب مع نموهم الطبيعي مما جعلها غير قادرة في أغلب الأحيان على التغلب على كافة الإشكاليات المتصاعدة والماثلة بحدة في المخيمات، في ظل إجراءات تخفيض الخدمات التي تنفذها الوكالة منذ فترة.
في المقابل، فإن الحكومة الأردنية تقدر حجم نفقاتها السنوية على البنية التحتية للمخيمات بنحو 350 مليون دولار. وتدرج ضمن ميزانيتها السنوية نحو نصف مليون دينار لإنفاقها عبر دائرة الشؤون الفلسطينية في عملية تحسين مستوى الخدمات في المخيمات.
غير أن ذلك كله لم يسهم في تحسين منظومة الأوضاع المجتمعية للاجئين في المخيمات الآخذة في التدهور، فيما تأخذ منحى أكثر سوءاً بالنسبة لأبناء قطاع غزة، المقدرين بنحو 250 ألف لاجيء، والمشمولين بخدمات الوكالة، غير أنهم لا يحملون الأرقام الوطنية، بما ينعكس على وضعيتهم المجتمعية السيئة من خلال وضع الضوابط على عملهم في القطاع الحكومي مقابل فرص محدودة في القطاع الخاص، فيما تغلق أمامهم أبواب تلقي التحصيل العلمي في الجامعات الحكومية بينما تحول أوضاعهم الاقتصادية السيئة دون الالتحاق بالدراسة في الجامعات الخاصة، إضافة إلى عدم شمولهم بالتأمين الصحي أو الضمان الاجتماعي.
وقد حملت الظروف المعيشية السيئة ببعض أسر اللاجئين إلى إخراج أبنائها من مقاعد الدراسة للالتحاق المبكر في سوق العمل ورفد العائلة بمصدر دخل يساعدها على مجابهة متطلبات الحياة. وتشكل عمالة الأطفال أحد الإشكاليات البارزة التي تسعى الأونروا إلى معالجتها، في ضوء معطيات تشير إلى أن نحو 6,9% من أطفال المخيمات من عمر 15 عاماً فما فوق يعملون في مهن بسيطة مقابل 30% منهم يعملون في أعمال مهنية وتصنيعية حرفية متعددة.
بينما تفسح هشاشة المنظومة المجتمعية في المخيمات المجال أمام لاجئيها من الشباب إما إلى التوجه مبكراً إلى سوق العمل بعد ترك مقاعد الدراسة، أو الانضمام إلى قائمة العاطلين عن العمل، أو التفكير في الهجرة. وتسجل فئة الشباب من اللاجئين المسجلين لدى الأونروا في الأردن نسبة تزيد عن 19,30% بما يقارب 354 ألف لاجيء، من بين عموم اللاجئين.
كما تنعكس الوضعية المجتمعية الهشة للمخيمات سلبياً على المرأة اللاجئة، وهو الأمر الذي يتمظهر بجلاء في نسب الفقر والبطالة، إذ «تجد البطالة نسبتها المرتفعة بين صفوف اللاجئات في المخيمات بقرابة 23% مقابل 11% للذكور من أصل 18%، بينما تصل نسبتهن إلى 33% مقابل 17% للذكور من أصل 25% إجمالي معدلها بين صفوف اللاجئين»، بحسب تقديرات «بديل».
وقد دفعت الأوضاع السيئة باللاجئات للخروج إلى سوق العمل «البسيط»، مثل المشاغل اليدوية وإعداد الأطعمة وتسويقها وغيرها، لرفد أسرهن إما بمصدر داخل أساسي في حال وفاة الزوج أو عجزه أو في حالة الطلاق، وإما بمصدر دخل إضافي لإعالة الأسرة. وتعول النساء اللاجئات قرابة 14% من مجموع الأسر المعيشية من السكان اللاجئين، بينما تصل النسبة إلى 46% في حالات العسر الشديد.

تشبث بحق العودة
غير أن واقع اللجوء القسري الذي يلقي بظلاله السلبية على معيشة اللاجئين في المخيمات «لم يطفء جذوة التمسك بحق العودة بصفته حقاً فردياً وجماعياً مكتسباً لا يسقط بالتقادم ولا يزول بالإنابة»، ويعبر اللاجئون عن ذلك بالقول «نحن سنبقى فلسطينيين ولن نحمل هوية البلدان التي نتواجد فيها مؤقتاً حتى لو حملنا جنسياتها، ولو جرى سؤال اللاجئين عن موطنهم الأصلي لما ترددوا لحظة في الإجابة بفلسطين بالرغم من ولادة الكثيرين منهم خارجها وعدم رؤيتهم لها».

نادية سعد الدين باحثة وصحافية من الأردن