| 

ما إن انتخب ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في ختام الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني في 1/2/1969 حتى راحت غيوم كثيرة تتجمع في سماء المقاومة الفلسطينية: فدائيون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يدمرون طائرة بوينغ تابعة لشركة «العال» الإسرائيلية في مطار زيوريخ في 18/2/1969، انشقاق الجبهة الديموقراطية بقيادة نايف حواتمة على الجبهة الشعبية في 22/2/1969، اندلاع حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية في 8/3/1969، اندلاع التظاهرات المؤيدة للعمل الفدائي في بيروت في 23/4/1969، انشقاق «الهيئة العاملة لتحرير فلسطين» بقيادة عصام السرطاوي على حركة فتح في 23/5/1969، انقلاب عسكري في السودان حمل إلى السلطة العقيد جعفر النميري في 24/5/1969، انقلاب عسكري في ليبيا أوصل إلى سدة الحكم العقيد معمر القذافي في 1/9/1969، اجتياح إسرائيلي لمنطقة العرقوب اللبنانية بحثاً عن الفدائيين في 12/5/1970، اعلان مبادرة وليم روجرز في 19/6/1970، قبول مصر هذه المبادرة في 23/7/1970، اشتداد الصراع الداخلي في سورية بين اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد في آب/ أغسطس 1970، بداية انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج العربي في سنة 1970، احتلال إيران الجزر الاماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى في 30/11/1971.
في هذه الحقبة كانت المقاومة قد اصبحت قوة حقيقية في الأردن، وانتقلت من تكتيك «اضرب واهرب» إلى تكتيك «المواجهة المحدودة» ثم إلى «الحرب المتحركة» فإلى عمليات «التحرير الموقت» التي كانت تعني تطهير مواقع معينة من القوات الإسرائيلية، والاحتفاظ بها موقتاً. وكانت خطة المقاومة، وبالتحديد حركة فتح، تتطلع إلى الوصول إلى قدرات عسكرية تتيح لها الاحتفاظ ببعض المواقع المحررة، وهي خطوة اولى قبل الانتقال إلى حرب التحرير الشاملة على طريقة التجربة الفيتنامية.
في هذا الميدان انشأت حركة فتح «القوة المحمولة» في سنة 1969، وهي مؤلفة من 600 مقاتل و80 سيارة جيب مزودة بالسلاح الملائم. غير أن المنظمات الاخرى التي كانت لا تزال تعمل ضمن خطة «البعوضة والفيل»، أي مجرد عمليات ازعاج للجيش الإسرائيلي، انصرفت إلى تأسيس قواعد للفدائيين التابعين لها في مخيمات الأردن، وبدأ هؤلاء الفدائيون يظهرون بالسلاح في المدن الأردنية، الأمر الذي أثار حفيظة الناس، وفوق ذلك راحت سياراتهم تسير من دون لوحات الأمر الذي يخالف القانون.
اعتبرت هذه المظاهر تحدياً للدولة الأردنية وهيبتها، وتعدياً على القانون والنظام العام. وكانت هذه الحساسيات والاحتكاكات قد أدت إلى توجس متراكم بين الطرفين منذ ان هاجم الجيش الأردني قواعد الفدائيين في مخيم الحسين وفي مخيم الوحدات في عمان، وفي مخيم «شنلّر» في مدينة الزرقاء في 15/10/1968 وفي 5/11/1968. وازداد عدم الثقة حينما طلب الملك حسين وقائد الجيش الشريف ناصر بن جميل (وهو خال الملك) من الفدائيين إبلاغ الجيش الأردني بأي عملية عسكرية ضد إسرائيل قبل تنفيذها، وعدم شن أي عملية في المنطقة المحيطة بميناء العقبة. ورفض ياسر عرفات هذه الشروط، وساندته فصائل المقاومة الفلسطينية في هذا الموقف بعدما أيقنت ان النظام الأردني يستعدّ لتصفيتها، فسارعت فتح إلى إنشاء «الميليشيا» ذات الطابع المدني، فضلاً عن «القوة المحمولة». وبالفعل، شرع الملك حسين يستعد للمواجهة الحاسمة منذ سنة 1969، فبدأ في تقوية علائقه بعشائر الأردن وقبائله، هذه العشائر والقبائل التي يأتي منها معظم ضباط الجيش. وقام بتعزيز مكانة الجيش الأردني، فأصدر مجلتين: «الأقصى» و«الجندي»، وراحت إدارة التعبئة توزع القرائين على الجنود وتحرضهم على اليساريين «البلشفيك الملحدين». وجرى تعزيز إمكانات الاستخبارات التي كرست نشاطها لمراقبة الفدائيين وقادتهم، كما أنشئت مجموعات فدائية «مزورة» تابعة للاستخبارات الأردنية.
في الوقت نفسه كانت بعض الفصائل الفلسطينية اليسارية كالجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين قد أخذتها الحمية الماركسية بتأثير من المفكر التونسي العفيف الأخضر، فراحت ترفع شعارات مثل «كل السلطة للمقاومة»، وتدعو إلى قيام «المجالس الشعبية» كسلطة بديلة من السلطة الأردنية، الأمر الذي منح النظام الأردني ذريعة إضافية لشن الحرب على الفدائيين.

المقدمات المتسارعة
في 10/2/1970، أي في اليوم التالي للقاء الملك حسين والرئيس جمال عبد الناصر، اجتمع مجلس الوزراء الأردني في جلسة خاصة حضرها ولي العهد الأمير حسن، وقائد الجيش ناصر بن جميل، ومدير الاستخبارات العامة نذير رشيد. واتخذ مجلس الوزراء مقررات عدة من بينها حظر حيازة الأسلحة ونقلها، ومنع المسيرات والاجتماعات العامة، وفرض الرقابة على المطبوعات وعلى العمل الحزبي. وفي 12/2/1970 وقع اشتباك مسلح بين عناصر من الفدائيين ومجموعة من الجيش الأردني سقط فيه 13 فدائياً و6 جنود. وكان ياسر عرفات، في تلك الأثناء، في موسكو في أول زيارة رسمية له إلى الاتحاد السوفياتي. فسارع إلى العودة إلى عمان في اليوم نفسه أي في 12/2/1970، وتمكن من وقف المعارك ومنعها من الامتداد إلى مناطق اخرى. وكان من نتائج ذلك ان قدم وزير الداخلية اللواء محمد رسول الكيلاني استقالته. ومنذ ذلك الوقت تمادت الاشتباكات بين الفدائيين والجيش الأردني، وراح الوضع الأمني يتدهور بالتدريج. ففي 2/5/1970 وقعت اشتباكات في وادي الأردن حينما استولى الجيش الأردني على قاعدتين للفدائيين. واندلع القتال مجدداً في 7/6/1970 في مدينة الزرقاء، وفي محيط مخيم «شنلّر» بالتحديد. واستفحل الأمر في 9/6/1970 عندما قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باقتحام فندقين في وسط عمان، واستولت عليهما، واحتجزت فيهما 88 رهينة من الأجانب. وقد كان لياسر عرفات دور مشهود في وقف هذه الاشتباكات التي توقفت بالفعل في 11/6/1970 بعد اجتماع عقده الملك حسين وياسر عرفات. وبادر الملك حسين فور انتهاء الاجتماع إلى تسريح قائد الجيش ناصر بن جميل، وقائد المدرعات زيد بن شاكر، وتولى بنفسه قيادة الجيش، وعين مشهور حديثة الجازي رئيساً للأركان وعبد المنعم الرفاعي رئيساً للحكومة، وذلك كله لتطمين ياسر عرفات الذي وضع بين يدي الملك حسين معلومات متينة عن دور بعض الضباط الكبار في التخطيط للقضاء على المقاومة الفلسطينية بالتنسيق مع دول خارجية، علاوة على أدوارهم في إثارة الاشتباكات المتنقلة بين الجيش والفدائيين.
في 23/7/1970 اعلن الرئيس جمال عبد الناصر موافقته على مشروع روجرز، وأصدر أوامره بوقف النار على طول قناة السويس، ما يعني انتهاء حرب الاستنزاف. وحذا الملك حسين حذوه، وتعهد في 26/7/1970 وقف الاعمال القتالية ضد إسرائيل. وقد وجد ياسر عرفات نفسه فجأة في وسط عاصفة سياسية وعسكرية معاً، ووقعت القيادة الفلسطينية في بلبلة واضطراب حقيقيين. فالفصائل الفلسطينية انقسمت على نفسها عندما أرادت اتخاذ موقف سياسي من الرئيس عبد الناصر ومن قبوله مشروع روجرز. ومع أن معظم هذه الفصائل رفض الموقف المصري، إلا أن «منظمة فلسطين العربية» بقيادة الضابط الناصري أحمد زعرور (أمين) أيدت موقف جمال عبد الناصر. وكذلك أيدت «الهيئة العاملة لتحرير فلسطين» بقيادة عصام السرطاوي موقف الرئيس المصري وكان من جراء ذلك وقوع اشتباكات مسلحة بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجبهة التحرير العربية من جهة، ومنظمة فلسطين العربية والهيئة العاملة لتحرير فلسطين من جهة اخرى وذلك في 5 و9/8/1970. وفوق ذلك فإن التعهد الأردني وقف الاعمال القتالية ضد إسرائيل يعني انهاء المقاومة الفلسطينية الأمر الذي لا يمكن الموافقة عليه، ويمهد الطريق إلى الصدام مع الجيش الأردني. وحاول ياسر عرفات كثيراً ان يعثر على موقف مشترك مع بقية المنظمات يجنب الجميع الاشتباك السياسي مع الرئيس جمال عبد الناصر، والاشتباك العسكري مع الجيش الأردني. لكن بعض المنظمات اليسارية، ومنها الجبهتان الشعبية والديموقراطية، غامرتا بمصير المقاومة الفلسطينية، بل قامرتا به حينما راحت الجبهة الديموقراطية، على سبيل المثال، تطالب بحسم ازدواجية السلطة في الأردن، وهذا يعني الاستيلاء على السلطة، وبتحويل عمان إلى «هانوي عربية»، وكذلك حينما بادرت الجبهة الشعبية في ذلك الوضع العصيب إلى اختطاف أربع طائرات مرة واحدة في 6/9/1970، وإنزالها في مطار «داوسن» وتفجيرها. وفي هذه الأوضاع اعاد الملك حسين الفريق زيد بن شاكر إلى قيادة سلاح المدرعات في 6/8/1970، وكان ذلك نذيراً بالخطر المقبل.
لقد اختار الملك حسين الزمان الملائم تماماً لحسم «ازدواجية السلطة» لمصلحته، أي لحظة افتراق المقاومة عن جمال عبد الناصر. وجهد ياسر عرفات في تجنب المواجهة، ولا سيما انه، منذ البداية، لم يتطلع إلى الحلول محل الملك حسين على الاطلاق، او حسم الأوضاع لمصلحته. وكل ما أراده هو حرية الحركة للمقاومة، وحماية ظهرها في الوقت نفسه. ومهما يكن الأمر، فقد انزلقت الأوضاع إلى انفجار القتال في مخيمات عمان في 31/8/1970. وازدادت الأمور سوءاً مع تعرض موكب الملك حسين لاطلاق النار قرب مطار عمان في 1/9/1970. وصار جلياً ان المساكنة بين «الدولة» و«الثورة» ما عادت ممكنة، خاصة ان الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة كانتا تشجعان الملك حسين وضباط جيشه على القيام بعملية عسكرية ضد المقاومة. وما إن حصل الملك حسين على وعد من إسرائيل بحماية نظامه في حال وقوع أي تدخل خارجي من العراق او سورية مثلاً، حتى كان يحزم أمره ويقدم علانية على ما كان قد خطط له في السر.

المعركة الحاسمة
في 16/9/1970 اعلن الملك حسين تأليف حكومة عسكرية برئاسة اللواء محمد داود، وتعيين حابس المجالي قائداً أعلى للقوات المسلحة، وزيد بن شاكر نائباً لرئيس الأركان. وعلى الفور اعلنت الحكومة العسكرية الجديدة الاحكام العرفية في الأردن كله. وفي 17/9/1970 اقتحم اللواء 60 المدرع مدينة عمان، وشرع في قصف مخيمي الوحدات والحسين. وهكذا بدأت معركة طاحنة استمرت اثني عشر يوماً، وانتهت بالاتفاق على خروج منظمات المقاومة من العاصمة عمان وضواحيها. وقد سقط في هذه المعركة نحو 3440 قتيلاً بينهم نحو 1000 فدائي، فضلاً عن نحو 18 ألف جريح. وبينما كانت الاستخبارات العسكرية الأردنية تعتقل الفدائيين وقادتهم امثال صلاح خلف (أبو اياد) وفاروق القدومي (أبو اللطف) وتسعى للعثور على ياسر عرفات، اذ به يظهر في القاهرة إلى جانب الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان دعا في 22/9/1970 إلى قمة عربية استثنائية لبحث الأوضاع في الأردن. وفي القاهرة قام الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز والرئيس جمال عبد الناصر بوساطة أدّت إلى عقد اجتماع بين ياسر عرفات والملك حسين لمعالجة ذيول المعركة التي صار اسمها، منذ ذلك الوقت «أيلول الأسود». ومع ان ياسر عرفات اتفق والملك حسين على بقاء بعض مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في عمان، والإبقاء على بعض القواعد العسكرية في شمال الأردن، إلا ان وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28/9/1970 أتاحت للملك حسين ان يطبق الاتفاق كما أراد، فأخليت عمان من أي وجود فدائي، وبدأت حملة اعتقالات طاولت كل من كانت له علاقة بالمنظمات الفدائية. وفي 28/10/1970، وبعد استقالة الزعيم محمد داود ولجوئه إلى القاهرة، جرى تأليف حكومة جديدة برئاسة وصفي التل المعادي للفدائيين الذي تابع حملة الاعتقالات في صفوف الفلسطينيين في الأردن. وفي 30/3/1971 طوّق الجيش الأردني، بأوامر مباشرة من وصفي التل، منقطة جرش واحراج عجلون في شمال الأردن، وراح يطلق النار على قواعد الفدائيين. وقد أدرك ياسر عرفات انه بات بلا حماية بعدما فعلته القوات العراقية، وبعد التحولات التي وقعت في سورية والتي أوصلت اللواء حافظ الأسد إلى السلطة. ومع ذلك خاض الفدائيون المعركة الأخيرة للبقاء في شمال الأردن في 14/7/1971 والتي قادها أبو علي اياد (وليد أحمد نمر الحسين) واستشهد فيها، ولم تعرف تماماً كيفية استشهاده. وقد اسفرت نتيجة هذه المعارك عن خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن كله، وبدأت بذلك، مرحلة جديدة من تاريخ الثورة الفلسطينية دشنها ياسر عرفات بندائه المشهور: «يا سارية، الجبل، الجبل». وتدفق الفدائيون على جبل الشيخ ومنطقة العرقوب في لبنان.