| 

تواجهنا المعطيات التي خرجت بها دراسة احصائية اجتماعية(*)، تتناول مستويات الاندماج الوطني بين الأردنيين والفلسطينيين ـ الأردنيين بحقيقة ربما يكون عنوانها: الأردن... مجتمعان في بلد واحد!
تقول الأرقام إن الانفصال بين طرفي المواطنة الأردنية حادث على جميع المستويات، من المصاهرة إلى الصداقة، ومن النشاط العام المشترك، إلى وحدة الهوية ووحدة النظرة والشعور إزاء البلد وقضاياه. فبعد ستين عاماً من «الوحدة» الأردنية ـ الفلسطينية، والعيش المشترك في اطار المواطنة، تبين ان نسبة الاختلاط في الزواج بين الأردنيين والفلسطينيين لا تتجاوز 8,5 في المئة. وهي من دون الاسترسال في عرض النتائج التفصيلية، يمكن الخلوص إلى القول ان المواطنة الأردنية تعاني انقساماً عمودياً يزداد تجذراً. فرغم من السياسات الرسمية المثابرة التي تشجع الاندماج، ورغم النشاطات «الوحدوية» للأحزاب والشخصيات الوطنية، فإن عدد المنخرطين في علاقات وطنية (وهذا لا يعني بالضرورة انها إيجابية، بل هي، في الغالب، صراعية)، لا يزيد على نصف مليون مواطن، من أصل نحو ستة ملايين. وتشكل الفئات الوسطى والعليا من الطبقة الوسطى التي تعيش في ظروف «الاندماج» المديني والمهني والوظيفي، الغالبية الساحقة من هذا العدد المذكور اعلاه، خصوصاً في غرب العاصمة عمّان والأحياء الحضرية في إربد والزرقاء. لكن تلك المناطق والفعاليات «المندمجة»، هي الميدان الرئيسي للانقسام الصراعي، بينما تعيش الكتل السكانية الكبرى في انعزال مكاني وزماني. ولا يزال 54 في المئة من الأردنيين ينظرون إلى الأردنيين ـ الفلسطينيين، باعتبارهم «لاجئين» و14 في المئة يعتبرونهم «ضيوفا»، بينما لا تزيد نسبة الذين يقرون بمواطنية الفلسطيني ـ الأردني، على 10 في المئة. وللمفارقة، فإن نسبة الفلسطينيين ـ الأردنيين، الذين يعرّفون عن أنفسهم كـ«أردنيين» تبلغ أيضاً 10 في المئة.
أما الانقسام الآخر الأكثر تأثيراً، فيظهر في الميدان الاقتصادي ـ الاجتماعي. فالقسم الرئيسي من الكتلة الفلسطينية ـ الأردنية، ممن عاش تقليديا خارج القطاع العام والدولة، يؤدي دوراً مهما في السياسات الاقتصادية الليبرالية، وتساعد على ذلك التحويلات المالية من المغتربات الفلسطينية إلى الأقرباء في الأردن، ويبلغ حجم هذه التحويلات ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، وتسهم بقوة في تحسين قدرة فئات متدرجة والعدول عن المشاركة في حركة الانتفاضات والاحتجاجات الاجتماعية في الريف الأردني منذ انتفاضة نيسان 1989 وحتى اليوم. إلى ذلك، تظهر اليوم أربعة انقسامات فاعلة:
الأول، ويتمحور حول الموقف من مشاريع التوطين السياسي والكونفدرالية مع الضفة الغربية، والذي تؤيدها غالبية ساحقة من الأردنيين ـ الفلسطينيين على العكس من مواطنيهم الأردنيين.
والثاني، يتمحور حول دور الدولة الاقتصادي الاجتماعي الذي تدعمه أغلبية الأردنيين، بينما تؤيد الغالبية من الفلسطينيين ـ الأردنيين، اللبرلة والقطاع الخاص وهيئات ما يعرف بالمجتمع المدني.
والثالث، يتمحور حول الإسلام السياسي الذي يستقطب الأردنيين ـ الفلسطينيين بالدرجة الأولى، بينما يسير التدين، في صفوف الأردنيين، نحو اللاتسيس والاعتدال من جهة، جنبا إلى جنب مع أقلية تتجه صوب الإسلام السياسي الجهادي دون التقليدي.
والرابع، يتمحور حول أولوية الاهتمامات في صفوف الفئات الشابة، فبينما تقع قضايا مثل الديموقراطية والديموقراطية الاجتماعية والقضية الفلسطينية وحق العودة، موقع الأولويات بالنسبة للأردنيين، فإن القضايا التي تلح على الأردنيين ـ الفلسطينيين، تدور حول التمييز والمساواة المواطنية.
مرّت علاقة النخب الفلسطينية بالأردن، في ثلاث مراحل كبرى. امتدت المرحلة الأولى طوال عقدي الخمسينيات والستينيات، مرحلة وحدة الضفتين، وفيها لعب أعضاء تلك النخب دوراً تقدمياً أساسياً في تطوير البنية الأردنية. فقد زوّدوها بالكوادر التربوية والإدارية والفنية والمهنية التي كان المجتمع الفلسطيني قد راكمها في فترة الانتداب البريطاني. وكان دور الفئات الفلسطينية المتمدنة في الأردن غيره في دول الخليج، أولاً، لانها اندمجت في الدولة والمجتمع من خلال المواطنة، وثانياً، لأنها طورت التجارة والخدمات، وثالثا، لأنها اشتبكت مع مجتمع حيّ ناهض كان قد كوّن حركته الوطنية والثقافية.
وهنا بالذات، لعب المثقفون الفلسطينيون دورهم الأهم، حين قدموا كوادر سياسية ونضالية مدربة اسهمت نوعياً، بتأسيس الأحزاب التقدمية والصحافة الجديدة والحساسية الثقافية والأدبية الحديثة في البلاد. وعلى كل هذه المستويات، كان دور النخب الفلسطينية مماثلا لدور المسيحيين الأردنيين، أي انه كان داخلياً وعضوياً. في المقابل، أسهمت وحدة الضفتين بانتشال فلاحي الضفة الغربية المضطهدين من العائلات الإقطاعية، ومنحهم فرص التعليم واشغال مواقع قيادية في الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، وهو ما لم يكن متاحا لأبناء الفلاحين الفلسطينيين في السابق. لقد اعتمدت حكومات وصفي التل في الستينيات على ابناء الفلاحين في الضفتين من أجل تفكيك القوى القديمة وتحديث الدولة والاقتصاد والمجتمع وضمان وحدته، في نسخة أردنية من الناصرية (إنشاء القطاع العام الصناعي والخدماتي وتوسيع نطاق التعليم الجامعي والإصلاح الزراعي وخطط التنمية وتوزير ابناء الفئات الشعبية...).
وعلى الرغم العديد من الأساطير المنتشرة عربياً، كان المجتمع الأردني ـ الفلسطيني، قبل حرب الـ67، في طريقه إلى الاندماج في دولة موحدة وحديثة. لكن سقوط الضفة الغربية وضرب البنى العسكرية الأردنية من قبل إسرائيل، ومناخ الهزيمة والبحث عن بديل، سمح للتيارات الفلسطينية ولا سيما «فتح» بإعادة استقطاب فلسطينيي الأردن على أساس هوية منفصلة. وهنا بدأت المرحلة الثانية التي تميزت بالصدام بين الدولة الأردنية وفلسطينييها، وامتدت طوال السبعينيات وأوائل الثمانينيات.
كانت هزيمة المنظمات الفلسطينية امام العدوان الإسرائيلي على لبنان، عام 1982، نقطة انطلاق للمرحلة الثالثة من علاقة الفلسطينيين بالأردن، باتجاه المصالحة مع النظام الأردني. إذ لم يعد امام آلاف العائدين من «التجربة» في لبنان، سوى البحث عن ترتيب أوضاعهم في الأردن، بينما انتشرت عقلية الخلاص الفردي واستخدام رابطة الهوية اقتصاديا. وكف فلسطينيو الأردن عن القيام بدور المعارضة الجماعية. ولم يتراجع هذا الاتجاه لدى انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عام 1987. بالعكس، نشأ شعور ـ له ما يبرره فعلياً ـ بأن الوطنية الفلسطينية انتقلت من الشتات إلى الأراضي المحتلة. وعندما أقر النظام الأردني بهذه الحقيقة، واتخذ إجراءات فك الارتباط مع الضفة الغربية، والتسليم اذن بحق «المنظمة» في التفاوض مع إسرائيل، اعتبر المئات من الناشطين من فلسطينيي الأردن ـ وبعضهم في تصريحات او كتابات منشورة ـ ان الصراع مع النظام الأردني قد انتهى بصورة ايجابية، من جهة ان مطلبهم الأساسي بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، قد تحقق. في المقابل، بدأ يتكوّن اتجاه قوي للمصالحة والبحث عن ترتيب أوضاع فلسطينيي الأردن داخلياً، بالتفاهم مع النظام الذي دخل ازمة سياسية عميقة على خلفية تحوّل الاتجاه العام بين الأردنيين إلى المعارضة.
لم يشارك فلسطينيو الأردن على أي مستوى في انتفاضة نيسان 1989 التي انفجرت في الريف الأردني وفي صفوف العشائر، وكادت تطيح بالنظام الذي تنبه، في لحظة الخطر، إلى المفارقة القائمة، مكتشفا ان كتلة فلسطينيي الأردن، باتجاهاتها التصالحية والميركنتيلية، تشكّل قاعدة اجتماعية بديلة، تفت في عضد معارضة العشائر الاجتماعية الطابع وتؤمن الدعم للانتقال من نظام القطاع العام والرعاية الاجتماعية إلى نظام الخصخصة وحرية التجارة و«الاستثمار».
وقد كان لهجرة حوالى نصف مليون فلسطيني ـ أردني من الكويت، عامي 1990 و1991، الاثر الحاسم في التحويل الجذري لاتجاهات الكتلة الفلسطينية في الأردن نحو تعمّق، نزعات وقيم الميركنتيلية وأولوية النجاح الفردي وعرقلة عملية الاندماج الوطني، وظهور قاعدة اجتماعية لتيار التوطين ودعاوى الحقوق المنقوصة الخ.
في انتفاضة آب 1996، حين كان رصاص الأمن يتصدى للمتظاهرين في المعاقل العشائرية الأردنية في جنوب البلاد، جال رئيس الوزراء آنذاك على المخيمات، حيث استقبل بحفاوة جماهيرية أرادت ان تبعث برسالة صريحة إلى النظام بقصد التحالف. في الوقت نفسه هدد «الإخوان المسلمين»، الذين يمثلون شرائح متوسطة وشعبية من فلسطينيي الأردن، المعارضين الأردنيين، بـ«قطع أياديهم» اذا اقتربت الاحتجاجات من العاصمة عمان. وكان هؤلاء يدافعون عن التحالف القائم وقتها، بين الملك حسين و«حماس».
إن مصير الشعبين المشترك ووحدتهما الحقيقية لا يكمنان في توزيع الحصص البرلمانية والحكومية والأمنية، ولا يكمنان في تهميش الأغلبية الأردنية المفقرة في المشروع الكمبرادوري لليبرالية الجديدة، بل يكمنان في احياء خيار المقاومة.
وخيار المقاومة على كل حال، مفروض على الفلسطينيين والأردنيين، لكي يحصل الأوائل على حقوقهم في فلسطين، ولكي يحتفظ الأخيرون بدولتهم الوطنية وتعزيز استقلالها وتقدمها. نحن نواجه قوة عاتية، فاشية، ومصممة على ابتلاع فلسطين كلها وطرد المزيد من الفلسطينيين وإلغاء الدولة الأردنية، لتوفير سياق لا بد منه للخلاص من تبعات القضية الفلسطينية، والمسألة، بالنسبة للمشروع الصهيوني، ليست خاضعة للتسويات. فمن يحسب ان إسرائيل ستسمح ببناء دولة فلسطينية مستقلة قادرة على اعادة تكوين المجتمع الفلسطيني، وبعودة اللاجئين، كمن يحسب ان الإسرائيليين مستعدون، بالضغوط الأميركية، لهزيمة تاريخية على مائدة مفاوضات انها معركة حياة او موت بالنسبة للصهيونية. وهي كذلك بالنسبة لنا.
لا تريد الحركة الوطنية الأردنية طرد أي فلسطيني من الأردن، ولا الاضرار بالحقوق الاجتماعية والمدنية، حتى بالنسبة لغير المجنسين، ولا سحب الجنسية الأردنية، ولكنها تريد التأكيد على ان جنسية الفلسطيني وحقوقه في الأردن هي شأن داخلي غير سياسي، وليس بديلا عن الجنسية والحقوق السياسية في فلسطين، وانها ـ الجنسية الأردنية ـ لا تمثل حلا لقضية اللاجئين والنازحين والمهجرين الفلسطينيين وهويتهم الوطنية. وباختصار، علينا ان ندرك الفارق النوعي بين كون وجود الفلسطينيين في الأردن بوصفه شأنا داخلياً وبين كونه جزءاً من تسوية مفروضة إسرائيلياً.
يضعنا ذلك في مواجهة نقدية صارمة مع خطابات التوطين الموصوفة اعلاه:
1ـ لا يمكن إلغاء الهويتين الوطنيتين، الأردنية والفلسطينية، لمصلحة هوية هاشمية على المثال السعودي. فهاتان الهويتان متجذرتان، الأولى في دولة قائمة ومتنامية ومؤطرة منذ سنة 1920، والثانية ليس لها ـ بسبب ارتباطها بالقضية الفلسطينية ـ نظير من حيث القوة والحضور في المشرق العربي. وقد يقبل المزاج الفلسطيني العام في الأردن الهوية الهاشمية، كخلاص من الأزمة، لكن ذلك لن يلغي ترابط الكتلة الفلسطينية وهويتها واقعياً. وستظل، بالتالي، خارج الاندماج. كذلك، فإن الاتجاه العام بين الأردنيين ليس مستعداً، على رغم ما يظهر من ولاء للهاشميين للتخلي عن الهوية الأردنية للدولة.
2ـ الخيار الشخصي للانتماء إلى الشعب الأردني (وهو يشتمل، وفق الدراسات المعنية، نحو 10 في المئة من فلسطينيي الأردن) هو خيار فردي، ولا يطرح، بطبيعته، التوطين السياسي الجماعي، بل حقوق المواطنة الفردية. وهي مصونة في كل الأحوال.
3ـ ليس لنا اعتراض على الخيار القومي الوحدوي (ولكن من دون تجريم الخصوصيات)، بل نحن نطرحه مع سوريا والعراق، ولكننا نرفضه كحجة ديماغوجية للتوطين السياسي للاجئين في الأردن وشطب حق العودة، كما نرفض أية صلة وحدوية فلسطينية خاضعة للنفوذ الإسرائيلي. فمن شأن وحدة كهذه نقل الاحتلال ـ سياسياً وأمنياً واقتصادياً ـ إلى شرق النهر.
4ـ حق المواطنة الليبرالي هو حق فردي وشخصي. وهو مكفول. ولكنه لا يحيل على حقوق جماعية. هنا، لا نتحدث عن حق المواطنة بل عن حق تقرير المصير. وهذا الحق، بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا ينفصل عن حق العودة. كذلك، فإن حقوق المواطنة الليبرالية المعتبرة في الغرب، وحتى حقوق الأقليات، لا تنطبق على فلسطينيي الأردن، أولاً، لانه لا يمكن فصلها عن حقوق الفلسطينيين في فلسطين المحتلة والمغتصبة، وثانياً، لان الفلسطينيين في الأردن ليسوا أقلية، بل يكوّنون نحو 50 في المئة من المواطنين، والاعتراف بحقوق سياسية جماعية لهم لا يعني سوى نشوء نظام محاصصة يشق البلاد، ويدفعها إلى الصراع الداخلي، لمصلحة أمن إسرائيل.
ينقلنا هذا المنطق إلى حقل السجال الاجتماعي بامتياز. الكادحون الأردنيون والفلسطينيون معا متضررون من تحوّل الأردن إلى مركز للكمبرادور الفلسطيني والعربي. لقد دمر ما «بناه» و«يبنيه» هذا الكمبرادور العقاري والمالي ـ بالخصوص بالشراكة مع الكمبرادور الأردني ـ البنى المدينية والإنتاجية، وخرّب الأراضي الزراعية، وحطم الطبقة الوسطى، وأفقر الأغلبية، وافسد الإدارة والحياة السياسية والثقافية.
نحن نقترح، في المقابل، شراكة أردنية ـ فلسطينية، لا في دولة محاصصة في الأردن بل في مقاومة العدو الإسرائيلي. وما زلنا ننتظر ان تخرج النخب والقوى الوطنية الفلسطينية عن صمتها إزاء الخطط الأميركية والعربية الرسمية والإسرائيلية. وهذه الخطط تختلف في الجزئيات والشكليات، ولكنها تنطلق من فكرة واحدة، هي تصفية القضية الفلسطينية وتصفية الكيان الأردني معا.

- أنظر: ناهض حتّر، «يساري أردني على جبهتين»، بيروت: دار الفارابي، 2009. * خالد الدباس (2006)، أطروحة دكتوراه قدمت إلى جامعة مونستر الألمانية.