| 

عندما كانت فصائل البدو تنبش جثث الفدائيين المقتولين بين عجلون والحدود السورية، لقتلهم من جديد (كانت العبارة المكرسة هي: «فلنتخفف من مائة رصاصة زائدة»)، كان الملك في باريس. هل هجر المجازر لثلاثة أيام ليجرب موديلا جديداً من «اللامبورغيني»؟ بقي شقيقه وليّ العهد في عمان. فجأة، اطبقت ثلاثة صفوف من الدبابات الحصار على معسكر «البقعة» الكائن على عشرين كيلومتراً من العاصمة. دامت المفاوضات بين نساء المخيم والضباط الأردنيين نهارين وليلتين. كانت العجائز يثرن الشفقة، والشابات الرغبة، وكن جميعا يعرضن ما لا يزال قادراً على إثارة مشاعر العسكر: «الأطفال، الأعين، التجاعيد والغضون. بدا رجال المخيم جاهلين حركة التعهر المقدس هذه. أداروا ظهورهم صامتين وراحوا يتمشون في الأزقة الموحلة، ثلاثة ثلاثة، او خمسة خمسة، يدخن الواحد منهم ويداعب مسبحة العنبر. تخيلوا ملايين اعقاب السجائر، مذهبة الأطراف، السجائر الشقراء المقذوفة إلى الأرض وهي لم تكد تولع. كان الأمراء يهدون السجائر ليعلموا الفلسطينيين جغرافية الخليج. وكان الرجال يرفضون محادثة ضباط حسين. وما أزال احسب ان الفدائيين (جميع رجال المخيم كانوا فدائيين) قد اتفقوا مع النساء، شابات وعجائز، على ان يتحدثن هنّ، فيما يصمت الرجال ليدهشوا الجيش الأردني بإصرار صادق او مصطنع. إلا ان الضباط البدو ما كانوا عارفين بأنهم كانوا امام تمثيلية مسرحية موجهة للتمويه على عملية انقاذ. فلإعلاقة الأردنيين من اجتياح المخيم، كان على الفلسطينيين ان يصمدوا انهار آخر وليلة. كانت النساء يصرخن، والصغار الذين يحملن على الظهر او يمسكن بهم بالأيدي يشعرون بأنهم تحت طائلة التهديد، فيصرخون بصوت أعلى. ولقد رحن يدفعن العربات المحملة بالأطفال وأكياس الرز والبطاطا والعدس، وعبرن حاجز الأسلاك الشائكة. أما الرجال، الغاطون بعد في الصمت، فكانوا ما فتئوا يسبحون.
ـ نريد العودة إلى ديارنا.
كنّ في الطريق المؤدية إلى نهر الأردن. شاع في صفوف الضباط هلع كبير.
ـ كيف نطلق النار على النساء وعلى عربات محملة بالأطفال؟
ـ نريد العودة إلى ديارنا.
ـ أية ديار؟
ـ في فلسطين. على الأقدام. سنعبر الأردن. اليهود أكثر إنسانية من الاردنيين.
كان ضباط من الشركس، يهمون بإطلاق النار على هؤلاء النسوة وعلى صغارهن الذاهبين لعبور نهر الأردن الكائن على مسافة أربعين كيلومتراً.
«يا جلالة الملك، انصحك، لا تطلق النار».
كانت هذه، كما يبدو، هي الجملة التي نطق بها جورج بومبيدو امام المك حسين. فإذا كان سفير فرنسا في عمان متجاهلا على هذه الشاكلة، فإن بومبيدو كان، عبر مخبريه، يعرف انتفاضة النساء. كان كاهن مسيحي، يؤمن الاتصال بين بعض المسؤولين الفلسطينيين و(ربما) بين ما كان يدعى آنذاك باليسار الفرنسي المرتبط بيسار الفاتيكان. عندما علمت السلطات الأردنية بوجوده في المخيم، وجهت الأمر إلى القادة السياسيين والعسكريين بتسليمه إلى الشرطة الملكية.
عندما كانت نساء «البقعة» خارجات من المخيم بدعوى الذهاب إلى بيوتهن في فلسطين، كان الملك حسين مدعواً لوليمة غداء تقام على شرفه في الأليزيه. كان قد قطع قسماً من جادة الأوبرا. قيل لي ان الشيء الوحيد الذي رآه الملك هو قبة الأوبرا، الخضراء الرمادية، التي كتبت عليها، بالزيت الأبيض، بحروف كبيرة: «فلسطين ستنتصر». كان راقصات وراقصون وآليون عاملون في الأوبرا قد صعدوا على السقف عشية مرور الموكب وكتبوا هذه الجملة ـ الرسالة. قرأها الملك. واذن، فلم يكن أي مكان في العالم ليبدو في منجى من الإرهابيين، وأوبرا باريس، المسكونة من قبل بشبح فانتوماس، والمسكون قبوها بما كان يدعى بـ«شبح الأوبرا»، ها هي ترى تسقيفتها مسكونة بالفدائيين. بقي هذا التحذير الموجز في كلمتين اثنتين، مقروءا لفترة طويلة، بالرغم من الأمطار والشمس، وأوامر بومبيدو الذي لا بد انه ضحك كثيراً.
لكن سواء في الأوبرا او في اماكن اخرى، فقد اتيحت لي المناسبة، بعد عشرين سنة او اكثر، لان اقرأ على حيطان باريس الرمادية، عبارة «فلسطين ستنتصر». حدث المشهد الذي وصفت اعلاه بثلاثة أيام قبل ما لا أزال اطلق عليه في ذاكرتي عنوان: «الفلسطينيون: الحفلة الأخيرة في مخيم البقعة».
إذا كنا نفهم ان يموت شعب دفاعاً عن أرضه، كما فعل الجزائريون، او عن لغته، كما يفعل البلجيكيون الفلامانديون او الايرلنديون الشماليون، فينبغي ان تقبل بأن يقاتل الفلسطينيون، دفاعا عن أرضهم وعن لكنتهم. إن دول «الجامعة العربية» الواحدة والعشرين تنطق بالعربية، والفلسطينيون كسواهم لهم لكنتهم، حتى إذا كانت خفية وعصية على القبض من قبل أذُن غير مدربة. وليس تقسيم المخيمات الفلسطينية إلى حارات تعيد تركيب قرى فلسطين، هذا التقسيم الذي يصون وينقل إلى هذه المخيمات جغرافية البلاد بنسب معقولة، ليس في نظر الفلسطينيين بأكثر أهمية من الاحتفاط بلكنتهم نفسها.
وإلى اللكنة، يكفي حرف واحد مضاف إلى الكلمة، او منسي، او «مزدرد» لوضع نهاية مأساوية. كان سوّاق الشاحنات في حرب 1982 لبنانيين او فلسطينيين، وكان كتائبي مسلح يفتح يده، ويسأل:
ـ ما هذا
ويكون جزاء الاجابة رصاصة في الرأس او توديعا حاراً باليد. تقال كلمة: «طماطم» في عربية اللبنانيين: «بانادورا»، وفي عربية الفلسطينيين: «بندورة». إن حرفا واحداً، مضافا او منقوصاً، يعادل هنا الحياة او الموت.
كان عدد المخيمات في الأردن عشرة او اثني عشر. استطيع ان أذكر منها: «مخيم جبل الحسين» و«الوحدات» و«البقعة» و«مخيم غزة» و«إربد». كانت الحياة فيها أقل أناقة، أقصد أقل نقاءاً مما في القواعد.
كان كل من المخيمات يتمتع بصيدلية صغيرة، ملأى بعلب أدوية عتيقة فقدت مفعولها، آتية من ألمانيا وفرنسا، وايطاليا، واسبانيا، والبلدان الاسكندنافية. أدوية لم يكن احد هنا ليعرف ان يقرأ ما هو مكتوب عليها، وطرق استعمالها، وصفتها... وعندما احترقت خيام كثيرة في مخيم «البقعة»، بعثت العربية السعودية، كهدية، بمنازل صغيرة من التنك المتموج، جيء بها من الرياض مباشرة بالطائرة، واحاطتها عجائز المخيم بالاستقبال اللائق: ضرب من الرقص المرتجل، كانت منازل الصفيح او الألمنيوم تلمع في الشمس وتعكس ضياءها وحرارتها. تخيلوا مكعبا ينقص أحد اضلاعه، هذا الذي يستقر على الأرض، وقد شق، في ضلع آخر منه، باب. في هذه الغرفة، الموضوعة هنا، تحت شمس منتصف النهار، لا شك ان زوجين في الثمانين سيجدان نفسيهما مشوبين في الصيف، متجمدين في ليالي الشتاء. ولقد خطر على بال بعض الفلسينيين ان يملأوا تموجات السقف والأضلاع بالطين، وبذروا في هذه الجنينة المصغرة اعشاباً كانوا يسقونها كل مساء، ولقد نبتت فيها أزهار، خشخاش او خشخاش منثور.
عندما اتطلع إلى الثورة الفلسطينية من علو يتخطاني، أرى انها أبداً لم تكن رغبة باستعادة أراض شبيهة بحقول ضائعة وحدائق للخضار او بساتين بلا اسيجة، بل حركة كبرى للتمرد والاحتجاج، تذهب إلى اقاصي العالم الإسلامي، لا الأقاصي الحدودية، فحسب، وكان واضحا لدى الفدائيين الحلم برج الأقطار العربية الاثنين والعشرين والذهاب إلى ما هو أبعد.

جان جينيه أديب فرنسي، زار قواعد الفدائيين في الأردن وكتب عنهم كتاباً مشهوراً هو «أسير عاشق».