في التاريخ
كان شرق الأردن قد شكل أساسا من الأجزاء الجنوبية من ولاية دمشق القديمة، مع قطع مضافة مأخوذة من شمال الحجاز والبادية العربية، كما سبق. ولم يكن شرق الأردن بلدا طبيعيا بأية صورة. وبغض النظر عن بلدات قليلة وعن تجمعات صغيرة للقرى المتناثرة على امتداد الأراضي المرتفعة شرق وادي الأردن، والأراضي الرعوية والزراعية في بعض المناطق، فقد كانت هذه الإمارة العربية في معظمها صحراء خاوية. وحتى مؤسسها، الأمير عبد الله، لم ينظر إليها كبلد قابل للدوام على حاله، بل لم تكن في نظره أكثر من أرض عربية تاريخية تمكنت الثورة العربية الكبرى من الإبقاء عليها لكي تشكل ذات يوم قاعدة تقدم العون لإعادة بناء سوريا العربية الكبرى. ويلاحظ أن الأمير عبد الله لم يسم جيشه جيش شرق الأردن بل سماه «الجيش العربي». وربما تكون إمارة عبد الله قد بدت للبريطانيين وغيرهم بعثا لإقليمي أدوم ومؤاب التوراتيين أو للمقاطة العربية الرومانية Provincia Arabia. ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن أمثال هذه المفاهيم لم تكن تعني شيئا بالنسبة إلى أهل شرق الأردن، ولا هي ساهمت بشكل مباشر في إعطائهم أي معنى لهوية قومية تاريخية منفصلة (كمال الصليبي، «بيت بمنازل كثيرة»، بيروت، دار نوفل، 1990).

في الجغرافيا
أ ـ الأردن عقدة جغرافية في المشرق العربي، من دون حلها أو قطعها لا يمكن أن يأخذ هذا الواقع امتداده الطبيعي. فهذا الكيان اقتطع من سورية الطبيعية (كما اقتطع غيره، ولكنه أكبرها خطرا). فهو يمنع سوريا من الوصول إلى البحر الأحمر. ويفصل الجزيرة العربية والعراق عن فلسطين. ويفصل سوريا عن الجزيرة العربية. وهذا الكيان الذي هو وفلسطين جزء من حقيقة جغرافية أكبر يفصل الأردن عن فلسطين.
ب ـ إن الأردن ككيان صغير وفقير ليس لديه مقومات الدولة وليس كالكيانات الصغيرة الموجودة في الوطن العربي، كلبنان والبحرين وقطر وغيرها، فهذه جميعها على الأطراف. أما هو، فهو في الصدر المواجه لأكبر الأخطار على الإنسان العربي ووطنه. وكونه لا يملك ماديا مقومات الدولة، فهو دوما في حضن أخطر أعداء الأمة العربية مقاومة لنهوضها من عرب وغير عرب. ولا يلغي هذه الحقيقة آنذاك نداءات (جلالة سيدنا) المتكررة طلبا للعون المادي، لأنه يقف على أطول وأخطر الخطوط في مواجهة أعداء العرب. هذه المناداة اللحوح والمتكررة لا تلغي حقيقة الأردن الجغرافية (الجيوبوليتيكية) والمهمة الاستراتيجية للكيان الأردني. فمهما قُدّم له من عون مادي وسياسي، فهو لن يستخدم إطلاقا من أجل تقوية واقع الأردن، وجعله يمتلك القوة من ذاته. خصوصا إذا أتت من الجهات الأجنبية والعربية التي تعرف الأسباب الاستراتيجية لخلق واستمرار وجود هذا الكيان. كما أن هذه النداءات المستندة إلى نشاط سياسي واسع كان يقوم به الملك حسين ومن يعينه على ذلك يستهدف طمس حقيقة أهم، وهي أن الأردن، إنسانا وأرضا جزء من حقيقة أكبر. إن إزالة النظام في الأردن، تعني ببساطة إزالة الهدف الاستراتيجي الذي من أجله وجد الكيان في شرقي الأردن، وتعني إزالة حاجز سياسي وأمني مدعوم بقوة من كل أعداء العرب ونهوضهم. ومن أهم هؤلاء الأعداء أو أهمهم الصهيونية العالمية، والبديل الوحيد لإزالة هذا الكيان هو أن يمتلك الأردنيون إرادتهم الحرة ليقرروا مصيرهم ومصير الأجيال القادمة من أبنائهم (ضافي جمعاني، «من الحزب إلى السجن»، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2007).