| 

لم يكن هناك صوت إلا وقع حذائها الثقيل على الرصيف المتشقق، المغمور بالمطر، وبعثر نباح الكلاب البعيدة، ومواء القطط الجائعة المتربصة عند مدخل الميناء البحري القديم هدوء ذلك الصباح الرمادي.
شفتاها الزرقاوان، المرتعشتان، كانتا تتمتمان بأدعية الصباح. يدها اليمنى الحادة التجاعيد تقبض على حقيبة سوداء، تمسك بها كأنها تمسك بكف طفلة ضريرة. سلكت الطريق الفرعية المؤدية إلى موقف الباصات بأقصى سرعتها، محاولة إخفاء شيء ما.
صورة على حائط استوقفتها. اقتربت قليلا. وضعت يدها اليسرى على الصورة. أخذت تتأمل العينين بنظرات براقة. الرأس منتصب بغضب، طبعت قبلة على الجبين، أخرجت منديلاً ومررته فوق الصورة وشدت بقوة على الكلمات المطبوعة في الأسفل: «الحرية للأسير...» وأخرجت شهقة متقطعة. عادت تحدق في الحقيبة الفاخرة، ودّعت الصورة وانطلقت كالريح.
وصلت إلى الموقف. لم تثرها الدهشة حين وجدته فارغاً: بحثت عن ركن يقيها من رذاذ المطر. وضعت حقيبتها خلف ظهرها بعد أن غطتها بأسفل معطفها الأنيق الطويل، ثم اتكأت عليها برفق، مرت بضع دقائق وهي غارقة في الصمت، أضافت إلى سنواتها السبعين وهجاً غريباً، أخمدته الأصوات التي بدأ المكان يعج بها. صوت ما انتشلها من صمتها وحيرتها: «بيروت. بيروت».
صعدت إلى الحافلة. وضعت حقيبتها في حجرها، غطتها بالمنديل القماشي بعد أن مسحت وجهها به. أخرجت سبحة خشبية متآكلة الأطراف. ظلت تطقطق حبيباتها طوال الطريق وعيناها تحرسان الحقيبة.
عندما وصلت إلى بيروت اتفقت مع سائق أجرة أن يرشدها إلى دور الزكاة والأيتام وجميع الجمعيات الخيرية في المدينة. أمضت النهار وهي تتنقل من مكان إلى آخر والسائق في الانتظار، يحادث نفسه في كل مرة تخرج والحقيبة الثمينة: «ماذا لو طلبتُ منها المساعدة قبل أن تنفق ما في الحقيبة؟».
في آخر مرة خرجت فيها من دار تأهيل المعوقين، كانت مضطربة، تختنق بعبراتها. رغب في محادثتها، لكنها انتفضت بكاء، ثم غابت عن وعيها، حاول إيقاظها، لكنه لم ينجح. قاد سيارته إلى زاوية خفية. فكر بإلقائها هناك وأخذ الحقيبة والهرب. سوف تقضي حتفها هناك، ولن يشك أحد به. إنها ضعيفة ومسنة.
فتح الحقيبة. ارتعشت عيناه. قلب كل ما فيها: أدوية للضغط، للسكري، لأمراض أخرى: أعصاب، مفاصل. أدوية متعددة الأحجام والألوان لم يعرفها. ثم عثر على حافظة جلدية مليئة بالأوراق.
أخرج الأوراق فوجد تقارير طبية تفيد بأن المدعو رئيف الحسين، البالغ خمسة عشر عاماً، مصاب بشلل نصفي، وهو بحاجة إلى عملية جراحية في القلب. ووجد تقارير كثيرة باللغات الأجنبية، وصورا للسيدة وهي شابة مع أفراد عائلتها، كُتب خلفها «مخيم تل الزعتر 1967»، ثم صورا للسيدة مع آخرين كُتب خلفها «مخيم شاتيلا 1980».
نبش أكثر في الحقيبة فاستخرج منها جرائد قديمة، صفراء، تظهر فيها صور لجثث متعفنة. في إحدى صور تبدو صورتها وهي تحمل رضيعاً تحتضنه بقوة وعنوان كبير: «صالحة الحسين تفقد ثمانية من أولادها وسبعة من أشقائها في مجازر بيروت، وتنجو بحفيدها الرضيع بمعجزة من مخيم شاتيلا». واستخرج رسائل من الصليب الأحمر مرسلة من معتقلات عدة، ومشطا خشبيا وسوارا وسبحة نُقش على حبيباتها: «إلى أمي الغالية (أنصار 1983)» كانت سقطت من يدها إلى داخل الحقيبة حين غابت عن وعيها.