المدن في العالم العربي كثيرة، لكن الحواضر تكاد تكون معدومة. وربما كانت دمشق الحاضرة الوحيدة التي كان لها شأن في تاريخ هذه المنطقة منذ أكثر من ألفي عام. فعندما ظهر أول تكوين سياسي للعرب منذ نحو أربعة عشر قرناً لم يجدوا حاضرة عريقة وجاهزة سوى دمشق الرومانية ـ الهيلينية المفتتحة، فدان الأمر لهم وصارت عاصمة لأول دولة في تاريخهم الجلي.
وثمة في هذه البيداء المترامية أربع مدن عربية فقط هي: دمشق والقاهرة وبغداد وحلب، وبدرجة أقل فاس وبيروت. تلك مدن سطعت، حقا، في سماء هذه المنطقة، فكان لها شأن وتاريخ وحضارة. أما دمشق والقاهرة فقد أنجزت كل واحدة منهما مشروعها فاكتملت وربما اكتهلت منذ زمن بعيد، فصارت هادئة، ممتثلة، بطيئة الخطو، ثقيلة الوقع. في حين ماتت الإسكندرية عندما تحولت من مدينة كوزموبوليتية إلى مدينة محلية ليست أكثر من ميناء ومسبح كبير لخلائق كثيرة، وجرى تدمير بغداد تلك الحاضرة العريقة الجميلة. ومن بين هذه المدن كانت بيروت، إلى فترة وجيزة، صاحبة مشروع ثقافي مغاير، لهذا، ربما، أعطبوها أو كادوا.
لم تترك حواضر العالم العربي ومدنه التاريخية مكانا لعاصمة الأردن عمّان، فتخلفت مكانتها الثقافية كثيرا. لهذا تبدو عمّان اليوم مشروع مدينة بعدما باتت المدن العربية الأخرى بلا مشروع. إنها مدينة بلا ملامح كأنها مبنية منذ ثلاثين سنة فقط... تراها والأحياء النظيفة المتناثرة فوق الروابي كالشميساني وعبدون، كأنها مستعمرة حديثة في قلب صحراء مترامية. ولولا قعر المدينة والساحة الهاشمية والقلعة والمدرج الروماني لحار المرء: أهو في مصايف لبنان أم في بلودان.

عمان في الذاكرة
اثنان تركا في الذاكرة شيئا من عمان: شاعر الأردن مصطفى وهبة التل (عرار) والروائي الكبير عبد الرحمن منيف. الأول في خمرياته ومعابثاته و«خرابيشه»، والثاني عندما كتب «سيرة مدينة».
منذ خمسين سنة لم يكن في عمان إلا ثلاث مدارس ابتدائية. وكان الناس يذهبون إلى دمشق لتلقي العلم ولا سيما إلى مكتب عنبر الذي تعلم فيه معظم قادة الأردن والذي أعطاهم الشهادة والطربوش وأنزل عن رؤوسهم الحطة والعقال. أما اليوم فهناك أكثر من عشر جامعات. وعلى الرغم من ذلك، ولولا إبداعات تومض هنا وهناك، فلا حركة ثقافية متميزة ذات شأن وشجون أو ذات ملامح وتكوين. ولم يكن في عمان أية صحيفة قبل قيام الإمارة سنة 1920. وثمة الآن بضع صحف يومية وأكثر من عشرين مجلة أسبوعية وعدد غير محدد من المجلات الشهرية والفصلية والنشرات الدورية.

عمان المحطة
شركس وشيشان وبدو ومسيحيون. هؤلاء هم من أعطى عمان بعضا من روحها وتكوينها ومزاجها. ثم جاء تجار فلسطين والشام وحوران ليحولوا هذه المحطة ـ الواحة، القائمة على طريق «الحج الشامي» إلى شبه مدينة ذات مال وقبان وحجارة وإنسان. إنها مدينة الفلسطينيين والسوريين بامتياز. فقبيلة الكرادشة مثلا جاءت من جبل الدروز في سورية، والزريقات والصناع من الشام، وآل المعايطة والبقاعي من لبنان، وتحدرت عائلة هلسة من مصر. وهذه العائلات كلها مسيحية. أما مدينة الأردنيين التقليدية فكانت السلط التي تراجع شأنها وانكفأت أمام عمان. ويبدو هذا واضحا في أسماء عائلات العاصمة؛ فمن الفلسطينيين: عبد الهادي، النمر، المصري، طوقان، الرفاعي، دروزة. ومن الشام: الرزاز، الإزرعي، الزعبي، الحوراني، العظم، الشريقي، البيطار، جبري، الشرع؛ حتى أن سعد هايل السرور النائب السابق في البرلمان الأردني هو ابن هايل السرور زعيم كتلة نواب العشائر في البرلمان السوري في أواخر الخمسينيات.
تمكنت عمان بفضل النابلسيين والخلايلة وأهل القدس والشام من أن تصبح سوقا لقبائل بني صخر وبني حسن والعدوان يبيعون فيها مواشيهم ومنتجاتهم ويشترون منها حاجاتهم من المأكل والملبس، وهؤلاء صاروا، في ما بعد، قادة الدولة والجيش والمصالح. وبفضل هذا المزيج من الناس سادت روح التسامح وانحسرت روائح التعصب. لذلك قلما ترى الحجاب مضروبا على وجوه النساء في عمان؛ فالشركس والشيشان جاؤوا من بيئة لا تعير هذا الضرب من الملبس أي اهتمام أو قداسة، ونساء البدو والفلاحين غير منقبات كما هو معروف، والنساء المسيحيات لا ينظرن إلى الحجاب كشكل من أشكال الاحتشام. غير أن موجة الانجراف إلى التدين غمرت الأردن منذ أكثر من عشرين سنة.
بدأت عمان محطة للقوافل العابرة إلى الحجاز. وهي اليوم محطة موقتة لمعظم ساكنيها. فكثير ممن فيها ينتظر يوما ينتقل فيه إما إلى فلسطين أو إلى دمشق أو إلى رحاب العالم الفسيحة؛ وكانت بيروت، ثم بغداد، كفتا عن أن تكونا مقصدا. وفي معمعان هذا الانتظار يعيش الناس في توتر وحيرة وعصبية. إنهم في وحشة لا يتساكنون أبداً بل يتجاورون دائما. تحسبهم جمعا وهم فرادى. وتراهم، في معظمهم، يسعون إلى سكنى البيوت المستقلة و«الفيلات». إنه مزاج فلاحي شبه بدوي يجد السكن في الشقق المتراكبة والمتجاورة نوعا من العيب، أو أنه، في أحسن الحالات، غير مستحب.