| 

«منذ انقطعت الطرق وصمت التليفون وحرمت من الاتصال بالعالم أحسستني لأول مرة أصير فلسطينياً وأكره إسرائيل»
جان حينيه

يقولون إن المجازر لا تدخل التاريخ والوقائع السياسية عبر استحضار أهوالها وفظائعها فحسب، بل عبر ارتفاع صوت الضحية ومعاقبة المجرم أولاً. وهذا هو المعنى الحقيقي لإحياء ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا عاماً بعد عام، أي تأكيد إصرار الضحية على ملاحقة الجلاد والمجرم والإصرار على ضرورة عدم إفلاته من العقاب.
لقد أسس العديد من القانونيين فكرة الجزاء القانوني على مفهوم الضرورة ـ ضرورة العدالة كشرط أساسي من شروط الاجتماع البشري «أي ضرورة الجزاء القانوني للاجتماع البشري كيلا ينحدر إلى درك التوحش وضرورته للضحية نفسها كيلا تتدهور درجات في سلم الآدمية».
ظل المجرمون بمنأى عن الملاحقة القانونية والإدانة إلى أن بادر المحاميان البلجيكيان المعروفان بدفاعهما عن حقوق الإنسان Luc Walleyn & Michael Verhaege، إلى رفع دعوى ضد أرييل شارون ومن يطاله التحقيق من القادة الإسرائيليين ومن أفراد الميليشيات اللبنانية المتورطين مباشرة في ارتكاب المجزرة أمام المحاكم البلجيكية بتاريخ 8/6/2001 ممثلين ثمانية وعشرين من أهالي الضحايا الناجين من المجزرة.
رفعت الدعوى بموجب القانون البلجيكي لعام 1993 وتعديلاته عام 1999. ويتمتع هذا القانون بما يسمى «مبدأ الاختصاص العالمي» أو «الصلاحيات الشاملة»، مما يعني إمكانية ملاحقة ومحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وجنسية الضحية أو المتهم.
شكل رفع هذه الدعوى أول حضور فعلي وقوي لضحايا المجزرة منذ عام 1982 وأثار جدلا واسعا في الأوساط القانونية البلجيكية والدولية. كما تسبب مجرد رفع الدعوى في إثارة مخاوف مجرمي الحرب الإسرائيليين والأميركيين السابقين والمحتملين من العواقب الوخيمة لاتخاذ الدعوى مسارا قانونيا يفضي إلى تأكيد فكرة ارتفاع صوت الضحية وتأكيد ضرورة عدم الإفلات من العقاب، هذا بغض النظر عما سيؤول إليه هذا المسار، فيما يتعلق بالنجاح أو الفشل في جلب المجرمين إلى العدالة.
وترافقت تلك المخاوف بحملة من الضغوطات الأميركية والإسرائيلية المكثفة على الحكومة البلجيكية من أجل إبطال مفعول القانون البلجيكي لعام 1993. ووصلت هذه الضغوطات إلى حد التهديد بفرض عقوبات على بلجيكا ليس أقلها نقل مقر حلف الناتو من بروكسل. كما تلازم رفع الدعوى منذ البداية بقدر كبير من الابتزاز السياسي والأخلاقي الإسرائيلي للحكومة البلجيكية من خلال تذكير بلجيكا بماضيها الاستعماري في الكونغو، فضلا عن اتهامها بالتعاون مع النازية والعداء للسامية.
وقد نجحت حملة الضغط هذه حين أقرت الحكومة البلجيكية بتاريخ 12/7/2003 وبعد ساعات قليلة من أدائها اليمين أمام الملك ألبير الثاني، مشروع قانون جديد يبطل قانون «الصلاحيات الشاملة». وقد أقر مجلس النواب البلجيكي بتاريخ 30/7/2003 مشروع القانون الجديد. وقد حاز مشروع القانون هذا على الموافقة النهائية في مجلس الشيوخ بتاريخ 1/8/2003.
ويحصر القانون الجديد الحالات التي يمكن فيها إقامة دعاوى أمام المحاكم البلجيكية بأن يكون المتهم أو الضحية مواطنا بلجيكيا أو مقيما بصفة دائمة في بلجيكا وقت حصول الجريمة. كما يضمن هذا القانون الحصانة الدبلوماسية لرؤساء الدول والمسؤولين الحكوميين الذين يزورون بلجيكا.
إزاء ذلك رفع محامو أهالي الضحايا دعوى ضد الحكومة البلجيكية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، باعتبار ما حصل من إلغاء للقانون تدخلا سياسيا في مجرى العدالة البلجيكية. رفضت الدعوى من قبل المحكمة الأوروبية. وعليه جمّدت الدعوى. وهكذا توقف سير العدالة البلجيكية نتيجة للضغط السياسي الإسرائيلي والأميركي على بلجيكا والتواطؤ الأوروبي مع الحكومة البلجيكية آنذاك. وفقد أهالي ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا الأمل، ولو مؤقتا، في ملاحقة المجرمين ومحاكمتهم. ولكن يمكن الجزم بأن هذه القضية لم ولن تفقد زخمها المعنوي وقوتها الأخلاقية طالما أن مفهوم الجزاء القانوني مبني على مفهوم الضرورة وطالما تقضي هذه الضرورة بإصرار الضحايا على إسماع صوتهم وملاحقة المجرمين.
وعود على بدء نقول إن مجرمي الحرب الإسرائيليين تمكنوا من الإفلات من العقاب المرة تلو المرة ولم يرتدعوا عن ارتكاب المزيد من المجازر منذ ذلك الحين مرورا بمجزرة مخيم جنين وشاطئ غزة وصولا إلى مجزرة السفينة مرمرة.
وبهذا المعنى فإن المجزرة مستمرة وطالما هي كذلك فإن النضال القانوني من أجل جلب مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى العدالة ينبغي أن يستمر ويتواصل هو الآخر.
وفي العام القادم ستأتي الذكرى الثلاثون لمجزرة صبرا وشاتيلا. وفي هذا الخصوص ندعو إلى جعل الذكرى الثلاثين مناسبة لتكريم الضحايا بشكل لائق عبر إعادة تأهيل المقبرة الجماعية وبناء نصب تذكاري يخلد أسماء الضحايا الفلسطينيين واللبنانيين والعرب الذين سقطوا في هذه المجزرة، وكذلك عبر إقامة متحف صغير على أرض المقبرة يوثق للمجزرة ووقائعها الفظيعة، ليكون هذا كله جزءا من ذاكرتنا الجمعية وذاكرة الصراع العربي /الصهيوني الممتد عبر أكثر من قرن من الزمان.
وفي السياق المتجدد للمجزرة ينبغي التعامل معها بوصفها حدثا غير معزول عما سبقه ولحقه من جرائم حرب ارتكبها مجرمو الحرب الإسرائيليين بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، كما ينبغي النظر إلى الدعوى التي رفعت ضد شارون أمام المحاكم البلجيكية كمسألة متجددة تتصل بجرائم الحرب الإسرائيلية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة المستمرة التي ترتكبها إسرائيل يوميا، لأنها ليس مجرد دعوى انتهت إلى انتكاسة في المحاكم البلجيكية نتيجة للضغوط الأميركية الإسرائيلية وازدواجية المعايير التي يتبعها المجتمع الدولي عندما يتعلق الأمر بانتهاكات إسرائيل للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية. وبهذا المعنى يمكن تتبع الخيط الرابط بين مجزرة صبرا وشاتيلا ومجزرة سفينة مرمرة وما بينهما وما سيليهما, وتأكيد الصلة العضوية بين كل تلك المجازر.
وفي السياق ذاته ندعو إلى أن يتجاوز النضال القانوني ضد جرائم الحرب الإسرائيلية إطار الدعاوى التي يمكن أن ترفع ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين مثل شارون وغيره إلى إطار أشمل يكشف عنصرية الصهيونية وعنصرية الدولة العبرية ويفضح أكذوبة «طهارة السلاح» المثيرة للسخرية التي روجت لها إسرائيل في حروبها المتعاقبة ضد الفلسطينيين والعرب.