| 

ثلاثون سنة مرت على اغتيال ماجد أبو شرار، كأن لا أحد يتنبه لسطوة الزمن ودوران الأفلاك وانطواء الأيام. هكذا تجرف الأحداث الذاكرة، لكنها لن تستطيع أن تهيل عليها ركامها. وماجد أبو شرار صاحب «الخبز المر» هو شوط أصيل في سلسلة طويلة من الشهداء والكتّاب أمثال عبد الرحيم محمود وكمال ناصر وغسان كنفاني ووائل زعيتر وعز الدين القلق وسعيد حمامي ونعيم خضر ومحمود الهمشري وعلي فودة وناجي العلي وغيرهم. ولو عاش ماجد أبو شرار بيننا في هذه السنوات الثلاثين لكان شهد أهوالا، وذاق علقماً أضعاف ما شهده وذاقه طوال خمسة وأربعين عاما هي سنوات عمره القصيرة.
ترحّل ماجد أبو شرار كثيراً في هذه البيداء العربية، كأنه كان يفتش عن مستقر لأوجاعه. وكان يعرف أن الفلسطيني مرصود للهجرات الدائمة، إلا أن وجيف قلبه لم يهدأ إلا في مثوى شهداء فلسطين في بيروت. وهذا المغني الجوال الذي غادر دورا إلى غزة، ثم تجول أحيانا وأقام أحيانا أخرى في الإسكندرية والكرك والدمام، ثم في عمان ودمشق وروما، ألقى رحلة أخيرا في بيروت، وأراح ركابه بعدما فجرت الاستخبارات الصهيونية جسده .

*****
تأثر الشهيد ماجد أبو شرار بأجواء مدينة غزة في أوائل خمسينيات القرن العشرين. وفي غزة، في تلك الحقبة، كان الشيوعيون والإخوان المسلمون يحتكرون الميدان السياسي، ولم يكن حزب البعث قد وصلت طلائعه إلى القطاع عدا بعض الأفراد، ولم تكن حركة القوميين العرب قد أُسست بعد. ومال ماجد أبو شرار إلى الشيوعيين، لكنه لم ينضم إليهم، وآثر أن يبقى طليقا ويسارياً معاً، وهذا مزاج الأديب بالدرجة الأولى. ولم يطل الأمر به حتى سافر إلى السعودية للعمل في التدريس. وفي السعودية تعرّف إلى الحاج مطلق القدوة ومحمد علي الأعرج وسليمان أبو كرش وأحمد قريع والشهيد عبد الفتاح حمود (أبو صلاح) والشهيد كمال عدوان والشهيد صبحي أبو كرش. وبين هؤلاء جميعا ومعهم في الوقت نفسه راح يفتش عن رابطة تجمع الفلسطينيين التائقين إلى الحرية وإلى تحرير وطنهم وإلى إنهاء رحلة التيه، فوجدها في حركة فتح.

*****
التحق ماجد أبو شرار بحركة فتح فتغلبت السياسة على روح الأديب لديه، وهو الذي انصرف عن الانضمام إلى الحزب الشيوعي في قطاع غزة لأن روح الأديب تغلبت آنذاك على نزعة السياسة. غير أن حركة فتح لم تكن مجرد حزب سياسي كالحزب الشيوعي، بل كانت حركة تحرر وطني تتسع لجميع الأفكار والأفراد والاتجاهات. ولعله وجد فيها مكانا رحبا للتعبير عن أفكاره، وبيتاً حميماً يجمع أشتاته ويعده بالبروق والعواصف الخلابة.
عاد إلى عمان من الدمام ليتفرغ للعمل السياسي والإعلامي، واتخذ من جبل لويبدة مكانا له حيث يقع مقر إعلام فتح. لكن ماجد أبو شرار لم يكن رجلا مكتبيا على الإطلاق، فكان ديدنه التنقل بين قواعد الفدائيين في الأغوار حيث أخبار الدوريات الليلية والعمليات العسكرية، وبين وكالات الأنباء في عمان التي كانت تنتظر منه البيانات السياسية والعسكرية والمواد الإعلامية. وبهذه الصفة لم يكن ماجد مثقفا معزولا عن أبناء شعبه، بل عاش بينهم يوميا، وكان مزيجاً من الحالم والمناضل والقائد السياسي. وأبعد من ذلك كان سياسيا بمخيلة أديب، ومناضلا بروح شاعر غاضب، وكاتبا نقديا برهافة فنان. ولا غرو في ذلك، فماجد أبو شرار كان من كتّاب مجلة «الأفق الجديد» التي صدرت في القدس، وكان لها شأن مهم في إطلاق كوكبة من الشعراء والأدباء الفلسطينيين أمثال أمين شنار ومحمد القيسي وعز الدين المناصرة وغيرهم. وقد نشر ماجد فيها قصصا لافتة بأسلوبها ولغتها ومضمونها. وفي ما بعد، قام الروائي يحيى يخلف بجمع هذه القصص وأصدرها في سنة 1980 في مجموعة مستقلة، واختار لها عنوان «الخبز المر» وهو عنوان إحدى قصص المجموعة.

*****
سرق العمل اليومي من ماجد أبو شرار مواهبه الأدبية، وأعاق عمله السياسي مخيلته الإبداعية. وقد بدد حرفة الأدب التي أدركته باكرا في التدريس والصحافة والنضال اليومي؛ فخسره أدب القصة وكسبه العمل السياسي. وقد برزت مواهبه حين ساهم في تأسيس «مدرسة الكوادر» في سنة 1969، ثم في التفويض السياسي حين كان مفوضا سياسيا عاماً بين 1973 و1978. وفي هذا السياق اتخذ ماجد أبو شرار موقفا نقديا من السياسة العامة لحركة فتح، ووقف ضد السير في مبادرة الأمير فهد للسلام في سنة 1981 التي تحولت إلى «مبادرة فاس» حــين تبناها مؤتمر القمة العربية سنة 1983. وكان قبل ذلك قد عُد واحدا من أعضاء «التيار الديموقراطي» في حركة فتح. لكنه انفرد عن بقية كوادر هذا التيار بتأييده البرنامج المرحلي (برنامج النقاط العشر) الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة في القاهرة سنة 1974. وهذا الموقف يشير إلى صلته بالتيار الديموقراطي الفارط كان فيها اشتراك وافتراق في الوقت نفسه.

*****
كانت روما نهاية محطات قطاره؛ ففي أثناء مشاركته في الندوة العالمية للتضامن مع الكتاب والصحافيين الفلسطينيين تسللت عناصر من الموساد إلى حجرته في فندق «فلورا» ووضعت عبوة ناسفة تحت سريره. وحين عاد إلى غرفته، وألقى بجسده المتعب فوق ذلك السرير انفجرت به العبوة. فعاد جثمانه إلى بيروت ليدفن في مقابر شهداء فلسطين. وقد رثاه محمود درويش قائلاً: صباح الخير يا ماجد. قم إقرأ سورة العائد. وصُبّ الفجر على عمر حرقناه لساعة نصر. صباح الخير يا ماجد، قم اشرب قهوتك، واحمل جثتك إلى روما أخرى».