| 

بين مجزرة صبرا وشاتيلا في 16/9/1982 والذكرى الخمسين للنكبة في 15/5/1998 مرت سنوات كثيرة من دون أن يتمكن ذوو الشهداء من إحياء هذه الذكرى أو زيارة مدافن ضحاياهم. لقد استنكفت الفصائل الفلسطينية، في معظمها، ولأسباب مختلفة، عن إبقاء هذه الذكرى مشتعلة في الحياة اليومية للفلسطينيين في لبنان، مع أنها ظلت متوهجة في الأفئدة، وقصّرت عن رعاية أهالي الضحايا والاهتمام بهم وبقضيتهم، وترك هذا الأمر لبعض الجمعيات الأهلية مثل مؤسسة بيت أطفال الصمود في مخيم شاتيلا التي كانت تبادر، في كل سنة، إلى تعليق أكاليل الزهر على مدخل مثوى شهداء صبرا وشاتيلا، إذ كان من غير الممكن وضع مثل هذه الأكاليل فوق ثرى الشهداء بعدما تحول المكان إلى ملعب للأطفال ومكب للنفايات.
في سنة 1998، وفي الذكرى الخمسين للنكبة، تألفت في بيروت لجنة لإحياء هذه المناسبة، وقامت بتنظيم مسيرة شموع من محطة الرحاب نحو المقبرة، ولأول مرة يجري تنظيف مكان المقبرة من الأوساخ المتراكمة. وفي سنة 1999 جاء إلى لبنان الصحافي الإيطالي المعروف ستيفانو كياريني وكان آنذاك مسؤولا عن شؤون الشرق الأوسط في جريدة "المانيفستو" اليسارية، وجال في مخيم شاتيلا والتقى أهالي الضحايا، وزار مقبرة الشهداء. وجراء ما شاهده ستيفانو كياريني تبلورت لديه فكرة تأسيس لجنة أوروبية دائمة لنصرة شعب فلسطين. وهكذا ظهرت لجنة "كي لا ننسى صبرا وشاتيلا" في إيطاليا التي أخذت على عاتقها تنظيم حملة سنوية إلى لبنان لإحياء هذه الذكرى. وكان المشاركون، في البداية، من الإيطاليين بالدرجة الأولى، ثم توسعت الحملة لتشمل أوروبيين وأميركيين من مختلف المشارب كالصحافيين والسياسيين والنقابيين والفنانين... إلخ. وفي سياق مواز أُسست لجنة "كي لا ننسى صبرا وشاتيلا" في لبنان من ثلاث جهات أساسية ومعها جهتان رديفتان وهي: هيئة تنسيق الجمعيات الأهلية العاملة في التجمعات الفلسطينية، جريدة "السفير"، الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية. وساهت في نشاط هذه اللجنة في إحدى المراحل لجنة مساندة الدعوى ضد شارون التي رُفعت في بلجيكا سنة 2001، وتجمع المؤسسات الأهلية التطوعية. وابتداء من 13/9/2000 بدأت الوفود الأوروبية تتقاطر إلى لبنان سنوياً، وفي التاريخ نفسه، لإبقاء الشعلة متقدة. وكان يقود الحملة ستيفانو كياريني، وتحولت هذه الذكرى إلى مناسبة وطنية، وإلى شكل حيوي من أشكال التضامن الدولي مع قضية فلسطين. ثم توسعت الحملة لتضم إليها، علاوة على الإيطاليين، إسبانيين وفرنسيين وفنلنديين وأميركيين وبريطانيين وماليزيين وباكستانيين. واتسع نطاق الجولة السنوية في لبنان ليشمل بلدة قانا الجنوبية وسجن الخيام وبوابة فاطمة ومتحف مليتا وموقع مارون الراس، فضلاً عن مخيم البرج الشمالي حيث وقعت مجزرة نادي الحولة ومجزرة روضة النجدة الاجتماعية في سنة 1982، والتي لم يكشف اللثام عنهما إلا لاحقا.
إن هذه الحملة الدولية مدينة بثباتها وتواصلها وديمومتها للمناضل الأممي ستيفانو كياريني ولأعضاء الحملة من الأصدقاء الإيطاليين ولجريدة "السفير" وبلدية الغبيري وآخرين أيضا. ولا ريب في أن الإصرار على إحياء هذه المناسبة في كل سنة، هو في الوقت نفسه إصرار على إحياء ذكرى ستيفانو كياريني الذي رحل عنا بصورة مفاجئة قبل نحو ثلاث سنوات، لأن ستيفانو تحول إلى رمز إنساني نادر في عقول أهالي شاتيلا وأهالي ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا معا، وهو يتجدد فينا جميعا في كل سنة مثل تجدد الربيع في كل عام.
قاسم عينا منسق حملة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا» في لبنان.