| 

ما زالت المقبرة الجماعية لضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا على حالها.
على من يقصد المكان في يوم عادي، لا احتفال فيه بالذكرى، أن يبحث عن بوابته في شارع لا يهدأ له مشهد، لشدة ازدحامه، وعشوائية البسطات على جانبيه.
على أن الشارع انتظم في الآونة الأخيرة، وبدا كأنما خلا من الثقل الذي كان يربض عليه، من العربات التي تحتل معظم جانبيه، تاركة فسحة ضيقة بالكاد تعبر منها سيارة واحدة، كان على سائقها أن يكون محترفاً في اختراق هذا الحشد من المارين والباعة والدراجات النارية حيث يكونون في مشهدهم كتلة تبدو للوهلة الأولى عصية على الاختراق.
للمرة التي لا يمكن معرفة عددها، تقرر بلدية الغبيري ومعها قوى الأمن الداخلي منع «احتلال» منتصف الشارع، فيصير أوسع، وأنظف، نسبياً وأكثر هدوءاً. ومع ذلك، فالرصيف لجهة المقبرة مزدحم، ومن الصعب أن ينتبه إلى وجودها غير قاصديها.
بالقرب منها، يختلط صوت جورج وسوف الأجش في حفلة مسجلة، بنشيد ديني، وكل بائع أقراص ممغنطة يحاول ما استطاع ان يغطي بقوة الصوت عنده على الآخر، لتكون النتيجة ضوضاء سريالية تدل، إن دلت، على تنوع زبائن هذا الشارع العشوائي، الذي تتراصف فيه، كتفاً إلى كتف، جميع الأشياء، من الأغراض المجموعة من النفايات والمعروضة هنا بصفتها بضاعة، إلى الأفلام الإباحية، إلى العطور الإسلامية، إلى بالات الأحذية والثياب والكتب، إلى الحلوى والدجاج المشوي.. إلى آخره.
الشارع مهمل، يعامل معاملة الحد الأدنى، حتى تصير إزالة تلة النفايات التي ترتفع يومياً وتقع عند باب المخيم تقريباً، ترفاً كبيراً. هذا شأن الشارع منذ أعوام بعيدة. سوق تجاري تدب فيه حياة كثيرة وكثيفة لشريحة هي خليط من بلاد عديدة، لهاربين من فقر أحوالهم إلى فقر مشابه، تزيده الغربة قسوة وإيلاماً.
حياة قاسية تشبه الموت القاسي لأبناء المقبرة الجماعية، التي وإن سوّر التراب الأحمر فوق رؤوسهم، وأحيط بالشجر، ظلوا مهملين؛ فالوصول إليهم يتطلب المرور بين الأحذية العتيقة المفلوشة على الرصيف، والأغراض الملمومة من النفايات عند بوابتها.
المقبرة نفسها موحشة. الصور المرفوعة فيها لا ألوان لها، واللون الوحيد، هو للواقي من الحشرات المرفوع فوق سرير يتمدد فيه رجل نائم في داخل المكان. لا أسماء بالطبع للمدفونين هنا، ولا نصب يليق بذكراهم. إهمال بات إنهاؤه يقع في خانة المعجزة التي لن تقع. وهو إهمال يتشارك فيه اللبنانيون والفلسطينيون معاً بالطبع، ليس لأن المجزرة وقعت عليهما معاً في أيلول 1982 فحسب، بل لأن المسؤولية لا تقع على أحد غير هذين الطرفين لإنهاء هذا الإهمال المستدام.
وهو إهمال ينقطع لأيام قليلة، حين يتقرر إقامة احتفال في المكان، فتعم فيه، في ما يشبه السحر، النظافة، ولا نعود نرى البسطات عند بوابته، ولا الدجاج يركض في أرجائه، مرة في كل سنة، يقع هذا الحدث، ويتلاشى بعدها، كأنه لم يكن.

*****
ما إن يترك المرء الشارع داخلاً إلى زقاق المخيم حتى ينقلب المشهد تماماً. ثمة ألفة تلف المخيمات كلها، حيث حلت.
التغيرات في المخيمات لا يمكن لزوارها في المناسبات أن يلمسوها. المخيمات هي المخيمات. الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة و«القرية» التي تبدو فيها جميع الأماكن أصغر، من المحل إلى البيت إلى الشارع، كأنها نموذج وليست حقيقة. والألفة ليست في هذا الضيق، وفي أزقة معتمة نهاراً، ولا في الشرفات التي تلتصق بالشرفات المقابلة لها. ربما هي في الفلسطيني نفسه. الكلام الذي يجري سهلاً معه، والود الذي ينشأ مباشرة بعد إلقاء التحية، والحديث الذي يبدو انه مستمر من مرة ماضية. هكذا، بعد دقائق من التحدث مع عماد، صاحب الدكان الصغير، نكون صرنا أربعة، نقف أمام الدكان، أي في منتصف الطريق. يقف معنا جاره الذي اقترب تاركاً دكانه للأراكيل والقهوة، وثالث كان ماراً واستوقفه عماد. الثلاثة يناقشون أحوال الإعمار في المخيم، ونحن نقف أمام مبنى في قيد الإنشاء من ثماني طبقات. أسعار البيوت والمحال هنا ترتفع بشكل يذهلهم. المحل الذي كان بثلاثة آلاف دولار بات بعشرة آلاف (بضعة أمتار مربعة)، وهناك شقة بيعت بسبعين ألف دولار! الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون يبيعون ويشترون بعضهم من بعض. وهذه ملكيات موقتة نظرياً، ويفترض بها أن تزول مع زوال المخيم برمته، حين العودة المنتظرة إلى البلاد. حتى ذاك الحين، على الحياة أن تجري، وهي تجري وتدبّ هنا، بصعوبة، لكن بإصرار.
شاتيلا الذي سوي بالأرض مرتين، في الاجتياح وفي حرب المخيمات، و«نُفي» تماماً بعد الطائف، بنى نفسه بنفسه، وبقي. المقبرة التي تقع في الطابق الأرضي من الجامع فيه، والتي أقيمت اضطراراً تحت الحصار في حرب المخيمات، تبدو على ضيقها وصغرها أكثر رحابة من تلك المقبرة الجماعية التي تقع خارجه. هنا أسماء الضحايا مرفوعة على الجدران، كأقل الإيمان: ان يبقى من القتيل اسمه.
قبالة المقبرة، تجلس السيدة الستينية أمام دكانها، متفرجة على «حرب» كاملة تدور بين الأولاد بالبنادق التي تطلق خرزاً بلاستيكياً. في هذه البقعة من الأرض أمضت حياتها كلها. رأت المخيم يتنقل في تلك الرحلة التي باتت معروفة من الزينكو إلى الباطون إلى الهدم إلى ان صارت فيه أبنية. «هذه حال الفلسطيني»، كلما تدمرت حياته عمرها من جديد.
تحكي كمن تحدث نفسها، وتنهر، بين حين وآخر، ولداً يركض ببندقيته متحمساً، وفي عينيه، يبدو الزقاق أكثر اتساعاً، والمخيم أكبر وأرحب.