| 

«سوف تلد الحوامل ارهابيين، وسيصبح هؤلاء الأطفال إرهابيين عندما يكبرون» (كتائبي متورط في مجازر صبرا وشاتيلا لدى استجوابه لدى الإسرائيليين في بيروت الغربية).

إن الذي أبلغنا هو الذباب. إذ كان طنين الملايين منه أبلغ من الرائحة. هذا الذباب الأزرق الكبير تهافت علينا في البداية وكأنه لا يفرق بين الأحياء والأموات. ولو بقينا في أماكننا ندون الملاحظات في كراساتنا، لتداعت جحافل الذباب على أوراقنا وأيدينا وأذرعنا ووجوهنا، وخصوصاً حول أفواهنا وأعيننا، متنقلة من جسم إلى آخر، من طوابير الأموات إلى الفئة القليلة من الأحياء، ومن جثة هامدة إلى مراسل، وأجسامها الصغيرة الخضراء تتلهف على لحم جديد تقع عليه وتنعم به.
كان علينا أن نتحرك بسرعة قبل أن يلسعنا. إذ أحاط برؤوسنا كأنه سحابة رمادية، وأخذ ينتظر أن نتكرم عليه بأن نلعب دور الأموات. على أن الفضل يعود إليه في أنه كان الصلة الملموسة الوحيدة بيننا وبين الضحايا من حولنا ـ الصلة التي تذكرنا بأن هناك حياة في الموت. ولا بد من القول بأن ذلك الذباب لم يعرف التحيز. فلم يكن يأبه اطلاقاً بهوية الجثث حتى ولو كانت لضحايا المجازر الجماعية. وكان سيتصرف بالطريقة ذاتها لو كانت الجثث لضحايا أي مجتمع آخر. ولا بد أن الأمر كان كذلك خلال أيام الوباء الكبير في أوروبا.
وفي البدء لم نستخدم كلمة «مجزرة» ولم نتكلم كثيراً لكي لا يجد الذباب طريقه مباشرة إلى أفواهنا. ولهذا السبب أيضاً وضعنا المناديل فوق أفواهنا ومناخيرنا. وفي حين أن رائحة الموتى في صيدا سببت لنا الغثيان، فإن رائحتهم في شاتيلا جعلتنا نتقيأ. وكانت تنفذ من خلال أسمك المناديل إلى أنوفنا. وبعد دقائق رأينا الموتى.
كانوا في كل مكان، في الطريق، في الأزقة، في الساحات الخلفية، في الغرف المحطمة، بين الركام وفوق النفايات. وأما القتلة فهم رجال الميليشيا المسيحية الذين سمحت لهم إسرائيل بدخول المخيمات. وكان الدم في بعض الأماكن لا يزال رطباً. وبعد أن أحصينا مئة جثة، توقفنا عن العدّ. وكانت جثث الشبان والنساء والأطفال والمسنين ممددة في الزواريب حيث طعنوا بالسكاكين أو قتلوا بالرصاص. وكان كل دهليز في الركام يكشف عن المزيد من الجثث. واختفى مرضى أحد المستشفيات الفلسطينية بعد أن أمر المسلحون الأطباء بالخروج. ووجدنا في كل مكان معالم قبور جماعية حفرت على عجل. وقد بلغ عدد ضحايا المجزرة ألفاً أو حتى ألفاً وخمسمئة.
رأينا الجثث مكومة في زاروب إلى اليمين وعلى بعد خمسين ياردة فقط من مدخل المخيم. وكانت هناك أكثر من اثنتي عشرة جثة لشبان صغار التفت أرجلهم وأيديهم بعضها حول بعض وهم يعانون آلام الموت. وكان كل منهم مصاباً برصاصة أطلقت على صدغه واخترقت مخه. وبدت على الجانب الأيسر من رقاب بعضهم ندوب قرمزية أو سوداء. وخُصي واحد منهم بعد تمزيق بنطلونه والذباب يتداعى إلى أحشائه.
كانت عيون هؤلاء الشبان مفتوحة، وأصغرهم لا يتعدى الثانية أو الثالثة عشرة من عمره. وكانوا يرتدون الجينز والقمصان الملونة التي ضاقت عليهم بعد ان انتفخت أجسادهم بسبب الحرارة. ويبدو أنهم لم يُسرقوا، فقد كانت حول رسغ مسوّد لأحدهم ساعة سويسرية تشير إلى الوقت الصحيح. وكانت مدلاة وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وشاهدنا في زاروب مغمور بالأنقاض ويتفرع من الطريق الرئيسي جثث خمس نساء متوسطات العمر وعدد من الأطفال فوق كوم من الركام. وكانت جثة إحداهن ممدّدة على ظهرها وقد تمزّق ثوبها وبرز من ورائها رأس طفلة شعرها قصير أسود وأجعد، وعيناها تحدقان فينا بغضب. لكنها كانت قد فارقت الحياة.
ورأينا طفلة أخرى لا تتجاوز الثالثة من عمرها ملقاة على الطريق وكأنها دمية مطروحة، وقد تلوث ثوبها الأبيض بالوحل والدم والتراب. وكانت قد أصيبت برصاصة طيرت مؤخرة رأسها واخترقت دماغها. ورأينا جثة امرأة تضم طفلة إلى صدرها. وكانت الرصاصة قد اخترقت صدرها وقتلت الطفلة أيضاً. وتبين أن أحدهم بقر بطنها ومزقه. وربما كان يحاول قتل الجنين الذي لم ير النور بعد. وكانت عيناها جاحظتين ووجهها الأسود قد تجمّد بسبب الذعر والهلع.
كان هناك متراس عال مغطّى بالرمل والتراب، ويرتفع نحو 12 قدماً. وكان من الواضح أن إحدى الجرافات أقامته قبل ساعات. وصعدت بصعوبة على أحد جوانبه وقدماي تنزلقان فوق كتل القذارة الإنسانية. وفقدت توازني عند القمة، فاستندت إلى عمود من الحجر المسوّد الناتئ من الأرض. وسرعان ما تبين أنه ليس حجراً لأنه كان دافئاً ولزجاً ولصق بيدي. وعندما أمعنت النظر إليه وجدت أنه كوع إنسان مغروس في الأرض.
يا لهول ما رأيت! وجدت نفسي ألقي بالكوع بذعر وهلع وأنفض لحم الميت عن سروالي، وأقفز الخطوات الأخيرة نحن قمة الحاجز. لكن الرائحة كانت مرعبة. وفجأة رأيت تحت قدمي وجهاً ينظر إلي وقد طار نصف فمه. وكان من الواضح أنه أصيب برصاصة أو طعن بسكين. أما النصف الثاني من فمه فكان يعجّ بالذباب. وحاولت أن أنظر إليه. ورأيت جنكنز وتفايت يقفان بعيداً بجانب بضع جثث تكومت أمام أحد الجدران. ولم أستطع أن أصرخ طالباً مساعدتهما خوفاً من أن أصاب بمرض إذا فتحت فمي.
مشيت على قمة الحاجز، وأخذت أبحث كاليائس المستميت عن مكان أقفز منه إلى الجانب الآخر. لكن وجدت أنني كلما تقدمت خطوة، ارتفع التراب أمامي. وأخذ الحاجز كله يهتز اهتزازاً مخيفاً تحت قدمي. وعندما نظرت إلى الأسفل تبين لي أن الرمل لم يكن إلا غطاء رقيقاً وضع لإخفاء الوجوه والأطراف البشرية عن الأعين. ورأيت شيئاً كالحجر، فإذا به معدة انسان. ورأيت رأس رجل وصدر امرأة عارياً وأقدام طفل! يا للفظاعة! كنت أسير على عشرات الجثث التي كانت تهتز تحت قدمي.
دبلوماسي نروجي من زملاء آن ـ كارينا حضر بسيارته قبل بضع ساعات، وشاهد جرافة تحمل في مغرفتها الحديدية نحو اثنتي عشرة جثة تدلت منها الأذرع والأرجل. من الذي حفر الأرض بهذه المهارة؟ من الذي كان يسوق الجرافة؟ شيء واحد كنا متأكدين منه وهو أن الاسرائيليين يعرفون ما حدث، وأنهم شهدوا حدوثه، وأن حلفاءهم من الكتائبيين ومسلحي سعد حداد أرسلوا إلى شاتيلا فاقترفوا جريمة القتل الجماعية هذه.
إنه أفظع عمل ارهابي في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وهو الأكبر حجماً وزمناً، وارتكبه أفراد يعرفون تمام المعرفة أنهم يذبحون أناساً أبرياء.
ومن أغرب وأفضل الصدف ان بعضهم نجا من المجزرة. إذ نادانا ثلاثة أطفال كانوا على سطح أحد المنازل وقالوا إنهم اختبأوا خلال المذبحة. وصرخ عدد من النساء اللواتي كن ينتحبن وقلن بأن رجالهن قتلوا. وقال جميعهن بأن الذين اقترفوا الجريمة هم رجال حداد والكتائب، ووصفن بدقة شارات كل من الفريقين.
عدنا إلى المخيم حيث أقبلت عليّ امرأة فلسطينية على فمها ابتسامة قاسية وقالت: «هل حصلت على صورة جيدة؟ وهل لديك ما يكفي للكتابة؟ هل تسير أمورك على ما يرام؟ إنه يوم جميل، أليس كذلك؟». وظننت أنها ستصبّ لعناتها على رأسي، ولكنها واصلت سخريتها المقصودة، فقالت: «أنتم رجال الصحافة تلتقطون صوراً جيدة. آمل ان يسير كل شيء معك على ما يرام، طاب يومك».
وسمعت هدير محركات على الطريق. وعندما نظرت فوق الجدار الواقع خلف الأشجار شاهدت صفاً من الدبابات الإسرائيلية، وطرق سمعي صوت ضابط إسرائيلي يصيح من مكبر على السيارات المصفحة: «ابتعدوا عن الشوارع. إننا نبحث فقط عن الإرهابيين. ابتعدوا عن الشوارع. سوف نطلق النار».
تجاوز ما كان يجري كل حدود البشاعة. فالاسرائيليون يأمرون الأموات بأن يبتعدوا عن الشوارع. هل هناك ما هو أكثر سخافة وغرابة ووحشية؟ وسرت إلى البوابة ومنديلي على فمي وأنفي. ورأيت خلف جدار المخيم صف الدبابات الاسرائيلية يتبعه صفان من المشاة الاسرائيليين. وحينما بلغوا مدخل شاتيلا اندفعوا إليه بأقصى سرعة، وبنادقهم بأيديهم وتمركزوا في الداخل، وكل منهم يحمي الآخر من شبح الارهابيين.
وسرت في الشارع، فتقدم مني ضابط صغير وقال: «ليس مسموحاً لك بالدخول إلى هنا. أخرج». فقلت له: «صحافة». ورفضت لأنني كنت قد شاهدت بما فيه الكفاية. فقال: «إنني آمرك بالرحيل في الحال». فهززت رأسي ولم أتحرك. وشعرت بالغثيان. فالرائحة النتنة كانت تنبعث من ثيابي. أجل، كانت تفوح مني رائحة الأموات. لم أعد آبه للأوامر بعد كل ما شاهدته. وجعلني أولئك الجنود أتسمر في مكاني. وكانوا لا يزالون يتراكضون عبر مدخل المخيم لتحاشي «الإرهابيين» الوهميين.
تقدم الضابط مني وحملق في وجهي فقلت له: «لا أحد هنا». فما كان منه إلا أن صرخ في وجهي قائلاً: «أمرتك بأن تغادر المكان. افعل ما تؤمر به». قلت: «أنت لا تفهم. كل شخص هنا مات. ماتوا جميعاً. ولن تجد سوى الأموات». وكان إلى جانب الضابط ثلاثة جنود إسرائيليين ينظرون إليّ كما لو كنت مجنوناً. فنظرت إلى الضابط لأنني اشتبهت في أنه مصاب بشيء من الجنون وقلت: «لا لن أذهب».
ووضع أحد الجنود يده على ذراعي، وقال: «في المخيم إرهابيون. وسوف يقتلونك». فقلت له: «هذا غير صحيح. كل من في هذا المخيم قضى نحبه. ألا تشمّ رائحتهم؟». فنظر إليّ غير مصدق ما أقول. فأضفت: «تأكد أن النساء والأطفال قد قتلوا هناك. وبينهم رضع». فأشار إليّ الضابط بدون اهتمام بما قلت. وقال قبل أن يتابع سيره: «سوف يقتلونك».
هل كان باستطاعتي أن أوضح لهم بأن الذين يبحثون عنهم ذهبوا، وأن «الإرهابيين» الحقيقيين قد ارتدوا زياً إسرائيلياً، أرسلهم الضباط الاسرائيليون إلى شاتيلا، وأن ضحايا «الإرهابيين» لم يكونوا اسرائيليين بل فلسطينيين ولبنانيين.
كان عرفات في دمشق عندما شاهد شريط فيديو للجثث، فقال غاضباً إن فليب حبيب نفسه وقّع على تعهد كتابي بحماية الفلسطينيين الذين يبقون في بيروت الغربية. وكان ما قاله صحيحاً.
وفي خريف 1987 وبينما كنا حول مائدة قرب أكسفورد، اعترف فيليب حبيب بأن عرفات كان محقاً.
ـ إن ما قاله عرفات هو الحقيقة بعينها. فقد وقعت الوثيقة التي تتضمّن عدم انزال الضرر (بالفلسطينيين) في بيروت الغربية. وحصلت على ضمانات محددة من بشير ومن الاسرائيليين ـ أي من شارون.
نعم، كان الاسرائيليون يعرفون ما يجري. فما أن اقترفت المجازر حتى تظاهر بعض الجنود الاسرائيليين الذين كانوا حول شاتيلا بأنهم يتحلون بالتهذيب والنزاهة، وأنهم لا يرضون عن الأشياء التي سمعوا عنها او التي شاهدوها. على أنهم كانوا في السر يقولون للصحافيين إنهم كانوا على علم بما يجري داخل المخيمات، وإنهم في بعض الحالات شاهدوا أعمال القتل، ولكنهم لم يحركوا ساكناً.
قال لي الضباط الكتائبيون الذين تعرفت عليهم في بيروت الشرقية إن حوالى ألفي «إرهابي» على الأقل من الرجال والنساء قتلوا في شاتيلا. وذكر لي مسلح مسيحي أنه رأى في 17 أيلول سيارة قمامة ملأى بالجثث تمر بالجنود الإسرائيليين خارج شاتيلا. وقال أحد الكتائبيين لتفايت:
ـ لن تجد ما حدث للآخرين إلا إذا قررت الحكومة شق طريق تحت بيروت.
ومن حين إلى آخر كنت أسمع شائعات عن وجود ألف جثة مدفونة «حيث تمارس رياضتك». واعتقدت في أول الأمر انه لا بد وأن تكون هناك مقبرة جماعية تحت المدينة الرياضية المهدّمة قرب شاتيلا. ولم أعرف الا بعد ذلك ان الجثث دفنت تحت ملعب الغولف بين شاتيلا والمطار. وعندما ذهبت إلى هناك وجدت مساحات كبيرة محفورة حديثاً وعليها آثار الجرافات. ورفض الجيش اللبناني الذي كان يسيطر عندئذ على المنطقة ان يسمح للصليب الأحمر بأن يقوم بتحرياته. وحتى يومنا هذا لم يجر الكشف على تلك القبور.

أنظر: روبرت فيسك، «ويلات وطن»، بيروت: شركة المطبوعات، 1990.