| 

لا أحد يعرف، حتى اليوم، ماذا جرى، بالتحديد، في تلك الليلة الراعبة من ليالي ايلول الأحمر سنة 1982. فليس للضحية فم ليتكلم، وما عاد للناجين، الآن، الا رؤى شبحية وكوابيس، وأطياف تحوم في ظلال الذاكرة المنهكة.
أراد القتلة ان يهيلوا الركام على هذه الذاكرة، وان يطمروا، إلى الأبد، تفصيلات تلك المذبحة المروعة. لكن، هيهات لهم هذا الأمر، فالعدالة، وان تكن تستفيق اليوم رويداً رويداً كخيوط الفجر، لا بد ان تبزغ يوماً وفي يديها سوط لاهب للقصاص التاريخي. وإلى ان تتمكن العدالة من القتلة حقاً. وتقتص للأبرياء فعلا، فإن عقاب المجرمين اليوم. وحتى ذلك اليوم، هو الخوف الذي لا ينفك يرجف أفئدتهم الذئبية. وكي لا تنتصر الضواري المعروفة أسماؤها جيداً. وتنجح في إهالة التراب على الوقائع الصحيحة للتاريخ القريب. ها نحن نعيد الرواية، وسنظل نستعيد رائحة الأبرياء المقتولين في تلك الأيام ما دام ميزان العدالة لم ينتصب بعد، وسوط القصاص لم يهتك الاستار التي تحجب القرائن والبينات، وما دام القتلة طلقاء بلا عقاب او حساب.

*****
في 16/9/1982 تمكنت مجموعة من الأوغاد من إهانة الإنسانية جمعاء، حينما ولغت في دماء آلاف الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين الهاجعين المتعبين في مخيم شاتيلا. اليائس، وفي حي صبرا المجاور. وعندما استفاق العالم على هول ما جرى في تلك الليلة الضارية، كان المئات من الذين عميت عنهم عيون الوحوش الهائجة، ونجوا من حفلة صيد الفلسطينيين هذه، يهيمون على وجوههم في غبار الأزقة المجاورة وقد روعتهم المأساة، وأذهلتهم مشاهد القتل الهمجي التي حاقت بهم، وأسلمتهم إلى رياح الشوارع بعدما فقدوا كل شيء تقريباً. كل شيء بالتمام: آباؤهم وأمهاتهم وأخوتهم وأطفالهم وزوجاتهم وبيوتهم وصور الأحبة وأشياؤهم الأليفة، وباتوا في العراء تائهين في صقيع ما بعده الا صقيع الموت.

المقدمات
ما إن وصلت القوات الإسرائيلية إلى مشارف بيروت في حزيران 1982، حتى بادر أريئيل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، ورفائيل إيتان رئيس الأركان، وأمير دروري قائد المنطقة الشمالية، وعاموس يارون قائد القوة التي ستحتل، لاحقاً، مدينة بيروت، إلى وضع خطة عسكرية تفصيلية لاقتحام بيروت الغربية. ومنحت هذه الخطة دوراً تنفيذياً لـ«القوات اللبنانية» التي كان يقودها بشير الجميل رجل إسرائيل في ذلك الوقت، والذي كوفئ برئاسة الجمهورية في ذلك العام. وقد أوضح أريئيل شارون بنفسه، امام لجنة كاهان، انه سمح بدخول ميليشيات حزب الكتائب إلى مخيمي صبرا وشاتيلا في 16/9/1982تطبيقاً لقرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية في 15/6/1982، أي قبل ثلاثة شهور، ينص على إشراك «القوات اللبنانية» في الحرب. أما بنود هذه الخطة فكانت على النحو التالي:
- إعلان استنفار «القوات اللبنانية» على الأراضي اللبنانية كلها.
- اقتحام بيروت وفرض السيطرة على الشطر الغربي من المدينة، وإقامة الحواجز الثابتة والمتنقلة فيها.
- تنظيم عملية دهم وتفتيش بحثاً عن مستودعات السلاح.
- اعتقال من تخلف من الفدائيين الفلسطينيين في المخيمات.
- اعتقال اللبنانيين المناصرين لمنظمة التحرير الفلسطينية والذين تعاونوا معها.
ومع ان بشير الجميل اغتيل، بشكل مفاجئ وبعملية صاعقة لم يتوقعها الإسرائيليون البتة، فإن الخطة لم تتغير قط، بل جرى تسريع فوري لعملية التنفيذ، فوصل رفائيل إيتان إلى بيروت ليلة 14ـ15/9/1982، وتبعه اريئيل شارون. وفي الساعة 3,30 فجرا عقد اجتماع في المرفأ حضره إيتان ودروري وفادي فرام وايلي حبيقة، ووضعوا جميعاً خطة دخول «القوات اللبنانية» إلى المخيم، وبدأت القوات تتجمع في مطار بيروت الدولي. وعند الثالثة بعد الظهر التقى عاموس يارون ايلي حبيقة وفادي فرام ووضعوا اللمسات الأخيرة لتطهير المخيمين، واختير إيلي حبيقة قائداً للقوة التي ستدخل المخيم. وقد عرضت خطة دخول المخيم على مجلس الوزراء الإسرائيلي في 15/9/1982 وجرت الموافقة عليها. وفجر 16ـ17/9/1982 بدأت المجزرة. وعندما بدأ الهجوم اتصل أمير دروري بشارون هاتفياً في تل أبيب وقال له: «إن أصدقاءنا يدخلون المخيمات الآن. لقد أمرت بتسهيل دخولهم إليها مع قادتهم». فأجابه شارون: «مبروك. إن عملية أصدقائنا مسموح بها» (السفير، 11/10/1982).

وقائع وشهادات
على امتداد يومين متواصلين تبارى المجرمون بلا رحمة في تجريب «حضارتهم» الكلبية في القتل الوحشي وفي اصطياد الأطفال والفتيات والنساء والرجال. حتى الأطفال الرضع طعنوهم بالحراب، وقطعوا أصابع الفتيات الصغيرات. وبقروا بطون النساء، واغتصبت الشابات منهن. وما ان استراحوا في اليوم الثالث حتى كان نحو 3000 ضحية طمرت تحت الأرض او تعفنت فوق الأرض.
احدى الناجيات الفلسطينيات روت ما رأت فقالت: «كان ابن عمي، وعمره 9 شهور، يبكي. فعلق أحدهم: لم أعد أطيق صوته، وأطلق النار على كتفه. بدأت أبكي، وقلت له: انه الوحيد الباقي من عائلتي. أخذه وقطعه من فوق رجليه نصفين». وزينب المقداد (لبنانية) قتلوا أولادها السبعة، وكانت حاملا في شهرها الثامن. بقروا بطنها ووضعوا الجنين على ذراعها. أما وفاء حمود (لبنانية أيضاً) فكانت مثلها حاملاً في شهرها السابع، قتلوها وقتلوا أولادها الأربعة.
أحد المسلحين «المتحضرين» تباهى وتمرجل وقال: «بعض النساء اختبأ خلف بعض الحمير (...). ولسوء الحظ اضطررنا إلى اطلاق النار على هذه الحيوانات المسكينة كي نستطيع قتل الفلسطينيين المختبئين خلفها. لقد تأذت مشاعري عند سماع صراخ هذه الحيوانات الجريحة (...) وكان هناك كوخ صغير. فتحنا الباب عنوة ورأينا في الداخل رجلاً مسناً وزوجته وولدين في الخامسة عشرة والسادسة عشرة. أوقفناهم وبدأنا التفتيش. أحد الأولاد صرخ بنا: «كلاب اليهود». ظنّ نفسه شجاعاً هذا الملعون. واحد منا أدخل حربته في قلبه. وبدأ صراخ العجوزين والولد الآخر. تعجبنا من صراخهم، فنحن لن نقم بأي عمل يؤذيهم. جرّهم رفاقنا إلى الخارج باتجاه الشاحنات المنتظرة، لكن لا أدري إذا كانوا وصلوا» (دير شبيغل، 14/2/1983).
أمام هذا الانحطاط المريع إلى ما دون، الحيوانية المفترسة، اضطر حتى رفائيل ايتان العنصري إلى مداورة الجريمة بالقول: «الكتائبيون دخلوا إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بهدف تطهيرها من الإرهابيين، وقتلوا بوحشية ومن دون تمييز الرجال والنساء والشيوخ والأطفال. وقتل الأبرياء هو أعظم الجرائم البشرية» (من رسالة إلى الجنود في مناسبة يوم الغفران ـ كيبور، 24/9/1982). ولمزيد من الاهانة لم يخجل مناحيم بيغن من التصريح امام الكنيست بعد المجزرة بما يلي: «في شاتيلا وصبرا ثمة اشخاص غير يهود ذبحوا أشخاصاً غير يهود. فماذا يعنينا ذلك؟».

المشاركون في المقتلة
شارك في هذه المقتلة نحو 400 عنصر حملوا، فضلاً عن الأسلحة وكدليل على تحضرهم، السواطير والفؤوس. وهؤلاء القتلة كانوا ينتمون إلى التشكيلات الحزبية التالية:
- كتيبة الدامور في «القوات اللبنانية» التي تولى فادي فرام قيادتها عقب اغتيال بشير الجميل مباشرة.
- مجموعة من «نمور الأحرار» التابعة لحزب الوطنيين الأحرار.
- مجموعة من حزب حراس الأرز الذي يرأسه إتيان صقر.
- أفراد من جماعة سعد حداد.
تولى إيلي حبيقة قيادة القوة المهاجمة، واتخذ من مبنى الأمم المتحدة، غرب مخيم شاتيلا، مقراً له. وكان يساعده في قيادة المجموعات كل من: إميل عيد وميشال زوين (نائبه في جهاز الأمن) وديب أنستاز (قائد الشرطة العسكرية في القوات اللبنانية) وجيسي سكر (ضابط الاتصال مع الإسرائيليين) ومارون مشعلاني وجو إده. وفي ما بعد، حاول من بقي حياً من هؤلاء الأشخاص ان يبعد كأس العار عن اسمه. لكن، أنى له هذا المجد بعدما انزلق عدد ممن شارك في هذه المجزرة إلى إفشاء أسرارها، فالمجرم جيسي سكر لم يتورع عن دعوة زئيف شيف، الكاتب العسكري في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، إلى جولة في بيروت، وقال له: «إذا أردت الاغتصاب فمسموح لك اغتصاب فتيات في الثانية عشرة فما فوق فقط». وظهر ميشال زوين في 3/10/1982 في التلفزيون الإسرائيلي وتحدّث عن مشاركته في المجزرة، وقال انه قتل بيديه 15 فلسطينيا (السفير، 4/10/1982). واعترف بيار يزبك، ممثل «القوات اللبنانية» في باريس، بمسؤولية القوات عن المجزرة في حوار مع التلفزيون الإسرائيلي (السفير، 5/9/1984). وعلى الرغم من إنكاره المتكرر، فإن اسم إيلي حبيقة كقائد لعملية الهجوم على شاتيلا ورد في مصادر كثيرة ذات صدقية عالية. فقد أوردته «الغارديان» في 25/9/1982، وذكره أمنون كابليوك في كتابه «تحقيق في مجزرة»، ونقل روبرت فيسك في كتابه «ويلات وطن» عن مصادر سرية إسرائيلية ان ايلي حبيقة كان في شاتيلا على رأس مجموعات القتل، والاسم الوحيد الذي ورد في تقرير كاهان في شأن المجزرة كان اسم إيلي حبيقة، واتهم جوناثان راندل في كتابه «حرب الألف سنة» حبيقة بالمجزرة، وإلى هذه المصادر كلها، لم يستنكف المخرج فيرجيل كين عن اتهام حبيقة بارتكاب هذه المجزرة في الفيلم الوثائقي المشهور الذي عرضته محطة BBC بعنوان «المتهم» سنة 2001. وحسم زئيف شيف هذا الأمر بشهادته التالية: «تلقى حبيقة في مقر قيادته مكالمة عبر جهاز الإرسال سأل فيها المتكلم ماذا عليه ان يفعل بخمسين امرأة وطفلاً، فأجاب: إنها المرة الأخيرة التي تسألني فيها سؤالاً مثل هذا. انك تعلم تماماً ماذا عليك ان تفعل».

مساخر التحقيق
أحال العماد فيكتور خوري قائد الجيش آنذاك هذه الجريمة إلى القضاء العسكري. وتولى المدعي العام العسكري أسعد جرمانوس التحقيق في هذه القضية. وتألفت لجنة التحقيق القضائية الخاصة من القضاة: أسعد دياب والياس موسى وفوزي داغر. وقام أسعد دياب بالكشف الفوري على مكان الجريمة. غير أن تقريره لم يتضمن أي تحقيقات او استجوابات. أما أسعد جرمانوس فقد رفع تقريره إلى الرئيس أمين الجميل وإلى المخابرات العسكرية. مؤخراً ادعى الرئيس أمين الجميل ان التقرير احترق عندما نهب بيت المستقبل (ماذا كان يفعل التقرير في بيت المستقبل؟ أليس مكانه الصحيح في ملفات رئاسة الجمهورية؟). في أي حال، فإن تقرير أسعد جرمانوس الذي وضع في 29/9/1982 يزعم ان ما جرى في المخيمين ليس مجزرة بل معركة خاضتها الميليشيات المسيحية. وان معظم القتلى الفلسطينيين هم من الذكور الذين قتلوا نتيجة لمعركة عسكرية، وانه لم يقتل في المجزرة الا 7 نساء و8 أطفال فلسطينيين (السفير، 3/12/1982، نقلا عن صحيفة «يديعوت أحرونوت»). فتخيّلوا! ويبدو ان ما قصد إليه أسعد جرمانوس هو تبرئة حزب الكتائب و«القوات اللبنانية». فقد جاء في التقرير ان لا أدلة على ان قيادة حزب الكتائب او قيادة القوات اللبنانية كانتا على علم مسبق بما حصل، ولم يثبت من التحقيق ان أي أوامر صدرت عن هاتين القيادتين إلى مقاتليها للمؤازرة او للاشتراك بهذه العملية (جريدة «النداء»، 21/6/1983، نقلا عن وكالة الأنباء المركزية).
أي تحقيق هذا الذي يزعم ان ما جرى في المخيمين ليس مجزرة بل معركة خاضتها الميليشيات المسيحية، وان معظم القتلى الفلسطينيين قتلوا نتيجة معركة عسكرية، وانه لم يقتل في المجزرة الا 7 نساء و8 أطفال؟
إن الوقائع الدامغة أثبتت، بصورة قطعية، بطلان هذا التحقيق ونتائجه. ومع ان مذبحة صبرا وشاتيلا غير محالة على المجلس العدلي، ما يعني أنها ربما تكون مشمولة بقانون العفو عن الجرائم الصادرة في سنة 1995، الا ان الجريمة تبقى جريمة ولو شملها ألف عفو، ولن تستطيع جميع الصلوات والأدعية وألاعيب الإخفاء السياسية ان تمحو هذا العار أبداً.